وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ- فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ يَقُولُ يَنْزِلُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وَ الْمُحْكَمُ لَيْسَ بِشَيْئَيْنِ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَمَنْ حَكَمَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ فَحُكْمُهُ مِنْ حُكْمِ الحديث الثالث: السند كما مر. و قيل: المستفاد من هذا الحديث أن معنى إنزال القرآن في ليلة القدر إنزال بيانه بتفصيل مجمله و تأويل متشابهه و تقييد مطلقة و تفريق محكمه عن متشابهه، و بالجملة تتميم إنزاله بحيث يكون هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان كما قال سبحانه:" شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ" يعني في ليلة القدر منه" هُدىً لِلنّٰاسِ وَ بَيِّنٰاتٍ مِنَ الْهُدىٰ وَ الْفُرْقٰانِ" تنبيه لقوله عز و جل:" إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ إِنّٰا كُنّٰا مُنْذِرِينَ فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ" أي محكم" أَمْراً مِنْ عِنْدِنٰا إِنّٰا كُنّٰا مُرْسِلِينَ" فقوله:" فِيهٰا يُفْرَقُ" و قوله" و الفرقان" معناهما واحد. و روي في معاني الأخبار بإسناده عن الصادق (عليه السلام) أن القرآن جملة الكتاب، و الفرقان المحكم الواجب العمل به، و قد قال تعالى:" إِنَّ عَلَيْنٰا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ" أي حين أنزلناه نجوما" فَإِذٰا قَرَأْنٰاهُ" عليك حينئذ" فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ" أي جملته" ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنٰا بَيٰانَهُ" أي في ليلة القدر بإنزال الملائكة و الروح فيها عليك و على أهل بيتك من بعدك بتفريق المحكم من المتشابه، بتقدير الأشياء و تبيين أحكام خصوص الوقائع التي تصيب الخلق في تلك السنة إلى ليلة القدر الآتية، و في بعض الأخبار أنه لم ينزل القرآن إلا في ليلة القدر و أنه لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن. و قال في الفقيه: تكامل نزول القرآن في ليلة القدر، و هو مؤيد لما قلنا، و فسر (عليه السلام) الحكيم بمعنى المحكم في ضمن قوله:" و المحكم ليس بشيئين" و فسر المحكم اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَنْ حَكَمَ بِأَمْرٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ فَرَأَى أَنَّهُ مُصِيبٌ فَقَدْ حَكَمَ بِحُكْمِ الطَّاغُوتِ إِنَّهُ لَيَنْزِلُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ تَفْسِيرُ الْأُمُورِ سَنَةً سَنَةً يُؤْمَرُ فِيهَا فِي أَمْرِ نَفْسِهِ بِكَذَا وَ كَذَا وَ فِي أَمْرِ النَّاسِ بِكَذَا وَ كَذَا وَ إِنَّهُ لَيَحْدُثُ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ سِوَى ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ عِلْمُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْخَاصُّ وَ الْمَكْنُونُ الْعَجِيبُ الْمَخْزُونُ- مِثْلُ مَا يَنْزِلُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنَ الْأَمْرِ ثُمَّ قَرَأَ وَ لَوْ أَنَّ مٰا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلٰامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ بما لا يحتمل غير معناه كما هو المشهور في تفسيره، لأنه هو الذي ليس بشيئين إنما هو شيء واحد لا اختلاف فيه، و أما الذي يحتمان غير معناه فهو شيئان و لا بد فيه من الاختلاف. و أقول: الحكيم فعيل بمعنى المفعول، أي المعلوم اليقيني، من حكمه كنصره إذا أتقنه و منعه عن الفساد كأحكمه، و المراد بشيئين أمران متنافيان كما يكون في المظنونات، فيدل ما في سورة الدخان و ما في سورة القدر على أن الحكم النازل من عنده سبحانه في ليلة القدر هو الحكم اليقيني الحتمي الواقعي، و لا بد من عالم بذلك الحكم و إلا فلا فائدة في إنزاله، و ليس العالم بذلك إلا الإمام المعصوم المؤيد من عند الله سبحانه، فيدل على أنه لا بد في كل عصر إلى انقراض التكليف من إمام مفترض الطاعة عالم بجميع أمور الدين، دقيقها و جليلها و" الطاغوت" الشيطان و الأوثان و كل ما عبد من دون الله أو صد عن عبادة الله أو أطيع بغير أمر الله، فعلوت من الطغيان، قلبت عينه و لامه و المراد بالعلم الخاص، العلم اللدني المتعلق بمعرفة الله سبحانه و صفاته و غير ذلك مما لم يتعلق بأفعال العباد كما مر، و بالمكنون العجيب المخزون إما خصوصيات الحوادث و الأمور البدائية و أسرار القضاء أو الأعم منها و مما لا يصل إليه عقول أكثر الخلق من غوامض الأسرار و الحقائق، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام)" اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة". " وَ لَوْ أَنَّ مٰا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلٰامٌ" قال البيضاوي: أي و لو ثبت كون الأشجار أقلاما، و توحيد شجرة، لأن المراد تفصيل الآحاد" وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مٰا نَفِدَتْ كَلِمٰاتُ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
الكافي — كتاب الحجة · بَابٌ فِي شَأْنِ إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ تَفْسِيرِهَا