الأقسامالكافيكتاب الحجة
الكافي · رقم ٢

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ بَيْنَا أَبِي جَالِسٌ وَ عِنْدَهُ نَفَرٌ إِذَا اسْتَضْحَكَ حَتَّى اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ دُمُوعاً ثُمَّ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا أَضْحَكَنِي قَالَ فَقَالُوا لَا قَالَ زَعَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مِنَ الَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا فَقُلْتُ لَهُ هَلْ رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ لعلمهم بكل مصيبة قبل وقوعه و كرامتهم عند الله تكدرت عليهم دولتهم و ما آتاهم، و كثرت آلامهم في أنفسهم، و تأنيث" واحدة" باعتبار الكلمة أو الفقرة" مقدمة" بشد المهملة المكسورة وصف الأولى بأنها لإعزاز المخالفين بها" مؤخرة" بشد المعجمة المكسورة وصف للثانية بأنها لإذلال المخاطبين فيها" لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ" مبتدأ خبره" مما خص به علي (عليه السلام)" و الجملة استيناف بياني، و المراد أنه مما نزل في علي (عليه السلام) و أوصيائه، و هذا تفسير للكلمة الأولى، و تغيير الأسلوب في" وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ" من الفتنة إلى آخره لأن كونها مما خص به أبو بكر و أصحابه معلوم مما مر، و لا يحسن إعادته، فمن في قوله" من الفتنة" لبيان" ما آتاكم" و المراد بالفتنة الامتحان بدولة الدنيا كما في قوله تعالى:" اتَّقُوا فِتْنَةً لٰا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً" و لا يخفى بعد تلك الوجوه و ظهور ما ذكرنا أو لا على المتدبر. الحديث الثاني: سنده كما تقدم. و الاستضحاك كأنه مبالغة في الضحك و في القاموس: اغرورقت عيناه، أي دمعتا كأنهما غرقا في دمعهما" انتهى". و" دموعا" تميز و قيل: هو مصدر دمعت عينه كمنع إذا ظهر منه الدمع، و هو مفعول له أو جمع دمع بالفتح و هو ماء العين، فهو بتقدير" من" مثل: الحوض ملآن ماء، أو هو مفعول فيه. " هل رأيت الملائكة" إشارة إلى تتمة الآية، إذ هي هكذا:" إِنَّ الَّذِينَ قٰالُوا تُخْبِرُكَ بِوَلَايَتِهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ مَعَ الْأَمْنِ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْحُزْنِ قَالَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ- إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وَ قَدْ دَخَلَ فِي هَذَا جَمِيعُ الْأُمَّةِ فَاسْتَضْحَكْتُ ثُمَّ قُلْتُ صَدَقْتَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ فِي حُكْمِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ اخْتِلَافٌ قَالَ فَقَالَ لَا فَقُلْتُ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلًا أَصَابِعَهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى سَقَطَتْ ثُمَّ ذَهَبَ وَ أَتَى رَجُلٌ آخَرُ فَأَطَارَ كَفَّهُ فَأُتِيَ بِهِ إِلَيْكَ وَ أَنْتَ قَاضٍ كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ قَالَ أَقُولُ لِهَذَا الْقَاطِعِ أَعْطِهِ دِيَةَ كَفِّهِ وَ أَقُولُ لِهَذَا الْمَقْطُوعِ صَالِحْهُ عَلَى مَا شِئْتَ وَ أَبْعَثُ بِهِ إِلَى ذَوَيْ عَدْلٍ قُلْتُ جَاءَ الِاخْتِلَافُ فِي حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ نَقَضْتَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلٰائِكَةُ أَلّٰا تَخٰافُوا وَ لٰا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ" فيظهر منه أنه (عليه السلام) فسر الآية بأن هذا الخطاب من الملائكة يكون في الدنيا بحيث يسمعون كلامهم، و ذهب جماعة إلى أن الخطاب في الدنيا و هم لا يسمعون، أو عند الموت و هم يسمعون و ما ذكره (عليه السلام) ألصق بالآية فالمراد بالاستقامة الاستقامة على الحق في جميع الأقوال و الأفعال، و هو ملزوم العصمة. قوله (عليه السلام):" صدقت" أي في قولك" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" لكن لا ينفعك إذ الأخوة لا يستلزم الاشتراك في جميع الكمالات، أو قال ذلك على سبيل المماشاة و التسليم، أو على سبيل التهكم، و ضحكه (عليه السلام) لوهن كلامه و عدم استقامته. قوله" و ابعث به إلى ذوي عدل" أقول: سيأتي هذا الجزء من الخبر في كتاب الديات، و فيه" أو ابعث إليها ذوي عدل" و لعل البعث للأرش كما قال به ابن إدريس و بعض أصحابنا حيث رد و الخبر بالضعف و قالوا بثبوت الأرش، بأن يفرض كونه عبدا مقطوع الأصابع، ثم عبدا مقطوع اليد و ينسب التفاوت إلى دية الحر، فحكمه أولا على القاطع بإعطاء تمام الدية على الاحتياط من طرف الجاني، أو البعث لتقويم الأصابع ليسقط من دية اليد، فيكون قولا آخر لم يقل به أحد، و الاختلاف إما بين أَبَى اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنْ يُحْدِثَ فِي خَلْقِهِ شَيْئاً مِنَ الْحُدُودِ وَ لَيْسَ تَفْسِيرُهُ فِي الْأَرْضِ اقْطَعْ قَاطِعَ الْكَفِّ أَصْلًا ثُمَّ أَعْطِهِ دِيَةَ الْأَصَابِعِ هَكَذَا حُكْمُ اللَّهِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا أَمْرُهُ إِنْ جَحَدْتَهَا بَعْدَ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَأَدْخَلَكَ اللَّهُ النَّارَ كَمَا أَعْمَى بَصَرَكَ يَوْمَ جَحَدْتَهَا عَلَى ابْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فَلِذَلِكَ عَمِيَ بَصَرِي قَالَ وَ مَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ فَوَ اللَّهِ إِنْ عَمِيَ بَصَرِي إِلَّا مِنْ صَفْقَةِ جَنَاحِ الْمَلَكِ قَالَ فَاسْتَضْحَكْتُ ثُمَّ تَرَكْتُهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ لِسَخَافَةِ عَقْلِهِ ثُمَّ لَقِيتُهُ فَقُلْتُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا تَكَلَّمْتَ بِصِدْقٍ مِثْلِ أَمْسِ قَالَ لَكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَ إِنَّهُ يَنْزِلُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَمْرُ السَّنَةِ وَ إِنَّ لِذَلِكَ الْأَمْرِ وُلَاةً بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَقُلْتَ مَنْ هُمْ فَقَالَ أَنَا وَ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ صُلْبِي أَئِمَّةٌ مُحَدَّثُونَ فَقُلْتَ لَا أَرَاهَا كَانَتْ إِلَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَتَبَدَّى لَكَ الْمَلَكُ تقويم قوله" صالحه" و بين قوله" و ابعث" أو بينهما و بين قوله" أعطه دية كفه" أو لاختلاف المقومين فلا يبتني عليه حكم الله، و فيه نظر، أو المراد بالاختلاف الحكم بالظن الذي يزول بظن آخر كما عرفت سابقا. قوله (عليه السلام): اقطع قاطع الكف، عمل به أكثر أصحابنا و إن ضعف الخبر عندهم، قوله:" فلذلك عمي بصري" الظاهر أن هذا تصديق و اعتراف منه بذلك كما يدل ما سيأتي لا استفهام إنكار كما يتراءى من ظاهره، ثم بعد اعترافه قال له (عليه السلام): و ما علمك بذلك؟ و قوله:" فو الله" من كلام الباقر (عليه السلام) و" إن" نافية و قائل" فاستضحكت" أيضا الباقر (عليه السلام)، و قوله:" ما تكلمت بصدق" إشارة إلى اعترافه، ثم لما استبعد ابن عباس في اليوم السابق علمه (عليه السلام) بتلك الواقعة ذكر (عليه السلام) تفصيلها بقوله:" قال لك" إلخ، ليظهر لابن عباس علمه بتفاصيل تلك الواقعة. قوله: فتبدأ لك الملك، لعله بإعجاز علي (عليه السلام)، و يحتمل أن يكون المراد ظهور كلام الملك له، و قال الملك رأت عيناي ما حدثك به علي (عليه السلام) من نزول الملائكة لأني كنت من جملة الملائكة النازلين عليه، و لم تره عينا علي (عليه السلام) لأنه محدث الَّذِي يُحَدِّثُهُ فَقَالَ كَذَبْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ رَأَتْ عَيْنَايَ الَّذِي حَدَّثَكَ بِهِ عَلِيٌّ وَ لَمْ تَرَهُ عَيْنَاهُ وَ لَكِنْ وَعَى قَلْبُهُ وَ وَقَرَ فِي سَمْعِهِ ثُمَّ صَفَقَكَ بِجَنَاحِهِ فَعَمِيتَ قَالَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا اخْتَلَفْنَا فِي شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ فَقُلْتُ لَهُ فَهَلْ حَكَمَ اللَّهُ فِي حُكْمٍ مِنْ حُكْمِهِ بِأَمْرَيْنِ قَالَ لَا فَقُلْتُ هَاهُنَا هَلَكْتَ وَ أَهْلَكْتَ و لا يرى الملك عند إلقاء الحكم" و وقر في سمعه" كوعد أي سكن و ثبت" ثم صفقك" أي الملك و هو كلام الباقر (عليه السلام)، و الصفقة: الضربة يسمع لها صوت. قوله: ما اختلفنا، لعل غرضه أن الله يعلم المحق منا و المبطل، تعريضا بأنه محق، أو غرضه الرجوع إلى القرآن في الأحكام، و أنه لا يلزم أن يكون في الأمة من يعلم المختلف فيه، فأجاب (عليه السلام) بأن القرآن لا يرفع الاختلاف، و بعبارة أخرى إذا كان الحكم مردودا إلى الله و ليس عند الله في الواقع إلا حكم واحد، فكيف تحكمون تارة بأمره و تارة بضده، و هل هذا إلا مخالفة لله في أحد الحكمين التي هي سبب الهلاك و الإهلاك. ثم اعلم أن هذه المناظرة بين أبي جعفر (عليه السلام) و ابن عباس لا بد أن يكون في صغره (عليه السلام) و في حياة أبيه (عليه السلام) إذ ولادة أبي جعفر (عليه السلام) كانت سنة سبع و خمسين، و وفاة ابن عباس سنة ثمان و ستين، و وفاة علي بن الحسين (عليهما السلام) سنة خمس و تسعين. ثم إنه لا خلاف بين الإمامية في أن ليلة القدر و فضلها باقية بعد الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى انقراض الدنيا، و في كل منها يكون تنزل الملائكة و الروح، و إليه ذهب أكثر العامة، قال المازري: أجمع من يعتد به على وجودها و دوامها إلى آخر الدهر لتظافر الأحاديث و كثرة رؤية الصالحين لها، و قال عياض: و شذ قوم فقالوا كانت خاصة بهم فرفعت." انتهى"

الكافي — كتاب الحجة · بَابٌ فِي شَأْنِ إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ تَفْسِيرِهَا

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.