مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(عليه السلام)يَقُولُ كُلُّ مَنْ دَانَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِعِبَادَةٍ يُجْهِدُ فِيهَا نَفْسَهُ وَ لَا إِمَامَ لَهُ مِنَ اللَّهِ فَسَعْيُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَ هُوَ ضَالٌّ مُتَحَيِّرٌ وَ اللَّهُ شَانِئٌ لِأَعْمَالِهِ وَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شَاةٍ ضَلَّتْ عَنْ رَاعِيهَا وَ قَطِيعِهَا فَهَجَمَتْ ذَاهِبَةً وَ جَائِيَةً يَوْمَهَا فَلَمَّا معرفة النبي (صلى الله عليه و آله) و الإمام (عليه السلام)، و يحتمل أن يكون العلم الرسول (صلى الله عليه و آله) و الباب الإمام، فقوله:" ذاك" راجع إليهما معا، و الأول أظهر. الحديث الثامن: صحيح. قوله (عليه السلام): كل من دان الله، أي أطاع الله بزعمه أو عبد الله أو عامل الله" يجهد فيها نفسه" أي يجد و يبالغ فيها و يحمل على نفسه فوق طاقتها، قال في المغرب: جهده حمله فوق طاقته من باب منع و أجهد لغة قليلة، و الجهد المشقة" و لا إمام له من الله" أي منصوب من قبل الله بأن لا يعتقد إمامته، و لا يكون عمله بالأخذ عنه" و هو ضال متحير" حيث لم يأخذها عن مأخذها الموجب لصحة المعرفة، فعمله لم يكن لله" و الله شانئ سبحانه مبغض لأعماله، بمعنى أنها غير مقبولة عند الله و صاحبها غير مرضي عنده سبحانه" و مثله" أي في أعماله و حيرته. و قال الفيروزآبادي: هجم عليه هجوما: انتهى إليه بغتة، أو دخل بغير إذن، و فلانا: أدخله كما هجمه، و الشيء: سكن و أطرق، و فلانا طرده" انتهى". فهو على بناء المعلوم أي دخلت في السعي و التعب بلا روية و لا علم. " ذاهبة و جائية" متحيرة في جميع يومها، فإن ذلك العامل لما لم يكن على ثقة من المعرفة بالعمل، يكون في معرض الشك و الحيرة. " فلما جنها الليل" أي حان حين خوفه و أحاطت ظلمة الجهل به و لم يعرف من يحصل له الثقة به، و طلب من يلحق به لحق على غير بصيرة لجماعة يراهم مجتمعين على من لا يعرف حاله و حن إليهم و اغتر بهم ظنا منه أنهم على ما هو عليه. جَنَّهَا اللَّيْلُ بَصُرَتْ بِقَطِيعِ غَنَمٍ مَعَ رَاعِيهَا فَحَنَّتْ إِلَيْهَا وَ اغْتَرَّتْ بِهَا فَبَاتَتْ مَعَهَا فِي مَرْبِضِهَا فَلَمَّا أَنْ سَاقَ الرَّاعِي قَطِيعَهُ أَنْكَرَتْ رَاعِيَهَا وَ قَطِيعَهَا فَهَجَمَتْ مُتَحَيِّرَةً تَطْلُبُ رَاعِيَهَا وَ قَطِيعَهَا- فَبَصُرَتْ بِغَنَمٍ مَعَ رَاعِيهَا فَحَنَّتْ إِلَيْهَا وَ اغْتَرَّتْ بِهَا فَصَاحَ بِهَا الرَّاعِي الْحَقِي بِرَاعِيكِ وَ قَطِيعِكِ فَأَنْتِ تَائِهَةٌ مُتَحَيِّرَةٌ عَنْ رَاعِيكَ وَ قَطِيعِكَ فَهَجَمَتْ ذَعِرَةً مُتَحَيِّرَةً قوله: مع غير راعيها، أي الشاة و في بعض النسخ" مع راعيها" فالضمير راجع إلى الغنم. و في القاموس: الحنن: الشوق، و توقان النفس، و الذعر: الفزع و الخوف، و الحاصل أنه (عليه السلام) ذكر هذا التشبيه على سبيل التمثيل، و هو عبارة عن تشبيه هيئة منتزعة من أشياء متعددة بهيئة أخرى، و لا بد من اشتماله على تشبيهات متعددة للأجزاء بالإجزاء، ففي هذا التمثيل شبه (عليه السلام) الإمام بالراعي، و الأمة بالغنم، و الجاهل الذي لا إمام له بالشاة التي ضلت عن راعيها و قطيعها، و شبه عبادته و سعيه لطلب الإمام من غير بصيرة بتهجم تلك الشاة ذاهبة و جائية، لاشتراكهما في الضلال و التحير مع السعي و التردد و لحوقه كل يوم بطائفة لتحيره في أمره بلحوق الشاة الضالة بالقطيع، و تنفره عما يرى منهم من سوء العقائد و الأعمال، و أشياء يخالف ما في يده منهما بإنكار الشاة راعيها و قطيعها، و تنفر طائفة عنه محقين كانوا أو مبطلين، لما يرون منه من رسوخه في الضلال و عدم استعداده لقبول ما هم عليه، إما للتقية أو لعدم تجويز تأثير النصح فيه، بصياح الراعي بالشاة النافرة: الحقي براعيك و قطيعك الشيطان الذي يجعله ثابتا في الضلالة، بالذئب المهلك. فالتشبيه و التمثيل في غاية الحسن و التمام، و هو وصف لحال الفرق الشاذة عن الشيعة الإمامية كالزيدية و الفطحية و الواقفية و أمثالهم، فإنهم لما تركوا الإمام الحق، و ضلوا عنه ذهبوا إلى عبد الله الأفطح و أمثاله، فسألوهم عن مسائل و وجدوهم مخالفين لما وصل إليهم من أئمة الحق قولا و فعلا، فتركوهم و ذهبوا إلى طائفة أخرى من فرق الشيعة الضالة فلم يقبلوهم، أو إلى الفرقة الإمامية فلم يثقوا بهم و ردوهم لعدم خلوص تَائِهَةً لَا رَاعِيَ لَهَا يُرْشِدُهَا إِلَى مَرْعَاهَا أَوْ يَرُدُّهَا فَبَيْنَا هِيَ كَذَلِكَ إِذَا اغْتَنَمَ الذِّئْبُ ضَيْعَتَهَا فَأَكَلَهَا وَ كَذَلِكَ وَ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَصْبَحَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَا إِمَامَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ظَاهِرٌ عَادِلٌ أَصْبَحَ ضَالًّا تَائِهاً وَ إِنْ مَاتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مَاتَ مِيتَةَ كُفْرٍ وَ نِفَاقٍ وَ اعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ نيتهم و استعدادهم لقبول الحق، فاغتنم الشيطان ضلالهم و حيرتهم و وسوس إليهم أن هذه الفرق كلهم ضالة فألحق بالمخالفين، فهلك هلاكا لا يرجو النجاة، و كالمخالفين الذين تركوا أمير المؤمنين و تحيروا في خلافته فذهبوا إلى خلفاء الجور فلما رأوا منهم خلاف سيرة النبي (صلى الله عليه و آله) و طريقته ذهبوا إلى أهل الحق امتحانا من غير بصيرة فردوهم تقية أو لغير ذلك، فوسوس إليهم الشيطان و ردوهم إلى الكفر الأصلي، أو سد عليهم الحق حتى هلكوا في الحيرة و الضلالة، أو تركوا جميع المذاهب و ذهبوا إلى الإلحاد. كما روي أن ابن أبي العوجاء كان من تلامذة الحسن البصري، فانحرف عن التوحيد، فقيل له: تركت مذهب صاحبك و دخلت فيما لا أصل له و لا حقيقة؟ فقال: إن صاحبي كان مخلطا كان يقول بالقدر، و طورا بالجبر، و ما أعلمه اعتقد مذهبا دام عليه. قوله (عليه السلام): إذا اغتنم الذئب ضيعتها، أي ضياعها و كونها بلا راع و حافظ فيكون مصدرا، و قيل: الضمير راجع إلى قطيع الغنم، أي ما ضاع منها و قيل: إنما اكتفي براعيين و قطيعين للإشارة إلى أن كل طريق من طرق الضلالة إما مشتمل على الإفراط أو على التفريط، و الوسط هو الحق. قوله: ظاهر، أي بين حجيته بالبرهان و إن كان غائبا، و قال الفاضل التستري (ره): الظاهر أنه بالطاء المهملة، و يؤيده ما في بعض الروايات: إن الله طهرنا و عصمنا" انتهى". و قال الجوهري: الميتة بالكسر: كالجلسة و الركبة يقال: مات فلان ميتة حسنة" انتهى". أَئِمَّةَ الْجَوْرِ وَ أَتْبَاعَهُمْ لَمَعْزُولُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَ أَضَلُّوا فَأَعْمَالُهُمُ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا كَرَمٰادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عٰاصِفٍ لٰا يَقْدِرُونَ مِمّٰا كَسَبُوا عَلىٰ شَيْءٍ- ذٰلِكَ هُوَ الضَّلٰالُ الْبَعِيدُ
الكافي — كتاب الحجة · بَابُ مَعْرِفَةِ الْإِمَامِ وَ الرَّدِّ إِلَيْهِ