قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ مُصَنِّفُ هَذَا الْكِتَابِ (رحمه الله) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُمَرَ الْفُقَيْمِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ كتاب الحجة بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ وَ سَلٰامٌ عَلىٰ عِبٰادِهِ الَّذِينَ اصْطَفىٰ محمد و آله خيرة الورى أما بعد فهذا هو المجلد الثاني من كتاب مرآة العقول في شرح أخبار الرسول (صلى الله عليه و عليهم أجمعين) من كتاب الكافي. باب الاضطرار إلى الحجة أي لا بد في كل زمان من حجة معصوم، عالم بما يحتاج إليه الخلق إما نبي أو وصي نبي، و هذا المطلوب مبين في كتب الكلام بالبراهين العقلية و النقلية. الحديث الأول مجهول، و هو جزء من حديث طويل أوردناه في الكتاب الكبير و قد مضى بعض أجزائه في كتاب التوحيد. الْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ لِلزِّنْدِيقِ الَّذِي سَأَلَهُ مِنْ أَيْنَ أَثْبَتَّ الْأَنْبِيَاءَ وَ الرُّسُلَ قَالَ إِنَّا لَمَّا أَثْبَتْنَا أَنَّ لَنَا خَالِقاً صَانِعاً مُتَعَالِياً عَنَّا وَ عَنْ جَمِيعِ مَا خَلَقَ وَ كَانَ ذَلِكَ الصَّانِعُ حَكِيماً مُتَعَالِياً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشَاهِدَهُ خَلْقُهُ وَ لَا يُلَامِسُوهُ فَيُبَاشِرَهُمْ وَ يُبَاشِرُوهُ وَ يُحَاجَّهُمْ وَ يُحَاجُّوهُ ثَبَتَ أَنَّ لَهُ سُفَرَاءَ فِي خَلْقِهِ يُعَبِّرُونَ عَنْهُ إِلَى خَلْقِهِ وَ عِبَادِهِ وَ يَدُلُّونَهُمْ عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَ مَنَافِعِهِمْ وَ مَا بِهِ بَقَاؤُهُمْ وَ فِي تَرْكِهِ فَنَاؤُهُمْ- فَثَبَتَ الْآمِرُونَ وَ النَّاهُونَ عَنِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ فِي خَلْقِهِ وَ الْمُعَبِّرُونَ عَنْهُ جَلَّ وَ عَزَّ وَ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ(عليهم السلام)وَ صَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ حُكَمَاءَ مُؤَدَّبِينَ بِالْحِكْمَةِ مَبْعُوثِينَ بِهَا غَيْرَ مُشَارِكِينَ لِلنَّاسِ عَلَى مُشَارَكَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْخَلْقِ وَ التَّرْكِيبِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ مُؤَيَّدِينَ " من أين أثبت" على صيغة المخاطب و ربما يقرأ على بناء المفعول و هو بعيد" متعاليا عنا" أي عن مشابهتنا و الاشتراك معنا في الحقيقة و الصفة، و قوله: متعاليا ثانيا أريد به تعاليه عن العبث و اللغو، أو عن أن يشاهده الخلق و يلامسوه، فقوله:" لم يجز" صفة موضحة، و على الأول يحتمل أن يكون خبرا بعد خبر لكان، ثم إنه يحتمل أن يكون المراد بالملامسة و المباشرة معنييهما الحقيقيين، أو إدراكه بحقيقته فإنه يستلزم حصول حقيقته سبحانه في الذهن، أو إدراكه على وجه الكمال، و المراد بالخلق أكثرهم، أو إدراك كل أحد على ما ينبغي و يليق به بالمعنى بلا واسطة. و قوله: ثبت، جواب لما، و السفراء: جمع سفير من سفر بين القوم أي أصلح، أو من السفر بمعنى الكشف و الإيضاح" على مصالحهم و منافعهم" أي الدنيوية و الأخروية" و ما به بقاؤهم" من أمور المعاش، أو الأعم منها و من العبادة و المعرفة، فإن بقاء الخلق بهما" غير مشاركين للناس" أي في التقدس و القرب و الكمالات. ثم اعلم أنه (عليه السلام) أشار بذلك إلى براهين شتى على اضطرار الناس إلى الرسل نذكر منها وجهين جامعين: الأول: أنه لما ثبت وجود الصانع تعالى و حكمته و أنه لا يفعل العبث، و لو لم يكن الخلق مكلفين بمعرفته و عبادته ليفوزوا بهما بالمثوبات الأخروية و الكمالات النفسانية، لكان خلقهم عبثا، إذ يعلم كل عاقل أن اللذات الدنيوية المشوبة بأنواع المحن و الآلام لا تصلح علة لهذا الخلق و النظام، و أما معرفته سبحانه فلا يمكن حصولها للخلق إلا بوحيه سبحانه، لتعاليه عن مشاركة الخلق في حقائقهم، و مشابهته لهم حتى يعرفوا حقيقته بذلك كما تعرف سائر الخلق به، و هو متعال عن أن يدرك بالحواس أيضا حتى يعرف بذلك، و كذا معلوم أن ما يوجب القرب و الكمال من الأخلاق و الأعمال مما لا تفي بها القوي البشرية و العقول الإنسانية فلا بد في معرفة جميع ذلك من وحي من الله سبحانه و تلقى الوحي منه تعالى لا يتيسر لجميع الخلق، إذ لا بد من نوع مناسبة بين الموحي و الموحى إليه حتى يفهم ما يلقى إليه فلذا أرسل الله تعالى من عباده أقواما من جهة روحانيتهم و تقدسهم و تنزههم عن الأدناس البشرية يناسبون الملإ الأعلى و بهذه الجهة يتلقون الوحي من ربهم جل و علا، و من جهة بشريتهم و تجسمهم و مشاكلتهم للخلق في صورهم و أجسامهم و معاشرتهم لهم في ظواهر أحوالهم، يلقون الوحي إليهم. و أيضا لو كان الله تعالى يلقي الوحي إلى سائر الخلق كما ألقى إلى نبينا (صلى الله عليه و آله) في ليلة المعراج و غيرها، و إلى موسى عند الشجرة، لم تتم الحجة عليهم، لأنه لم تكن لهم قابلية أن يعرفوا أن ذلك الوحي من قبله سبحانه و ليس من الشياطين، بخلاف ما إذا سمعوا من بشر مثلهم يأتي بما لا يقدرون على الإتيان بمثله، فثبت أنه لا بد من سفراء بينه سبحانه و بينهم، و لا بد أن يكونوا من نوع البشر، و أن يكونوا مع مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب مباينين لهم في سائر أحوالهم و أطوارهم و أخلاقهم مقدسين منزهين روحانيين ليضاهئوا الملإ الأعلى كما مر ذكره فيما مضى، و معصومين مؤيدين بالمعجزات ليكونوا حجة على غيرهم. و هذا مما خطر ببالي القاصر، و هو بيان شاف، و برهان كاف لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد. الثاني: ما ذكره السالكون مسلك الحكماء و هو مبني على مقدمات عقلية: أوليها: أن لنا خالقا صانعا قادرا على كل شيء. و الثانية: أن الله جل اسمه متعال عن التجسم و التعلق بالمواد و الأجسام، و عن أن يكون مبصرا أو محسوسا بإحدى الحواس خلافا للكرامة و من يحذو حذوهم. و الثالثة: أنه تعالى حكيم عالم بوجوه الخير و المنفعة في النظام، و سبيل المصلحة للخلائق في المعيشة و القوام و البقاء و الدوام. و الرابعة: أن الناس محتاجون في معاشهم و معادهم إلى من يدبر أمورهم و يعلمهم طريق المعيشة في الدنيا، و النجاة من العذاب في العقبى و ذلك لأنه من المعلوم أن الإنسان لا تتمشى معيشته لو انفرد وحده شخصا واحدا كغيره من أنواع الحيوان يتولى أمره من غير شريك يعاونه على ضروريات حاجاته، و أنه لا بد من أن يكون مستغنيا بآخر من نوعه يكون ذلك أيضا مستغنيا مكفيا به و بنظيره، فيكون هذا يزرع لهذا و هذا يطحن لذاك، و ذلك يخبز لآخر و آخر يخيط لغيره، و هذا يبني و هذا يتخذ الحديد، و هذا ينجر و على هذا القياس، حتى إذا اجتمعوا كان أمرهم مكفيا و لهذا اضطروا إلى عقد المدن و الاجتماعات للمعاملات و المناكحات و سائر المعاونات و المشاركات. و بالجملة لا بد في وجود الإنسان و بقائه من المشاركة، و لا تتم المشاركة إلا بالمعاملة، و لا بد في المعاملة من سنة و قانون عدل، و لا بد للسنة و العدل من سان و معدل، و لا يجوز أن يترك الناس و آراءهم و أهواءهم في ذلك، فيختلفون، فيرى كل أحد منهم ما له عدلا و ما عليه ظلما و جورا، و لا بد أن يكون هذا المعدل و الإنسان بشرا لا ملكا، لأن الملك لا يراه أكثر الناس إلا أن يتشكل بشرا، لأن قواهم لا تقوى على رؤيته على صورة الملكية، و إنما رآهم الأفراد من الأنبياء بقوتهم القدسية. ثم لو فرض أن يتشكل بحيث يراه سائر الخلق كجبرئيل في صورة دحية كان ملتبسا عليهم كالبشر كما قال تعالى:" وَ لَوْ جَعَلْنٰاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنٰاهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنٰا عَلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ بِالْحِكْمَةِ ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي كُلِّ دَهْرٍ وَ زَمَانٍ مِمَّا أَتَتْ بِهِ الرُّسُلُ مٰا يَلْبِسُونَ" فلا بد أن يكون الإنسان له خصوصية ليست لسائر الناس حتى يستشعر الناس فيه أمرا لا يوجد لهم، فيتميز به منهم، فيكون له المعجزات التي أخبرنا بها و الحاجة إلى هذا الإنسان في أن يبقى نوع البشر، و يتحصل وجوده أشد من كثير من المنافع التي لا ضرورة فيها للبقاء كإنبات الشعر على الحاجبين، و تقعير الأخمص للقدمين، و ما يجري مجراهما من منافع الأعضاء التي بعضها للزينة و بعضها للسهولة في الأفعال و الحركات، كما يظهر من علم التشريح، و وجود هذا الإنسان الصالح لأن يسن و يشرح ممكن و تأييده بالآيات و المعجزات الموجبة لإذعان الخلق له أيضا ممكن فلا يجوز أن تكون الغاية الأولى تقتضي تلك المنافع، و لا تقتضي هذه التي هي أصلها و عمدتها. فإذا تمهدت هذه المقدمات فثبت و بين أنه واجب أن يوجد نبي و أن يكون إنسانا، و أن تكون له خصوصية ليست لسائر الناس و هي الأمور الخارقة للعادات، و يجب أن يسن للناس سننا بإذن الله و أمره و وحيه، و إنزال الملك إليه، و يكون الأصل الأول فيما يسنه تعريفه إياهم أن لهم صانعا قادرا واحدا لا شريك له، و أن النبي عبده و رسوله، و أنه عالم بالسر و العلانية و أنه من حقه أن يطاع أمره، و أنه قد أعد لمن أطاعه الجنة، و لمن عصاه النار، حتى يتلقى الجمهور أحكامه المنزلة على لسانه من الله و الملائكة بالسمع و الطاعة. ففي هذا الحديث الشريف تصريح و تلويح إلى جميع ذلك كما لا يخفى على المتأمل. قوله:" ثم ثبت ذلك" أقول: يحتمل هذا الكلام وجوها: الأول: أن يكون المعنى أن الدليل المتقدم إنما يدل على وجوب النبي وَ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الدَّلَائِلِ وَ الْبَرَاهِينِ لِكَيْلَا تَخْلُوَ أَرْضُ اللَّهِ مِنْ حُجَّةٍ يَكُونُ مَعَهُ عِلْمٌ أو الحجة في كل عصر، و أما تعيين الأشخاص المعينة فإنما يثبت بما أتوا به من الدلائل و البراهين، أي الآيات و المعجزات و خوارق العادات، و غلبتهم في العلوم على أهل عصرهم، و قوله (عليه السلام):" لكيلا يخلو" تعليل لقوله: ثم ثبت، و وجه التعليل أنه ما دامت الأرض باقية و الناس موجودين فيها لا بد لهم من حجة لله عليهم يقوم بأمرهم، و يهديهم إلى سبيل الرشاد مؤيدا بما يدل على صدقه و عدالته و وجوب متابعته. الثاني: أن يكون ذلك إشارة إلى وجود الآمرين و الناهين الموصوفين بالأوصاف المذكورة، و المراد أن الدليل السابق إنما دل على وجوب إقامة الحجة في الأرض في الجملة، و أما عدم خلو دهر طويل أو زمان قصير من حجة فإنما ثبت بقول الأنبياء و الرسل، فإن كلامهم و أخبارهم عن الله دليل و برهان حيث أخبروا أن أرض الله لا تخلو من حجة فمن في قوله" مما" للسببية، و الظرف متعلق بقوله: ثم ثبت، أو بكل من" فثبت" و" ثم ثبت" على التنازع. الثالث: أن يكون المقصود بالدليل أولا إثبات الأنبياء (عليهم السلام)، و بقوله: ثم ثبت إثبات الأوصياء، و هذا يحتمل وجهين:" أحدهما" أنه قد ثبت الأوصياء في كل دهر بما أتت به الأنبياء من قبل الله من النص عليهم، فيكون ثبوت الأنبياء (عليهم السلام) بالعقل و الأوصياء بالنقل" و ثانيهما" أن يكون المراد أن الأوصياء بعد الأنبياء أيضا ثبت إمامتهم بما أتت به الأنبياء من المعجزات، و في بعض النسخ: مما أثبت، و لا يخفى توجيهه على الوجوه إن قرأ معلوما أو مجهولا. و يزيد على الأخير أنه يمكن تعميمه بحيث يشمل الدليل العقلي المتقدم الدال على وجوب الأنبياء (عليه السلام). قوله (عليه السلام): تكون معه علم، بفتحتين أي علامة و دليل، و ربما يقرأ بكسر الأول و سكون الثاني. يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ وَ جَوَازِ عَدَالَتِهِ
الكافي — كتاب الحجة · بَابُ الِاضْطِرَارِ إِلَى الْحُجَّةِ