وَقَعُوا فِي الْحَيْرَةِ إِذْ تَرَكُوا الْإِمَامَ عَنْ بَصِيرَةٍ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ كٰانُوا مُسْتَبْصِرِينَ رَغِبُوا عَنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ وَ اخْتِيَارِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَى اخْتِيَارِهِمْ وَ الْقُرْآنُ يُنَادِيهِمْ- وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ يَخْتٰارُ مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحٰانَ اللّٰهِ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا " فلم يزدادوا منه" أي من الإمام الحق" إلا بعدا" و في بعض النسخ بعد ذلك: و قال الصفواني في حديثه:" قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ" ثم اجتمعا في الرواية. أقول: رواة نسخ الكليني كثيرة أشهرهم الصفواني و النعماني فبعض الرواة المتأخرة منهم عارضوا النسخ و أشاروا إلى الاختلاف، فالأصل برواية النعماني و لم يكن فيه:" قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ" و كان في رواية الصفواني فأشار هنا إلى الاختلاف" قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ" دعاء عليهم بالهلاك و البعد عن رحمة الله، لأن من قاتله الله فهو هالك بعيد عن رحمة الله أو تعجب عن شناعة عقائدهم و أعمالهم" أَنّٰى يُؤْفَكُونَ" قال الراغب: أي يصرفون عن الحق في الاعتقاد إلى الباطل، و من الصدق في المقال إلى الكذب، و من الحسن في الفعل إلى القبيح، و الإفك الكذب، و كل مصروف عن وجهه. " وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ" في طلب الإمام باختيارهم" فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ" و هو الإمام و معرفته" وَ كٰانُوا مُسْتَبْصِرِينَ" أي عالمين بذلك السبيل، أو قادرين على العلم فقصروا. " وَ يَخْتٰارُ" أي ما يشاء" مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ" كلمة" ما" نافية، و قيل: موصولة، مفعول ليختار، و العائد محذوف، و المعنى يختار الذين كان لهم فيه الخيرة و الخيرة بمعنى التخيير" سُبْحٰانَ اللّٰهِ" تنزيها له أن ينازعه أحد في الخلق و يزاحم اختياره" وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ" أي عن إشراكهم في الخلق و الاختيار. قال السيد في الطرائف: روى محمد بن مؤمن الشيرازي في تفسير قوله تعالى:" يُشْرِكُونَ وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ الْآيَةَ وَ قَالَ- مٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتٰابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمٰا تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمٰانٌ عَلَيْنٰا بٰالِغَةٌ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمٰا تَحْكُمُونَ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذٰلِكَ زَعِيمٌ أَمْ لَهُمْ شُرَكٰاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكٰائِهِمْ إِنْ كٰانُوا وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ" قال: إن الله تعالى خلق آدم من طين حيث شاء، ثم قال:" وَ يَخْتٰارُ" إن الله تعالى اختارني و أهل بيتي على جميع الخلق فانتجبنا، و جعلني الرسول و جعل علي بن أبي طالب (عليه السلام) الوصي، ثم قال:" مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ" يعني ما جعلت للعباد أن يختاروا و لكني اختار من أشاء، فأنا و أهل بيتي صفوة الله و خيرته من خلقه، ثم قال:" سُبْحٰانَ اللّٰهِ (وَ تَعٰالىٰ) عَمّٰا يُشْرِكُونَ" يعني تنزيه الله عما يشرك به كفار مكة، ثم قال:" وَ رَبُّكَ" يا محمد" يَعْلَمُ مٰا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ" من بغض المنافقين لك و لأهل بيتك" وَ مٰا يُعْلِنُونَ" من الحب لك و لأهل بيتك. و أقول: ليس قوله:" من أمرهم" في القرآن و لا في العيون و معاني الأخبار و غيرهما من كتب الحديث، و لعله زيد من النساخ، و على تقديره يمكن أن يكون في قراءتهم (عليهم السلام) كذلك، أو زاده (عليه السلام) تفسيرا. " أَمْ لَكُمْ كِتٰابٌ" أي من السماء" فِيهِ تَدْرُسُونَ" أي تقرءون" إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمٰا تَخَيَّرُونَ" أي إن لكم ما تختارونه و تشتهونه، قيل: أصله أن لكم بالفتح لأنه المدروس، فلما جئت باللام كسرت، و يجوز أن يكون حكاية للمدروس أو استينافا، و تخير الشيء و اختياره: أخذ خيره. " أَمْ لَكُمْ أَيْمٰانٌ عَلَيْنٰا" أي عهود مؤكدة بالإيمان" بٰالِغَةٌ" متناهية في التأكيد" إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ" متعلق بالمقدر في لكم أي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها حتى نحكمكم في ذلك اليوم، أو مبالغة أي أيمان علينا تبلغ ذلك اليوم" إِنَّ لَكُمْ لَمٰا تَحْكُمُونَ" جواب القسم لأن معنى" أَمْ لَكُمْ أَيْمٰانٌ عَلَيْنٰا" أم أقسمنا لكم. " سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذٰلِكَ زَعِيمٌ" أي بذلك الحكم قائم يدعيه و يصححه م" أَمْ لَهُمْ شُرَكٰاءُ" صٰادِقِينَ وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ- أَ فَلٰا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا أَمْ طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لٰا يَفْقَهُونَ أَمْ قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ لٰا يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللّٰهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لٰا يَعْقِلُونَ وَ لَوْ عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ يشاركونهم في هذا القول" فَلْيَأْتُوا بِشُرَكٰائِهِمْ إِنْ كٰانُوا صٰادِقِينَ" في دعواهم إذ لا أقل من التقليد، قال البيضاوي: قد نبه سبحانه في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به من عقل أو نقل أو وعد أو محض تقليد على الترتيب تنبيها على مراتب النظر و تزييفا لما لا سند له" أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا" المانعة من دخول الحق فيها. قيل: تنكير القلوب لأن المراد قلوب بعض منهم، و إضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها مختصة بها، لا تجانس الأقفال المعهودة. " أم طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ" هذا من كلامه (عليه السلام) اقتبسه من الآيات و ليس في القرآن بهذا اللفظ، و" أم" منقطعة في مقابلة قوله:" و القرآن يناديهم" أي ختم الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ما في متابعة القرآن و موافقة الرسول من السعادة، و ما في مخالفتهما و القول بالرأي من الشقاوة. " أم قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ لٰا يَسْمَعُونَ" هذا أيضا اقتباس، و في القرآن" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لٰا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَ لٰا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ لٰا يَسْمَعُونَ" أي سماع انقياد و إذعان فكأنهم لا يسمعون أصلا و بعد ذلك في القرآن:" إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ" أي شر البهائم عِنْدَ اللّٰهِ" الصُّمُّ" عن الحق" الْبُكْمُ" عنه" الَّذِينَ لٰا يَعْقِلُونَ" الحق فقد عد من لم يعمل بالآيات و لم يتفكر فيها شر البهائم، لإبطالهم عقولهم التي بها يتميزون عنها، و من جملة تلك الآيات ما دل على المنع من القول في الدين بالرأي و الاختيار و بعد تلك الآيات قوله:" وَ لَوْ عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً" قال البيضاوي: سعادة كتبت لهم أو انتفاعا بالآيات" لَأَسْمَعَهُمْ" سماع تفهيم" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ" و قد علم أن لا خير فيهم" لَتَوَلَّوْا" و لم ينتفعوا به أو ارتدوا بعد التصديق و القبول مُعْرِضُونَ " وَ هُمْ مُعْرِضُونَ" لعنادهم انتهى. و يمكن أن يكون غرضه (عليه السلام) تأويل الآيات بالإمامة بأن يكون المراد بقوله: " أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ" في إمامة علي (عليه السلام) ثم قال:" لَوْ عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ" إمامة علي (عليه السلام) و بطلان أئمة الضلال بأصرح مما في القرآن" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ" كذلك و هم على هذه الشقاوة" لَتَوَلَّوْا" صريحا و ارتدوا عن الدين ظاهرا، و لم تكن المصلحة في ذلك، فلذا لم يسمعهم كذلك، و بالجملة لا بد أن يكون المراد بالإسماع إسماعا زائدا على ما لا بد منه في إتمام الحجة إما بزيادة التصريح، أو بالألطاف الخاصة التي لا يستحقها المعاندون. و أورد ههنا إشكال مشهور و هو أن أمير المؤمنين المذكورتين في الآية بصورة قياس اقتراني ينتج: لو علم الله فيهم خيرا لتولوا و هذا محال، لأنه على تقدير أن يعلم الله فيهم خيرا لا يحصل منهم التولي بل الانقياد، و قد ظهر من كلام البيضاوي لذلك جواب. و الجواب الحق أنه ليس المقصود في الآية ترتب قياس اقتراني حتى يلزم أن يكون منتجا مشتملا على شرائط الإنتاج، و ليس مشتملا عليها لعدم كلية الكبرى، إذ قوله تعالى:" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا" ليس المراد أنه على أي تقدير أسمعهم لتولوا، بل على هذا التقدير الذي لا يعلم الله فيهم الخير لو أسمعهم لتولوا و لذا لم يسمعهم إسماعا موجبا لانقيادهم، و الجملة الثانية مؤكدة للأولى، أي عدم إسماعهم في تلك الحالة، لأنه لو أسمعهم لتولوا، و يحتمل أن يكون في قوة استثناء نقيض التالي فيكون قياسا استثنائيا. و ينسب إلى المحقق الطوسي (رحمه الله) أنه أجاب عن هذا الإشكال بأن المقدمتين مهملتان و كبرى الشكل الأول يجب أن تكون كلية، و لو سلم فإنما ينتجان لو كانت الكبرى لزومية و هو ممنوع، و لو سلم فاستحالة النتيجة ممنوعة، لأن علم الله تعالى فيهم خيرا محال، إذ لا خير فيهم، و المحال جاز أن يستلزم المحال. و قال بعض الأفاضل هذا الجواب و أصل السؤال كلاهما باطل لأن لفظ" لو" لم يستعمل في فصيح الكلام في القياس الاقتراني، و إنما يستعمل في القياس الاستثنائي، المستثنى منه نقيض التالي لأنه معتبر في مفهوم" لو" فلو صرح به كان تكرارا، و كيف يصح أن يعتقد في كلام الحكيم تعالى و تقدس أنه قياس أهملت فيه شرائط الإنتاج، فأي فائدة تكون في ذلك، و هل يركب القياس إلا لحصول النتيجة؟ بل الحق أن قوله تعالى:" وَ لَوْ عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ" وارد على قاعدة اللغة، و هي أن امتناع الشرط يعني أن سبب عدم الإسماع في الخارج عدم العلم بالخير فيهم من غير ملاحظة أن علة العلم بانتفاء الجزاء ما هي، ثم ابتدأ قوله:" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا" كلاما آخر على طريقة قوله (عليه السلام):" نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" يعني أن التولي لازم على تقدير الإسماع، فكيف على تقدير عدمه، فهو دائم الوجود، و هذه الطريقة غير طريقة أرباب الميزان الذين يستعملون لفظ" لو" في القياس الاستثنائي، و غير طريقة أهل اللغة الذين يستعملونه لامتناع الجزاء لأجل امتناع الشرط، و بناء هذه الطريقة على أن لفظ" لو" يستعمل للدلالة على أن الجزاء لازم الوجود في جميع الأزمنة مع وجود الشرط و عدمه، و ذلك إذا كان الشرط مما يستبعد استلزامه لذلك الجزاء، و يكون نقيض ذلك الشرط أنسب و أليق باستلزامه ذلك الجزاء، فيلزم استمرار وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط و عدمه فيكون دائم الوجود في قصد المتكلم. و قال التفتازاني: يجوز أن تكون الشرطية الثانية أيضا مستعملة على قاعدة أَمْ قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ عَصَيْنٰا بَلْ هُوَ فَضْلُ اللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فَكَيْفَ لَهُمْ بِاخْتِيَارِ الْإِمَامِ وَ الْإِمَامُ عَالِمٌ لَا يَجْهَلُ وَ رَاعٍ لَا يَنْكُلُ مَعْدِنُ اللغة كما هو مقتضى أصل" لو" فتفيد أن التولي منتف بسبب انتفاء الإسماع، لأن التولي هو الإعراض عن الشيء و عدم الانقياد له، فعلى تقدير عدم إسماعهم ذلك الشيء لم يتحقق منهم التولي و الإعراض عنه، و لم يلزم من هذا تحقق الانقياد له. فإن قيل: انتفاء التولي خير و قد ذكر أن لا خير فيهم؟ قلنا: لا نسلم أن انتفاء التولي بسبب انتفاء الإسماع خير، و إنما يكون خيرا لو كانوا من أهله بأن سمعوا شيئا ثم انقادوا له و لم يعرضوا، انتهى. أقول: و يحتمل على ما أشرنا إليه من حمل قوله:" لَأَسْمَعَهُمْ" على الهدايات و الألطاف الخاصة، أن يحمل قوله سبحانه" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ" على غير ذلك من أصل الاستماع الذي هو شرط التكليف، فلا يتكرر الوسط فلا يلزم الإنتاج. و هذا قريب من أحد الوجوه التي ذكرها ابن هشام في المغني، حيث أجاب عن ذلك بثلاثة وجوه:" الأول": أن التقدير لأسمعهم إسماعا نافعا، و لو أسمعهم إسماعا غير نافع لتولوا فاختلف الوسط" و الثاني": ما ذكره البيضاوي" و الثالث": لو علم الله فيهم خيرا وقتا ما لتولوا بعد ذلك، و أشار البيضاوي إليه أيضا، و في الأخيرين ما ترى، و سيأتي في باب: أنه لا يجمع القرآن كله إلا الأئمة (عليهم السلام)، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: إن من علم ما أوتينا تفسير القرآن و أحكامه، و علم تغيير الزمان و حدثانه، إذا أراد الله بقوم خيرا أسمعهم، و لو أسمع من لم يسمع لولي معرضا كان لم يسمع" الخبر" و فيه تأييد لما ذكرنا أولا فتفطن. " أم قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ عَصَيْنٰا" أم منقطعة على نحو ما سبق، مقتبسا مما ذكره الله في قصة بني إسرائيل أي بل قالوا سمعنا كلام الله و رسوله في تعيين الإمام و عصيناهما. " بل هو فضل الله" أي الإماتة أو السماع و معرفة الإمام. " عالم لا يجهل" أي شيئا من الأشياء التي تحتاج الأمة إليها" و راع" أي حافظ الْقُدْسِ وَ الطَّهَارَةِ وَ النُّسُكِ وَ الزَّهَادَةِ وَ الْعِلْمِ وَ الْعِبَادَةِ مَخْصُوصٌ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ نَسْلِ الْمُطَهَّرَةِ الْبَتُولِ لَا مَغْمَزَ فِيهِ فِي نَسَبٍ وَ لَا يُدَانِيهِ ذُو حَسَبٍ فِي الْبَيْتِ مِنْ قُرَيْشٍ للأمة، و في بعض النسخ بالدال" لا ينكل" من باب ضرب و نصر و علم أي لا يضعف و لا يجبن" معدن" بفتح الدال و كسرها" القدس" بالضم و بضمتين و هو البراءة من العيوب" و الطهارة" و هي البراءة من الذنوب. " و النسك" أي العبادة و الطاعة أو أعمال الحج، قال في النهاية: النسيكة: الذبيحة و جمعها نسك، و النسك أيضا الطاعة و العبادة، و كل ما يتقرب به إلى الله تعالى، و النسك ما أمرت به الشريعة و الورع ما نهت عنه، و الناسك: العابد، و سئل تغلب عن الناسك؟ فقال: هو مأخوذ من النسيكة و هي سبيكة الفضة المصفاة، كأنه صفى نفسه لله تعالى، و في القاموس: النسك مثلثة، و بضمتين: العبادة، و كل حق لله عز و جل، و نسك الثوب أو غيره غسله بالماء فطهره. " و الزهادة" عدم الرغبة في الدنيا" مخصوص بدعوة الرسول" أي بدعوة الخلق نيابة عنه (صلى الله عليه و آله) كما قال تعالى:" أَدْعُوا إِلَى اللّٰهِ عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي" و قال النبي (صلى الله عليه و آله): لا يبلغه إلا أنا أو رجل مني، أو بدعاء الرسول إياه قبل سائر الخلق أو للإمامة أو بدعاء الرسول له كقوله (صلى الله عليه و آله): اللهم وال من والاه، و قوله: اللهم أذهب عنهم الرجس، و قوله: اللهم ارزقهم فهمي و علمي و غيرهما. و قال البغوي: البتل: القطع، و منه سميت فاطمة البتول لانقطاعها عن النساء فضلا و دينا و حسبا و" لا مغمز فيه في نسب" المغمز مصدر أو اسم مكان من الغمز بمعنى الطعن، و هذا من شرائط الإمام عند الإمامية. " في البيت من قريش" أي في أشرف بيت من بيوت قريش، أو في بيت عظيم هو قريش، بأن تكون كلمة" من" بيانية و على التقديرين يدل على أن الإمام لا بد أن يكون قرشيا. وَ الذِّرْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ وَ الْعِتْرَةِ مِنَ الرَّسُولِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ الرِّضَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ شَرَفُ الْأَشْرَافِ وَ الْفَرْعُ مِنْ عَبْدِ مَنَافٍ نَامِي الْعِلْمِ كَامِلُ الْحِلْمِ مُضْطَلِعٌ بِالْإِمَامَةِ و في أخبار العامة أيضا دلالة عليه، فقد روى مسلم في صحيحه عشرة أحاديث تدل على ذلك، منها ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان. و منها ما روي عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي (صلى الله عليه و آله) فسمعته يقول: إن هذه الأمة لا تنقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، ثم تكلم بكلام خفي علي، قال: قلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش. و عن ابن سمرة أيضا بإسناد آخر أنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول: لا- يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة و يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش. قال الآمدي: الشروط المختلفة فيها في الإمامة ستة منها القرشية و هو المشهور عندنا بل مجمع عليه. " و الذروة من هاشم" يحتمل الوجهين السابقين، و ذروة كل شيء بالضم و الكسر: أعلاه، قيل: المراد أن يكون من فاطمة المخزومية أم عبد الله و أبي طالب و الزبير، قال حسان في ذم ابن عباس. و إن سنام المجد من آل هاشم بنو بنت مخزوم و والدك العبد و قال الجوهري: عترة الرجل أخص أقاربه، و عترة النبي بنو عبد المطلب، و قيل: أهل بيته الأقربون، و هم أولاده و على و أولاده و قيل: عترته الأقربون و الأبعدون عنهم، انتهى. " و الرضا من الله" أي المرضي من عنده" شرف الأشراف" أي أشرف من كل شريف نسبا و حسبا، و فرع كل شيء: أعلاه" نامي العلم" أي علمه دائما في الزيادة لأنه محدث" كامل الحلم" أي العقل و الأناءة و التثبت في الأمور لا يستخفه شيء من المكاره و لا يستفزه الغضب" مضطلع بالإمامة" أي قوي عليها من الضلاعة و هي عَالِمٌ بِالسِّيَاسَةِ مَفْرُوضُ الطَّاعَةِ قَائِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ نَاصِحٌ لِعِبَادِ اللَّهِ حَافِظٌ لِدِينِ اللَّهِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَ الْأَئِمَّةَ(صلى الله عليه وآله وسلم)يُوَفِّقُهُمُ اللَّهُ وَ يُؤْتِيهِمْ مِنْ مَخْزُونِ عِلْمِهِ وَ حِكَمِهِ مَا لَا يُؤْتِيهِ غَيْرَهُمْ فَيَكُونُ عِلْمُهُمْ فَوْقَ عِلْمِ أَهْلِ الزَّمَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ وَ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ قَوْلِهِ فِي طَالُوتَ القوة يقال: اضطلع بحمله أي قوي عليه و نهض به" عالم بالسياسة" أي بما يصلح الأمة من قولهم سست الرعية أي أدبتهم و أصلحتهم" قائم بأمر الله" لا بتعيين الأمة أو بإجراء أمر الله تعالى على خلقه" و حكمه" معطوف على المضاف أو المضاف إليه، تأكيدا أو تخصيصا بعد التعميم، أو المراد بالحكم الشرائع و بالعلم غيرها. " في قوله تعالى" متعلق بمقدر أي ذلك مذكور في قوله تعالى، و يحتمل أن تكون كلمة" في" تعليلية" أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ" الآية صريحة في أن المتبوع يجب أن يكون أعلم من التابع، و أنه لا بد أن يكون الإمام غير محتاج إلى الرعية في علمه، و لا ريب أن غير أمير المؤمنين (عليه السلام) من الصحابة لم يكونوا كذلك و" أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي" بتشديد الدال و قرأ بفتح الهاء و كسرها، و الأصل يهتدي فأدغمت و فتحت الهاء أو كسرت لالتقاء الساكنين" وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ" يدل على فضل العلم و الحكمة، و تفضيل المفضول قبيح عقلا، و قد فسرت الحكمة في الأخبار بمعرفة الإمام" و قوله تعالى في طالوت" هو اسم أعجمي عبري و قيل: أصله طولوت من الطول، و المشهور أنه لما سأل الله إشموئيل (عليه السلام) لقومه أن يبعث لهم ملكا أتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم، فلم يساوها إلا طالوت فقال: هو الملك عليكم، فقال قومه:" أَنّٰى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنٰا" و يستأهل الإمارة" وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ" لشرافة النسب و كثرة الأموال، لأنه كان من أولاد بنيامين و لم يكن فيهم النبوة و الملك، و كانوا من أولاد لاوي بن يعقوب و كانت النبوة فيهم، و من أولاد يهودا و كان الملك فيهم" وَ لَمْ إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللّٰهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمٰالِ" الذي عليه مدار الملك و السلطنة، إذ كان فقيرا راعيا أو سقاء يسقي على حمار له من النيل، أو دباغا يعمل الأديم على اختلاف الأقوال فيه" فقال لهم نبيهم إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللّٰهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ" فدلت الآية على أن الاصطفاء و إيتاء الملك الحق إنما يكون من الله و بتعيينه، و أن مناط الاصطفاء شيئان: العلم و الجسم، و معلوم أن الجسم غير مقصود في نفسه بل لكونه ملزوما للشجاعة و المهابة عند العدو، فدلت على أن الإمام لا بد أن يكون أعلم و أشجع من جميع الأمة، و لا ريب في أن كلا من أئمتنا (عليهم السلام) كانوا أعلم و أشجع ممن كان في زمانهم من المدعين للخلافة. قال البيضاوي: لما استبعدوا تملكه لفقره و سقوط نسبه رد عليهم ذلك" أولا" بأن العمدة فيه اصطفاء الله و قد اختاره عليكم و هو أعلم بالمصالح منكم" و ثانيا" بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية و جسامة البدن ليكون أعظم خطرا في القلوب و أقوى على مقاومة العدو و مكائدة الحروب و قد زاده فيهما" و ثالثا" بأنه تعالى مالك الملك على الإطلاق فله أن يؤتيه من يشاء" و رابعا" بأنه واسع الفضل يوسع على الفقير و يغنيه، عليم بمن يليق بالملك، انتهى. و أقول: إذا تأملت في كلامه ظهر لك وجوه من الحجة عليه كما أومأنا إليه" أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ" في سورة النساء هكذا:" وَ أَنْزَلَ اللّٰهُ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ" فالتغيير إما من النساخ أو منه (عليه السلام) نقلا بالمعنى، أو لكونه في قراءتهم (عليهم السلام) هكذا، و لعل الغرض من إيراد هذه الآية أن الله تعالى امتن على نبيه (صلى الله عليه و آله) بإنزال الكتاب و الحكمة و إيتاء نهاية العلم وعد ذلك فضلا عظيما، و أثبت ذلك الفضل لجماعة من تلك الأمة بأنهم المحسودون على ما آتاهم الله من فضله، ثم بين أنهم من آل إبراهيم (عليه السلام). و الفضل: العلم و الحكمة و الخلافة، مع أنه يظهر من الآيتين، أن الفضل اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ وَ قَالَ لِنَبِيِّهِ ص- أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كٰانَ فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكَ عَظِيماً وَ قَالَ فِي الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ وَ عِتْرَتِهِ وَ ذُرِّيَّتِهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً وَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اخْتَارَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِأُمُورِ عِبَادِهِ شَرَحَ صَدْرَهُ لِذَلِكَ وَ أَوْدَعَ قَلْبَهُ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ وَ أَلْهَمَهُ الْعِلْمَ إِلْهَاماً فَلَمْ يَعْيَ بَعْدَهُ بِجَوَابٍ وَ لَا يُحَيَّرُ فِيهِ عَنِ الصَّوَابِ- فَهُوَ مَعْصُومٌ مُؤَيَّدٌ مُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ قَدْ أَمِنَ مِنَ الْخَطَايَا وَ الزَّلَلِ وَ الْعِثَارِ يَخُصُّهُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ حُجَّتَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَ شَاهِدَهُ عَلَى خَلْقِهِ وَ ذٰلِكَ فَضْلُ اللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ و الشرف بالعلم و الحكمة، و لا ريب في أنهم (عليهم السلام) كانوا أعلم ممن ادعى الخلافة في زمانهم. " أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ" أم منقطعة، و على تأويله (عليه السلام): الناس: الأئمة (عليهم السلام)" فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً" هو الإمامة و وجوب الطاعة، فكيف لا تؤتى آل محمد؟ أو هم داخلون في آل إبراهيم و أشرفهم" فَمِنْهُمْ" أي من الأمة" مَنْ آمَنَ بِهِ" أي بالملك أو بالإيتاء و" الصدود" الإعراض و المنع" وَ كَفىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً" أي نارا مسعرة يعذبون بها إن لم يعذبوا في الدنيا. " شرح صدره" أي وسعه و فتحه لذلك أي لأمور عباده" فلم يعي" بفتح اليائين و سكون المهملة، أي لم يعجزه" بعده" أي بعد الاختيار أو بعد الإلهام أو بعد كل واحد من الشرح و الإيداع و الإلهام" و لا يحير" مضارع حار من الحيرة، و في بعض النسخ: و لا تحير، مصدر باب التفعل" فيه" أي في الجواب" مؤيد" من الأيد بمعنى القوة أي بالملائكة أو الأعم" مسدد" بروح القدس كما سيأتي. فَهَلْ يَقْدِرُونَ عَلَى مِثْلِ هَذَا فَيَخْتَارُونَهُ أَوْ يَكُونُ مُخْتَارُهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيُقَدِّمُونَهُ تَعَدَّوْا وَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَقَّ وَ نَبَذُوا كِتٰابَ اللّٰهِ وَرٰاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ وَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْهُدَى وَ الشِّفَاءُ فَنَبَذُوهُ وَ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فَذَمَّهُمُ اللَّهُ وَ مَقَّتَهُمْ وَ أَتْعَسَهُمْ فَقَالَ جَلَّ وَ تَعَالَى- وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوٰاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّٰالِمِينَ وَ قَالَ فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمٰالَهُمْ وَ قَالَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ وَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذٰلِكَ يَطْبَعُ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّٰارٍ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً " و بيت الله" يدل على جواز الحلف بحرمات الله، فما ورد من المنع عن الحلف بغير الله إما مخصوص بغير هذه أو بالدعاوي" كَأَنَّهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ" الحق و الكتاب أو ليسوا من ذوي العلم بل هم من البهائم" بِغَيْرِ هُدىً" قال البيضاوي: في موضع الحال للتوكيد أو التقييد، فإن هوي النفس قد يوافق الحق، انتهى. " إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي" بالهدايات الخاصة أو إلى الجنة في الآخرة" الْقَوْمَ الظّٰالِمِينَ" الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى" فَتَعْساً لَهُمْ" أي ألزمهم الله هلاكا أو أتعسهم تعسا، و التعس بالفتح و بالتحريك: الهلاك، و العثار: السقوط، و الشر و البعد و الانحطاط" وَ أَضَلَّ أَعْمٰالَهُمْ" أي أبطلها فلم يجدوا لها أثرا عند ما يجد العاملون أثر أعمالهم. " كَبُرَ مَقْتاً" قبل ذلك في سورة المؤمن:" كَذٰلِكَ يُضِلُّ اللّٰهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتٰابٌ الَّذِينَ يُجٰادِلُونَ فِي آيٰاتِ اللّٰهِ بِغَيْرِ سُلْطٰانٍ أَتٰاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً" و قال البيضاوي: فيه ضمير" من" و إفراده للفظ، و يجوز أن يكون الذين مبتدأ و خبره كبر على حذف مضاف، أي و جدال الذين يجادلون كبر مقتا، أو بغير سلطان و فاعل كبر كذلك أي كبر مقتا مثل ذلك الجدال، فيكون قوله:" يَطْبَعُ اللّٰهُ" إلخ استينافا للدلالة على الموجب لخذلانهم.
الكافي — كتاب الحجة · بَابٌ نَادِرٌ جَامِعٌ فِي فَضْلِ الْإِمَامِ وَ صِفَاتِهِ