عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ السَّرَّاجِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَا ثَابِتُ مَا لَكُمْ وَ لِلنَّاسِ كُفُّوا عَنِ النَّاسِ وَ لَا تَدْعُوا أَحَداً إِلَى أَمْرِكُمْ فَوَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَ أَهْلَ الْأَرَضِينَ اجْتَمَعُوا باب الهداية أنها من الله عز و جل الحديث الأول: مجهول. قوله (عليه السلام): ما لكم و للناس؟ الواو للعطف على الضمير المجرور بإعادة الجار، و العامل معنوي يشعر به كلمة الاستفهام و حروف الجر الطالبان للفعل، و المعنى: ما تصنعون أنتم و الناس، ثم إن أخبار هذا الباب تشتمل على أمرين: الأول: ترك المجادلة و المخاصمة و الاحتجاج في مسائل الدين، و الآيات و الأخبار في ذلك متعارضة ظاهرا إذ كثير منها دالة على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و فضل الهداية و التعليم، و دفع شبه المخالفين، و كثير منها تدل على رجحان الكف عن ذلك و عدم التعرض لهم و النهي عن المراء و المجادلة و المخاصمة. و يمكن الجمع بينها بوجوه:" الأول" حمل أخبار النهي على التقية و الاتقاء على الشيعة فإنهم لحرصهم على هداية الخلق و دخولهم في هذا الأمر كانوا يلقون أنفسهم في المهالك، و يحتجون على المخالفين بما يعود به الضرر العظيم عليهم و على أنفسهم في المهالك، و يحتجون على المخالفين بما يعود به الضرر العظيم عليهم و على أئمتهم (عليهم السلام)، كما كان من أمر هشام بن الحكم و أضرابه، فنهوهم عن ذلك و أزالوا التوهم الذي صار سببا لحرصهم في ذلك من قدرتهم على هداية الخلق بالمبالغة و الاهتمام في الاحتجاج فيها، بأن الهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب من قبل الله تعالى، و لو علم الله المصلحة في جبرهم على اختيار الحق لكان قادرا عليه و لفعل، فإذا لم يفعل الله ذلك لمنافاته للتكليف و غير ذلك من المصالح، فلم تتعرضون أنتم للمهالك، مع عدم عَلَى أَنْ يَهْدُوا عَبْداً يُرِيدُ اللَّهُ ضَلَالَتَهُ مَا اسْتَطَاعُوا عَلَى أَنْ يَهْدُوهُ وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَ أَهْلَ الْأَرَضِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُضِلُّوا عَبْداً قدرتكم عليه، و قد منع الله نبيه (صلوات الله عليه) من ذلك و قال:" إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ" و أما إظهار الحق فإنما يجب مع عدم التقية، مع أنه قد تبين الرشد من الغي و تمت الحجة عليهم بما رأوا من فضل الأئمة و علمهم و ورعهم و كمالهم، و فجور خلفائهم الجائرين و بغيهم، و انتشرت الأخبار الدالة على الحق بينهم، و يكفي ذلك لهدايتهم إن كانوا قابلين، و لإتمام الحجة عليهم إن كانوا متعنتين. " الثاني" أن يكون الأمر بها عند عدم ظهور الحق و اشتباه الأمر على الناس و النهي عنها، أو تجويز تركها عند وضوح الحق و ظهور الأمر كما أشرنا إليه. " الثالث" أن يحمل أخبار الأمر على ما إذا كان لظهور الحق و هداية الخلق، و أخبار النهي على ما إذا كان للمراء و المخاصمة، و إظهار الفضل و الكمال، و التعنت و الغلبة، و إن كان بالباطل، و هذا من أخس صفات الذميمة و أرذلها. " الرابع" يمكن حمل بعض أخبار النهي على المسائل التي نهي عن الخوض فيها كمسألة القدر و كنه صفات الباري تعالى و أشباه ذلك. " الخامس" أن يكون النهي محمولا على مجادلة من يعلم أنه لا يؤول إلى الحق لشدة رسوخه في باطله. " السادس" أن يكون بعضها محمولا على من لا تقدر على إلقاء الحجج و دفع الشبه فيكون مخاصمته سببا لقوة حجة الخصم و رسوخه في ضلالته، و يدل عليه ما رواه الكشي عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الناس يعيبون علي بالكلام و أنا أكلم الناس؟ فقال: أما مثلك من يقع ثم يطير فنعم، و أما من يقع ثم لا يطير فلا، و عن الطيار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): بلغني أنك كرهت مناظرة الناس؟ فقال: أما كلام مثلك فلا يكره من إذا طار يحسن أن يقع، و إن وقع يحسن أن يطير، فمن كان هكذا لا نكرهه، و عن حماد قال: كان أبو الحسن (عليه السلام) يأمر محمد ابن حكيم أن يجالس أهل المدينة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أن يكلمهم و يخاصمهم حتى كلمهم في صاحب القبر، و كان إذا انصرف إليه قال: ما قلت لهم؟ و ما قالوا لك؟ و يرضي بذلك منه، و عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): ما فعل ابن الطيار؟ قال: قلت: مات، قال: (رحمه الله) و لقاه نضرة و سرورا فقد كان شديد الخصومة عنا أهل البيت. و يؤيد الوجه الثالث ما روي في تفسير الإمام (عليه السلام) قال: ذكر عند الصادق (عليه السلام) الجدال في الدين، و أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و الأئمة المعصومين (عليهم السلام) قد نهوا عنه؟ فقال الصادق (عليه السلام): لم ينه عنه مطلقا، لكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن، أ ما تسمعون إليه يقول:" وَ لٰا تُجٰادِلُوا أَهْلَ الْكِتٰابِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" و قوله تعالى: " ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين، و الجدال بغير التي هي أحسن محرم، و حرمه الله على شيعتنا، و كيف يحرم الله الجدال جملة و هو يقول:" وَ قٰالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلّٰا مَنْ كٰانَ هُوداً أَوْ نَصٰارىٰ" قال الله تعالى:" تِلْكَ أَمٰانِيُّهُمْ قُلْ هٰاتُوا بُرْهٰانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ" فجعل علم الصدق و الإيمان بالبرهان، و هل يؤتى بالبرهان إلا في الجدال بالتي هي أحسن، قيل: يا بن رسول الله فما الجدال بالتي هي أحسن و التي ليست بأحسن؟ فقال: أما الجدال بغير التي هي أحسن أن تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ترده بحجة قد نصبها الله تعالى، و لكن تجحد قوله أو تجحد حقا يريد ذلك المبطل أن يعين به باطله فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة لأنك لا تدري كيف المخلص منه، فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم، و على المبطلين، أما المبطلون فيجعلون الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلة و ضعف في يده حجة له على باطله، و أما الضعفاء منكم فتعمى قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل، ثم ذكر (عليه السلام) له احتجاجات النبي (صلى الله عليه و آله) على أرباب الملل الباطلة. و مما يؤيد سائر الوجوه ما رواه الصدوق في الخصال عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: إياك و الخصومات فإنها تورث الشك و تحبط العمل، و تردي صاحبها، و عسى أن يتكلم الرجل بالشيء لا يغفر له، و في المجالس عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إياك و الخصومة في الدين فإنها تشغل القلب عن ذكر الله عز و جل و تورث النفاق و تكسب الضغائن و تستجيز الكذب. و ما رواه الشيخ في مجالسه عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال لأصحابه: اسمعوا مني كلاما هو خير لكم من الدهم الموقفة: لا يتكلم أحدكم بما لا يعنيه، و ليدع كثيرا من الكلام فيما يعينه، حتى يجد له موضعا، فرب متكلم في غير موضعه جنى على نفسه بكلامه، و لا يمارين أحدكم سفيها و لا حليما، فإنه من مارى حليما أقصاه، و من مارى سفيها أرداه، و في المحاسن عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ادعوا الناس إلى ما في يدي؟ فقال: لا، قلت: إن استرشدني أحد أرشده؟ قال: نعم، إن استرشدك فأرشده، فإن استزادك فزده، فإن جاحدك فجاحده. و روى السيد بن طاوس في كشف المحجة نقلا من كتاب عبد الله بن حماد عن عاصم الحناط عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام) و أنا عنده: إياك و أصحاب الكلام و الخصومات و مجالستهم، فإنهم تركوا ما أمروا بعلمه، و تكلفوا ما لم يؤمروا بعلمه حتى تكلفوا علم السماء، يا أبا عبيدة خالط الناس بأخلاقهم و زائلهم بأعمالهم، و من الكتاب المذكور عن جميل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: متكلمو هذه العصابة من شرار من هم منهم، إلى غير ذلك من الأخبار التي أوردتها في كتاب بحار الأنوار. و قال شارح التجريد القوشجي في سياق أدلة النافين لوجوب النظر شرعا: و ثانيها: أن النبي (صلى الله عليه و آله) نهى عن الجدل كما في مسألة القدر، روي أنه (صلوات الله عليه) خرج على أصحابه فرآهم يتكلمون في القدر، فغضب حتى احمرت وجنتاه و قال: إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا، عزمت عليكم أن لا تخوضوا فيه أبدا، و قال (صلوات الله عليه): إذا ذكر القدر فأمسكوا، و لا شك أن النظر جدل، فيكون منهيا عنه لا واجبا، و أجيب: بأن ذلك النهي الوارد عن الجدل إنما هو حيث كان الجدل تعنتا و لجاجا بتلفيق الشبهات الفاسدة لترويج الآراء الباطلة، و دفع العقائد الحقة و إراءة الباطل في صورة الحق بالتلبيس و التدليس، كما قال تعالى:" وَ جٰادَلُوا بِالْبٰاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ" و قال:" بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ" و قال" وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يُجٰادِلُ فِي اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ" و مثل هذا الجدال لا نزاع في كونه منهيا عنه، و أما الجدل بالحق لإظهاره و إبطال الباطل فمأمور به، قال الله تعالى:" وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" و مجادلة الرسول لابن الزبعرى، و علي (عليه السلام) للقدري مشهورة إلى آخر ما قال. الثاني: أن الهداية من الله سبحانه، و لا يقدر الخلق عليها، و هو حق، و محمول على الإيصال إلى المطلوب، و هو مما لا يقدر عليه غيره تعالى، و أما الهداية بمعنى إراءة الطريق فهي شأن الأنبياء و الأوصياء و العلماء، و ربما يحمل على أن مفيض العلم يُرِيدُ اللَّهُ هِدَايَتَهُ مَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يُضِلُّوهُ كُفُّوا عَنِ النَّاسِ وَ لَا يَقُولُ أَحَدٌ عَمِّي وَ أَخِي وَ ابْنُ عَمِّي وَ جَارِي فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً طَيَّبَ رُوحَهُ فَلَا يَسْمَعُ مَعْرُوفاً إِلَّا عَرَفَهُ وَ لَا مُنْكَراً إِلَّا أَنْكَرَهُ- ثُمَّ يَقْذِفُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ كَلِمَةً يَجْمَعُ بِهَا أَمْرَهُ
الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ الْهِدَايَةِ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ