أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ ذَكَرْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَوْلَنَا فِي الْأَوْصِيَاءِ إِنَّ طَاعَتَهُمْ مُفْتَرَضَةٌ قَالَ فَقَالَ نَعَمْ هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وَ هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ كل ما أخذ في دار الحرب بغير قتال، و كل أرض انجلى أهلها عنها بغير قتال، و ميراث من لا وارث له، و قطائع الملوك إذا كانت في أيديهم بغير غصب، و الآجام و بطون الأودية، و الأرضون الموات و غير ذلك مما هو مذكور في مواضعه. و قالا (عليهما السلام): هي لله و للرسول، و بعده لمن قام مقامه، يصرفه حيث شاء من مصالح نفسه، ليس لأحد فيه شيء" انتهى". " و لنا صفو المال" أي خالصة و مختاره، من صفا يا ملوك أهل الحرب و قطائعهم و غير ذلك مما يصطفي من الغنيمة، كالفرس الجواد و الثوب المرتفع، و الجارية الحسناء و السيف الفاخر و أضرابها" و نحن الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ" الممدوحون في القرآن كما سيأتي و كذا يأتي ذكر المحسودين إنشاء الله. الحديث السابع: حسن كالصحيح. " وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" قال الطبرسي (رحمه الله): للمفسرين فيه قولان: أحدهما أنهم الأمراء، و الآخر أنهم العلماء، و أما أصحابنا فإنهم رووا عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) أن أولي الأمر هم الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه و آله) أوجب الله طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب طاعته و طاعة رسوله، و لا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلا من ثبتت عصمته، و علم أن باطنه كظاهره و أمن منه الغلط و الأمر بالقبيح، و ليس ذلك بحاصل في الأمراء و لا العلماء سواهم، جل الله سبحانه أن يأمر بطاعة من يعصيه، و بالانقياد للمختلفين بالقول و الفعل، لأنه محال أن يطاع المختلفون كما أنه محال عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أن يجتمع ما اختلفوا فيه. و مما يدل على ذلك أيضا أن الله سبحانه لم يقرن طاعة أولي الأمر بطاعة رسوله، كما قرن طاعة رسوله بطاعته إلا و أولو الأمر فوق الخلق جميعا، كما أن الرسول فوق أولي الأمر و فوق سائر الخلق، و هذه صفة أئمة الهدى من آل محمد (عليهم السلام) الذين ثبتت إمامتهم و عصمتهم، و اتفقت الأمة على علو رتبتهم و عدالتهم" انتهى". قوله تعالى:" إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ" الآية، أقول: هذه الآية عمدة ما استدل به أصحابنا رضي الله عنهم على إمامة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، و تقريره يتوقف على بيان أمور: الأول: أن الآية خاصة و ليست بعامة لجميع المؤمنين، و بيانه أنه تعالى خص الحكم بالولاية بالمؤمنين المتصفين بإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة في حال الركوع، و معلوم أن تلك الأوصاف غير شاملة لجميع المؤمنين، و ليس لأحد أن يقول: أن المراد بقوله:" وَ هُمْ رٰاكِعُونَ" أن هذه شيمتهم و عادتهم، و لا يكون حالا عن إيتاء الزكاة، و ذلك لأن قوله:" يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ" قد دخل فيه الركوع فلو لم يحمل على الحالية لكان كالتكرار، و التأويل المفيد أولى من البعيد الذي لا يفيد، و أما حمل الركوع على غير الحقيقة الشرعية بحمله على الخضوع من غير داع إليه سوى العصبية لا يرضى به ذو فطنة سوية، مع أن الآية على أي حال تتأدى بسياقها على الاختصاص. و قد قيل فيه وجه آخر: و هو أن قوله:" إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ" خطاب عام لجميع المؤمنين و دخل في الخطاب النبي (صلى الله عليه و آله) و غيره، ثم قال:" وَ رَسُولُهُ" فأخرج النبي (صلى الله عليه و آله) من جملتهم لكونهم مضافين إلى ولايته ثم قال:" وَ الَّذِينَ آمَنُوا" فوجب أن يكون الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية و إلا أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، و إلى أن يكون كل واحد من المؤمنين ولي نفسه و ذلك محال، و فيه: بعض المناقشات و الأول أسلم منها. الثاني: أن المراد بالولي هنا الأولى بالتصرف، و الذي يلي تدبير الأمر، كما يقال: فلان ولي المرأة و ولي الطفل، و ولي الدم، و السلطان ولي أمر الرعية و يقال لمن يقيمه بعده: هو ولي عهد المسلمين، و قال الكميت يمدح عليا (عليه السلام): و نعم ولي الأمر بعد وليه و منتجع التقوى و نعم المؤدب و قال المبرد في كتاب العبارة عن صفات الله: أصل الولي الذي هو أولى أي أحق، و الولي و إن كان يستعمل في معان آخر كالمحب و الناصر لكن لا يمكن إرادة غير الأولى بالتصرف و التدبير هيهنا، لأن لفظة إنما تفيد التخصيص، و لا يرتاب فيه من تتبع اللغة و كلام الفصحاء أن التخصيص ينافي حمله على المعاني الأخر، إذ سائر المعاني المحتملة في بادئ الرأي لا يختص شيء منها ببعض المؤمنين دون بعض، كما قال تعالى:" وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ" و بعض الأصحاب استدل على ذلك بأن الظاهر من الخطاب أن يكون عاما لجميع المكلفين من المؤمنين و غيرهم، كما في قوله تعالى:" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ" و غير ذلك، فإذا دخل الجميع تحته استحال أن يكون المراد باللفظة الموالاة في الدين، لأن هذه الموالاة يختص بها المؤمنون دون غيرهم، فلا بد إذا من حملها على ما يصح دخول الجميع فيه، و هي معنى الإمامة و وجوب الطاعة و فيه كلام. الثالث: أن الآية نازلة فيه (عليه السلام)، و الأخبار في ذلك متواترة من طرق الخاصة و العامة، و عليه إجماع المفسرين، و قد رواها الزمخشري و البيضاوي و إمامهم الرازي في تفاسيرهم مع شدة تعصبهم و كثرة اهتمامهم في إخفاء فضائله، إذ كان هذا في الاشتهار كالشمس في رائعة النهار. قال محمد بن شهرآشوب في مناقبه: أجمعت الأمة على أن هذه الآية نزلت في علي (عليه السلام) لما تصدق بخاتمه و هو راكع، لا خلاف بين المفسرين في ذلك، ذكره الثعلبي و الماوردي و القشيري و القزويني و الرازي و النيسابوري و الفلكي و الطوسي و الطبرسي في تفاسيرهم، عن السدي و المجاهد و الحسن و الأعمش و عتبة بن أبي حكيم و غالب بن عبد الله و قيس بن ربيع و عباية بن ربعي و عبد الله بن العباس و أبي ذر الغفاري، و ذكره ابن البيع في معرفة أصول الحديث عن عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب، و الواحدي في أسباب نزول القرآن عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، و السمعاني في فضائل الصحابة عن حميد الطويل عن أنس، و سلمان بن أحمد في معجمه الأوسط عن عمار، و أبو بكر البيهقي في المصنف و محمد بن الفتال في التنوير و في الروضة عن عبد الله بن سلام و أبي صالح و الشعبي و مجاهد، و النطنزي في الخصائص عن ابن عباس، و الإبانة عن الفلكي عن جابر الأنصاري و ناصح التميمي و ابن عباس و الكلبي في روايات مختلفة الألفاظ متفقة المعاني، و في أسباب النزول عن الواحدي أن عبد الله بن سلام أقبل و معه نفر من قومه و شكوا بعد المنزل عن المسجد، و قالوا: إن قومنا لما رأونا صدقنا الله و رسوله رفضونا و لا يكلموننا و لا يجالسوننا و لا يناكحوننا، فنزلت هذه الآية، فخرج النبي (صلى الله عليه و آله) إلى المسجد فرأى سائلا فقال: هل أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم خاتم فضة، و في رواية: خاتم ذهب، قال: من أعطاكه؟ قال: أعطانيه هذا الراكع" انتهى". و أقول: روى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن عباية بن ربعي عن أبي ذر الغفاري قال: إني صليت مع رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوما من الأيام الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا و رفع السائل يده إلى السماء و قال: اللهم أشهد أني سألت في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلم يعطني أحد شيئا و كان علي في الصلاة راكعا، فأومأ إليه بخنصره اليمنى، و كان يتختم فيها، فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره، و ذلك بمرأى النبي (صلى الله عليه و آله) و هو يصلي، فلما فرغ النبي (صلى الله عليه و آله) من صلاته رفع رأسه إلى السماء و قال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال:" رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسٰانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هٰارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي" فأنزلت عليه قرآنا ناطقا:" سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُمٰا سُلْطٰاناً فَلٰا يَصِلُونَ إِلَيْكُمٰا بِآيٰاتِنٰا" اللهم و أنا محمد نبيك و صفيك اللهم فاشرح لي صدري و يسر لي أمري، و اجعل لي وزيرا من أهلي عليا اشدد به ظهري، قال أبو ذر: فما استتم رسول الله (صلى الله عليه و آله) كلامه حتى نزل جبرئيل (عليه السلام) من عند الله عز و جل فقال: يا محمد اقرأ قال: و ما أقرأ؟ قال: اقرأ:" إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا" الآية. و قال السيد بن طاوس في كتاب سعد السعود: رأيت في تفسير محمد بن العباس بن علي بن مروان أنه روى نزل آية" إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ" في علي (عليه السلام) من تسعين طريقا بأسانيد متصلة كلها أو جلها من رجال المخالفين لأهل البيت (عليه السلام)" انتهى". و أقول: روى السيوطي في تفسيره الدر المنثور أخبارا كثيرة في ذلك أوردتها مع سائر ما ورد في ذلك في كتابنا الكبير. و أما إطلاق لفظ الجمع على الواحد تعظيما فهو شائع ذائع في اللغة و العرف، و قد ذكر المفسرون هذا الوجه في كثير من الآيات الكريمة كما قال تعالى:" وَ السَّمٰاءَ بَنَيْنٰاهٰا بِأَيْدٍ وَ إِنّٰا لَمُوسِعُونَ" و" إِنّٰا أَرْسَلْنٰا نُوحاً" و" إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ" و قوله: " الَّذِينَ قٰالَ لَهُمُ النّٰاسُ إِنَّ النّٰاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ" مع أن القائل كان واحدا و أمثالها و من خطاب الملوك و الرؤساء: فعلنا كذا، و أمرنا بكذا، و من الخطاب الشائع في عرف العرب و العجم إذا خاطبوا واحدا: فعلتم كذا، و قلتم كذا، تعظيما. و قال الزمخشري:" فإن قلت": كيف صح أن يكون لعلي (عليه السلام) و اللفظ لفظ جماعة؟" قلت": جيء به على لفظ الجمع و إن كان السبب فيه رجلا واحدا ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، و لينبه على أن سجية المؤمنين تجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر و الإحسان و هم في الصلاة، لم يؤخروه إلى الفراغ منها" انتهى".
الكافي — كتاب الحجة · بَابُ فَرْضِ طَاعَةِ الْأَئِمَّةِ(ع)