مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ وَ غَيْرُهُ عَنْ سَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ وَ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي الدَّيْلَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ أَوْصَى مُوسَى(عليه السلام)إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَ أَوْصَى يُوشَعُ بْنُ نُونٍ إِلَى وَلَدِ هَارُونَ وَ لَمْ يُوصِ إِلَى وَلَدِهِ وَ لَا إِلَى وَلَدِ مُوسَى إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ الْخِيَرَةُ يَخْتَارُ مَنْ يَشَاءُ مِمَّنْ يَشَاءُ وَ بَشَّرَ مُوسَى وَ يُوشَعُ بِالْمَسِيحِ(عليه السلام)فَلَمَّا أَنْ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمَسِيحَ(عليه السلام)قَالَ الْمَسِيحُ لَهُمْ إِنَّهُ سَوْفَ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي نَبِيٌّ اسْمُهُ أَحْمَدُ مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ(عليه السلام)يَجِيءُ بِتَصْدِيقِي وَ تَصْدِيقِكُمْ الله أي ما أورثه العلم و المراد بآثار علم النبوة جميع علم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) تأكيدا أو كتب الأنبياء تأكيدا أو تأسيسا أو آثار الأنبياء- سوى العلم- من السلاح و العصا و غيرهما، و قيل: هي علم الشرائع و الأحكام. أقول: يحتمل أن يكون إشارة إلى ما تتجدد لهم من العلوم في ليلة القدر و غيرها، فإنها من آثار علم النبوة المترتبة عليه، فالمراد بجعلها عنده جعله قابلا و مهيئا لذلك، و ربما يقرأ العقب بضم العين و شد القاف المفتوحة جمع عاقب و هو الخليفة في الخير. الحديث العاشر: ضعيف على المشهور. و الخيرة بالكسر و كعنبة مصدر باب ضرب: التفضيل، أو اسم مصدر باب الافتعال كما قيل. قوله: لهم، أي للمبعوث إليهم" بتصديقي" أي في الرسالة و صحة الولادة كما نطقت به سورة مريم و غيرها" و تصديقكم" في الإيمان و المتابعة كما في سورة المائدة: " وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوٰارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي قٰالُوا آمَنّٰا" الآية، و غير وَ عُذْرِي وَ عُذْرِكُمْ- وَ جَرَتْ مِنْ بَعْدِهِ فِي الْحَوَارِيِّينَ فِي الْمُسْتَحْفَظِينَ وَ إِنَّمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْتَحْفَظِينَ لِأَنَّهُمُ اسْتُحْفِظُوا الِاسْمَ الْأَكْبَرَ وَ هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ عِلْمُ كُلِّ ذلك من الآيات و الأخبار" و عذري و عذركم" أي حجتي و حجتكم من قولهم أعذر إذا احتج لنفسه، أو براءتي مما رميت به من ادعاء الألوهية و الولدية و براءتكم من القول في ذلك، أو براءتي مما رماني به اليهود و براءتكم من متابعة من كان كذلك. و الحواريون هم خواص عيسى على نبينا و آله و (عليه السلام) و أنصاره، من التحوير بمعنى التبييض، قيل: إنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب و ينقونها من الأوساخ، و قيل: بل كانوا ينقون نفوس الخلائق من الكدورات و أوساخ صفات الذميمة، و قال الأزهري: هم خلصان الأنبياء و تأويله: الذين خلصوا و نقوا من كل عيب، و تسمية الله إياهم بالمستحفظين كأنها إشارة إلى قوله عز و جل في شأن التوراة:" فِيهٰا هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هٰادُوا وَ الرَّبّٰانِيُّونَ وَ الْأَحْبٰارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتٰابِ اللّٰهِ وَ كٰانُوا عَلَيْهِ شُهَدٰاءَ". " و جرت" أي الوصية أو الخيرة أو السنة، و قيل: المراد بالميزان الشرع، و قيل: هو عطف تفسير للكتاب. قال المحدث الأسترآبادي: مقصوده (عليه السلام) أن المشهور بين الناس في هذا الزمان مما يسمى بالكتاب الكتب الثلاثة و من جملة الكتب كتاب نوح (عليه السلام) و كتاب صالح و كتاب شعيب و إبراهيم (عليهم السلام)، و قد أخبر الله أن ما جاء به محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) مذكور في صحف إبراهيم و موسى و كانتا عنده، فإذا كانتا محفوظتين إلى زمانه (صلى الله عليه و آله و سلم) فكيف لا يحفظهما هو (صلى الله عليه و آله و سلم) و لا يدفعهما إلى أحد، فالذي دفعهما إليه هو صاحب الشريعة، انتهى. و أقول: فيه أيضا رد على من زعم أن المستحفظين علماء اليهود و النصارى، لعدم وجدان هذه الكتب عندهم، فالمراد بالعقب من المستحفظين الأوصياء أي أولادهم بل ظاهره أن العقب لم يكونوا من بني إسرائيل، فالمراد بهم أبو طالب و أمير المؤمنين (عليهما السلام)، و كلمة" من" يحتمل التبعيض و الابتداء و البيان أيضا على بعد. شَيْءٍ الَّذِي كَانَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى وَ لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ... وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْمِيزٰانَ الْكِتَابُ الِاسْمُ الْأَكْبَرُ وَ إِنَّمَا عُرِفَ مِمَّا يُدْعَى الْكِتَابَ التَّوْرَاةُ وَ الْإِنْجِيلُ وَ الْفُرْقَانُ فِيهَا كِتَابُ نُوحٍ وَ فِيهَا كِتَابُ صَالِحٍ وَ شُعَيْبٍ وَ إِبْرَاهِيمَ(عليه السلام)فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- إِنَّ هٰذٰا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولىٰ صُحُفِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ فَأَيْنَ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ إِنَّمَا صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ الِاسْمُ الْأَكْبَرُ وَ صُحُفُ مُوسَى الِاسْمُ الْأَكْبَرُ فَلَمْ تَزَلِ الْوَصِيَّةُ فِي عَالِمٍ بَعْدَ عَالِمٍ حَتَّى دَفَعُوهَا إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم قال بعض المحققين: استحفاظهم الاسم الأكبر الذي هو الكتاب الجامع للعلوم الغير المنفك عن الأنبياء، لعله كناية عن انتقاش قلوبهم الصافية المصيقلة بنور الله، بما في اللوح المحفوظ، و صيرورتهم العقل بالفعل، و بلوغهم رتبة الشهود التام و إلى قابلية الإنسان لهذه الرتبة أشار أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بقوله: دواؤك فيك و ما تشعر و داؤك منك و ما تبصر و تزعم أنك جرم صغير و فيك انطوى العالم الأكبر و أنت الكتاب المبين الذي بأحرفه يظهر المضمر و العالم الأكبر هو الاسم الأكبر، إذا العالم ما يعلم به الشيء كالاسم ما يعلم به المسمى، و من الأنبياء و الأوصياء من أوتي علم الكتاب كله، و منهم من أوتي بعضه، و إلى الأول أشير بقوله عز و جل:" قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتٰابِ" يعني به أمير المؤمنين (عليه السلام) و إلى الثاني بقوله:" قٰالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتٰابِ" حيث أتى بمن التبعيضية، يعني به آصف بن برخيا. و المراد بقوله: إنما عرف مما يدعى الكتاب، أن المعروف مما يسمى بالكتاب ليس سوى هذه الثلاثة مع أن كثيرا من الأنبياء كان معهم كتب غير هذه، منها كذا و منها كذا، و قد أخبر الله عن بعضها و ليس ذلك بمعروف بين الناس، فإذا انحصرت فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)أَسْلَمَ لَهُ الْعَقِبُ مِنَ الْمُسْتَحْفِظِينَ وَ كَذَّبَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ دَعَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَيْهِ أَنْ أَعْلِنْ فَضْلَ وَصِيِّكَ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ الْعَرَبَ قَوْمٌ جُفَاةٌ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كِتَابٌ- وَ لَمْ يُبْعَثْ إِلَيْهِمْ نَبِيٌّ وَ لَا يَعْرِفُونَ فَضْلَ نُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ(عليهم السلام)وَ لَا شَرَفَهُمْ وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِي إِنْ أَنَا أَخْبَرْتُهُمْ بِفَضْلِ أَهْلِ بَيْتِي فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ- وَ لٰا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ قُلْ سَلٰامٌ فَسَوْفَ الكتب فيما عرف فأين صحف إبراهيم الذي أخبر الله عنها، و الغرض من هذا الكلام الرد على من زعم أن المراد بالمستحفظين لكتاب الله، علماء اليهود الحافظين للتوراة و من يحذو حذوهم في حفظ الألفاظ و القصص. فبين (عليه السلام) أن المراد بكتاب الله الاسم الأكبر المشتمل على كل ما في العالم من شيء الذي كتبه الرحمن بيده كما قال سبحانه:" أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ" و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أن صحف إبراهيم كانت عشرين صحيفة و صحف إدريس ثلاثين، و صحف شيث خمسين، يعني ما كان يتلى من الاسم الأكبر على الناس. و عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ما كان صحف إبراهيم؟ قال: اقرأ يا أبا ذر" قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى" إلى قوله:" صُحُفِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ" يعني فيها أمثال هذه الكلمات. " إن العرب قوم جفاة" أي بعداء عن الآداب و الأخلاق الحسنة، قال في المغرب: الجفاء هو الغلظ في العشرة و الخرق في المعاملة و ترك الرفق، انتهى. " و لا تخزن عليهم" أقول: هذه الآية بهذا الوجه ليست في المصاحف المشهورة، إذ في سورة الحجر" لٰا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىٰ مٰا مَتَّعْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْهُمْ وَ لٰا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اخْفِضْ جَنٰاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ" و في سورة النحل:" وَ اصْبِرْ وَ مٰا صَبْرُكَ إِلّٰا بِاللّٰهِ وَ لٰا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لٰا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّٰا يَمْكُرُونَ" و في سورة الزخرف" فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَ قُلْ سَلٰامٌ يَعْلَمُونَ فَذَكَرَ مِنْ فَضْلِ وَصِيِّهِ ذِكْراً فَوَقَعَ النِّفَاقُ فِي قُلُوبِهِمْ فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)ذَلِكَ وَ مَا يَقُولُونَ فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ يَا مُحَمَّدُ وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمٰا يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لٰا يُكَذِّبُونَكَ وَ لٰكِنَّ الظّٰالِمِينَ بِآيٰاتِ اللّٰهِ يَجْحَدُونَ وَ لَكِنَّهُمْ يَجْحَدُونَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" فيحتمل أن يكون (عليه السلام) ذكر الآيتين إحدى السوابق مع الأخيرة فسقط من الرواة أو النساخ، أو أشار (عليه السلام) إلى الآيتين بذكر صدر إحداهما و عجز الأخرى، أو يكون نقلا لهما بالمعنى، أو يكون في مصحفهم (عليهم السلام) كذلك، و الحزن عليهم التأسف على كونهم هالكين. " سلام" أي ما أدعوكم إليه سلامة لكم من النار، أو تسلم منكم، و متاركة. " ذكرا" أي قليلا من الذكر بدون إعلان ذلك أي وقوع النفاق في قلوب المنافقين من العرب. " وَ لَقَدْ نَعْلَمُ" أقول: في المصاحف المشهورة في سورة الحجر" وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمٰا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السّٰاجِدِينَ" و في سورة الأنعام" قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لٰا يُكَذِّبُونَكَ" الآية و الكلام فيه كالكلام فيما مر. " فَإِنَّهُمْ لٰا يُكَذِّبُونَكَ" قيل: معناه أن تكذيبك أمر راجع إلى الله لأنك جئت من عنده بالمعجزات و الآيات، فهم لا يكذبونك في الحقيقة و إنما يكذبون الله بجحود آياته، أو المراد أنهم لا يكذبونك بقلوبهم و لكنهم يجحدون بألسنتهم، أو أنهم لا يكذبونك و لا يجحدونك و لكنهم يجحدون بآيات الله، و ذلك أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يسمى عندهم بالأمين، يعرفون أنه لا يكذب في شيء، و كان أبو جهل يقول ما تكذب و إنك عندنا لصدوق و إنما نكذب ما جئتنا به. و روي أن الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد بِغَيْرِ حُجَّةٍ لَهُمْ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَتَأَلَّفُهُمْ وَ يَسْتَعِينُ بِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَ لَا يَزَالُ يُخْرِجُ لَهُمْ شَيْئاً فِي فَضْلِ وَصِيِّهِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ حِينَ أُعْلِمَ بِمَوْتِهِ وَ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ- فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ أ صادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا أحد غيرنا؟ فقال له: و الله إن محمدا لصادق و ما كذب قط و لكن إذا ذهب بنو قصي باللواء و السقاية و الحجابة و النبوة فما ذا يكون لسائر قريش؟ و سيأتي في الروضة عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قرأ رجل على أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) هذه الآية فقال: بلى و الله لقد كذبوه أشد التكذيب و لكنها مخففة" فَإِنَّهُمْ لٰا يُكَذِّبُونَكَ" لا يأتون بباطل يكذبون به حقك، و هذا التفسير موافق لما فسرها (عليه السلام) به هيهنا بقوله: و لكنهم يجحدون بغير حجة لهم، و المخففة من أكذبه إذا ألفاه كاذبا، و المشددة أيضا لا يبعد عن هذا المعنى على ما في كتب اللغة، قال الفيروزآبادي: أكذبه ألفاه كاذبا و حمله على الكذب و بين كذبه، و كذب بالأمر تكذيبا و كذابا أنكره، و فلانا جعله كاذبا، انتهى. و إنما وضع الظالمين موضع الضمير للتنصيص بظلمهم في إنكار آياته و تمرنهم على جحدها، و يقال: تألفه إذا داراه و آلفة بالتكليف. " هذه السورة" أي سورة أ لم نشرح كما يظهر مما بعده، و جملة" فاحتج عليهم" معترضة و كأنه أشير بها إلى ما فعل بغدير خم أو إلى أعم منه و من غيره من المواطن، و في بعض النسخ" هذه الآية" أي آية:" فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ". " و نعيت" على بناء المجهول و النعي خبر الموت" فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ" في القرآن المشهورة بفتح الصاد من النصب بمعنى التعب و الاجتهاد، يعني إذا فرغت من عبادة عقبها بأخرى و واصل بعضها ببعض، و قيل: إذا فرغت من الغزو فانصب في العبادة، يَقُولُ إِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ عَلَمَكَ وَ أَعْلِنْ وَصِيَّكَ فَأَعْلِمْهُمْ فَضْلَهُ عَلَانِيَةً فَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم أو فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء كما ورد في الخبر أيضا، و المستفاد من هذا الحديث أنه بكسر الصاد من النصب بالتسكين بمعنى الرفع و الوضع، أي إذا فرغت من أمر تبليغ الرسالة فانصب علمك بفتح اللام، أي ارفع علم هدايتك للناس، وضع من يقوم به خلافتك موضعك حتى يكون قائما مقامك من بعدك بتبليغ الأحكام و هداية الأنام، لئلا تنقطع خيط الهداية و الرسالة بين الله و بين عباده، و يكون ذلك مستمرا بقيام إمام مقام إمام إلى يوم القيامة فلعل في مصحفهم (عليهم السلام) كان بالكسر، أو يقال: لعله ورد بالفتح أيضا بمعنى النصب و إن لم يذكر في الكتب المتداولة في اللغة، و يحتمل أن يكون تفسيره (عليه السلام) بيانا لحاصل المعنى، و يكون المقصود أتعب نفسك في نصب وصيك بما تسمع من المنافقين في ذلك. و العجب من المتعصب الناصب الزمخشري أنه قال في الكشاف: و من البدع ما روي عن بعض الرافضة أنه قرأ فانصب بكسر الصاد أي فانصب عليا للإمامة، قال: و لو صح هذا للرافضي لصح للناصبي أن يقرأ هكذا و يجعله أمرا بالنصب الذي هو بغض على و عداوته، فانظر إلى هذا المتعصب المتعنت كيف عمى الله بصيرته بغشاوة العصبية حتى أتى بمثل هذا الكلام الذي يليق باللئام في هذا المقام. و لا يخفى فساده على ذوي الأفهام من وجوه: الأول: أن المناسبة بين الفراغ من تبليغ الرسالة و نصب الإمام لحفظ الشريعة بين ظاهر، لئلا يكون الناس بعده في حيرة و ضلالة، و لتجري سنة الله تعالى في الأولين و لا مناسبة بين الفراغ و ما ذكره بوجه. و الثاني: أن إبداء احتمال مخالف لما ذهب إليه جميع فرق المسلمين لا يكون مساويا لاحتمال ذهب إليه أكثر المتورعين من المؤمنين. و الثالث: أن ما ذكره الإمامية ليس بمحض التشهي و الاختراع بل نقلوه عن أئمتهم الذين لا خلاف بين المسلمين في فضلهم و علو شأنهم، و هذا الناصب أيضا مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ لَأَبْعَثَنَّ كثيرا ما ينقل القراءات و التفاسير عنهم، و جميع المفسرين يعتمدون على ما نقل عنهم، فلا يكون ما نقل عنهم بأدون مما رووا عن قتادة و كعب و ابن مسعود و غيرهم. و الفاء في قوله:" فقال الله" للبيان و قوله: ثلاث مرات متعلق بقوله:" اللهم. " إلى آخر الكلام، أو الجميع" ثم قال": أي في يوم غزوة خيبر بعد ما مضى أبو بكر مع أصحابه، فلما رأوا مرحبا اليهودي خرج للمبارزة فروا ثم في اليوم الثاني مضى عمر و أصحابه و فروا و كلمة" ثم" للتراخي بحسب الرتبة لا الزمان إن حملنا الكلام السابق على ما ذكر في يوم الغدير، و إلا فيمكن حمله على الزماني أيضا. و هذا الخبر مذكور في كتب العامة بطرق كثيرة، منها: ما رواه مسلم في صحيحه بإسناده عن سلمة بن الأكوع قال: كان علي (عليه السلام) قد تخلف عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في خيبر و كان رمدا فقال: أنا أتخلف عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فخرج فلحق بالنبي (صلى الله عليه و آله) فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صبيحتها قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله و رسوله، أو قال: يحب الله و رسوله يفتح الله عليه، فإذا نحن بعلي و ما نرجوه فقالوا: هذا علي فأعطاه رسول الله الراية ففتح الله عليه. و روي أيضا بإسناده عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن رسول الله قال يوم خيبر: لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) كلهم يرجو أن يعطاها، قال (صلى الله عليه و آله و سلم): أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه فأتى به فبصق رسول الله (صلى الله عليه و آله) في عينيه و دعا له، فبرأ حتى كان لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام و أخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيهم، فو الله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ لَيْسَ بِفَرَّارٍ يُعَرِّضُ بِمَنْ رَجَعَ يُجَبِّنُ أَصْحَابَهُ وَ يُجَبِّنُونَهُ وَ قَالَ(صلى الله عليه وآله وسلم)عَلِيٌّ سَيِّدُ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَالَ عَلِيٌّ عَمُودُ الدِّينِ وَ قَالَ هَذَا هُوَ الَّذِي يَضْرِبُ النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَلَى الْحَقِّ بَعْدِي وَ قَالَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ أَيْنَمَا مَالَ لك من أن يكون لك حمر النعم و روي عن أبي هريرة أيضا مثله. " معرضا" حال عن فاعل قال، و التعريض نفي عيب عن أحد لإثباته لآخر، و المراد أن أبا بكر و عمر لا يحبان الله و رسوله و لا يحبهما الله و لا رسوله و هما فراران، و إنما ذكر (عليه السلام) الجبن فقط ليعلم عدم المحبة أيضا مع نوع تقية إذ العلة مشتركة، و لا خفاء في أن سياق هذا الكلام يدل على اختصاص جميع تلك الأوصاف بالمبعوث أخيرا و إلا فلا فائدة في ذكرها. " يجبن" حال عن فاعل رجع أي يخوف أصحابه و يدعوهم إلى الجبن عند الحرب، أو ينسبهم إلى الجبن عند الرجوع و يلومهم به، يقال جبنه تجبينا أي نسبه إلى الجبن" على سيد المؤمنين" أي أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما أن السيد أولى بعبده منه، أو أشرفهم و أفضلهم لأنه فاق جميعهم في جميع الكمالات" عمود الدين" أي لا يقوم الدين إلا به كما لا تقوم الخيمة إلا بالعمود. " هو الذي" التركيب يدل على الحصر أي كل من يضرب الناس بالسيف بعدي فهو على الباطل غيره و غير أوصيائه، و ضمير مال لعلي أو للحق أي سواء قام أو قعد و في جميع أقواله و أفعاله، و هذا الحديث رواه ابن مردويه في مناقبه بعدة طرق عن عائشة أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: الحق مع على و على مع الحق لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، و ادعى ابن أبي الحديد صحة هذا الحديث بل تواتره. وَ قَالَ إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا- كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَهْلَ بَيْتِي عِتْرَتِي أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَ قَدْ بَلَّغْتُ إِنَّكُمْ سَتَرِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ فَأَسْأَلُكُمْ عَمَّا فَعَلْتُمْ فِي الثَّقَلَيْنِ وَ الثَّقَلَانِ كِتَابُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَ أَهْلُ بَيْتِي فَلَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَهْلِكُوا وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ فَوَقَعَتِ الْحُجَّةُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ بِالْكِتَابِ الَّذِي يَقْرَأُهُ النَّاسُ فَلَمْ يَزَلْ يُلْقِي فَضْلَ أَهْلِ بَيْتِهِ بِالْكَلَامِ وَ يُبَيِّنُ لَهُمْ بِالْقُرْآنِ- إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وَ قَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ- وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ ثُمَّ قَالَ وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ فَكَانَ عَلِيٌّ عليه السلام " و قال إني تارك فيكم أمرين" هذا الخبر متواتر اتفقت الأمة على قبوله و نقله، و قد مر الكلام فيه" كتاب الله" مرفوع بتقديرهما كتاب الله أو منصوب بدل تفصيل لأمرين و العترة العشيرة: الأدنون" و قد بلغت" على صيغة المعلوم أي بلغت ما يلزمني تبليغه في أهل بيتي، أو على المجهول أي بلغني جبرئيل عن الله بالوحي" لا تسبقوهم" أي في الإمامة أو في شيء من الأمور" فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ" المشهور في القراءة فتح الهمزة على حذف المبتدأ، أي فحكمه أن لله خمسه و قيل: على حذف الخبر أي فثابت أن لله خمسه، و قرئ بكسرها أيضا و المعنى أن الذي أخذتموه من مال الكفار قهرا مما يطلق عليه اسم الشيء قليلا كان أو كثيرا فحكمه أن لله خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل، و سيأتي أحكامه في محله إنشاء الله. و لا يخفى ما في تخصيص ذي القربى بالذكر و إعادة اللام و تشريكه مع الرسول في التساهم من التعظيم و الاهتمام بشأنه. " فكان على" أي ذا القربى على حذف الخبر أو كان تامة، و هذا أحد تأويلات الآية، و قد ورد في أخبار كثيرة من طريق الخاصة و العامة أنها نزلت في فدك، فرووا عن أبي سعيد الخدري و غيره أنه لما نزلت الآية أعطى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فاطمة فدك، وَ كَانَ حَقُّهُ الْوَصِيَّةَ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ وَ الِاسْمَ الْأَكْبَرَ وَ مِيرَاثَ الْعِلْمِ وَ آثَارَ عِلْمِ النُّبُوَّةِ فَقَالَ قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ ثُمَّ قَالَ وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ و لا تنافي بينهما فإن حق فاطمة (عليها السلام) من ذوي القربى كان فدك، و حق أمير المؤمنين الوصية، و قال البيضاوي: و آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ، من صلة الرحم و حسن المعاشرة و البر عليهم، و قيل: المراد بذي القربى أقارب الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم). " إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ" قال الطبرسي (رحمه الله): اختلف في معناه على أقوال: أحدهما: لا أسألكم في تبليغ الرسالة أجرا إلا التواد و التحاب فيما يقرب إلى الله تعالى. و ثانيها: أن معناه إلا أن تودوني في قرابتي منكم و تحفظوني لها فهو لقريش خاصة. و ثالثها: أن معناه إلا أن تؤدوا قرابتي و عترتي و تحفظوني فيهم، عن علي بن الحسين و ابن جبير و عمرو بن شعيب و جماعة، و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام). ثم أورد أخبارا كثيرة في ذلك ثم قال: و على التقادير ففي المودة قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع لأن هذا إنما يجب بالإسلام فلا يكون أجرا للنبوة. و الآخر أنه استثناء متصل و المعنى لا أسألكم إلا هذا فقد رضيت به أجرا كما أنك تسأل غيرك حاجة فيعرض المسؤول عليك برا فتقول: اجعل بري قضاء حاجتي، و على هذا يجوز أن يكون المعنى: لا أسألكم أجرا إلا هذا فقد رضيت به أجرا، و نفعه أيضا عائد إليكم فكأني لم أسألكم أجرا، انتهى. و قال إمامهم الرازي في تفسيره: روى الكلبي عن ابن عباس قال: إن النبي (صلى الله عليه و آله) لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب و حقوق و ليس في يده سعة فقال الأنصار: إن بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ يَقُولُ أَسْأَلُكُمْ عَنِ الْمَوَدَّةِ الَّتِي أَنْزَلْتُ عَلَيْكُمْ فَضْلَهَا مَوَدَّةِ الْقُرْبَى هذا الرجل قد هداكم الله على يده و هو ابن أختكم و جاركم في بلدكم فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا ثم أتوه به فرده عليهم و نزل قوله تعالى:" قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً" أي على الإيمان إلا أن تؤدوا أقاربي، فحثهم على مودة أقاربه، ثم قال بعد نقل خبر طويل عن صاحب الكشاف في مودة آل الرسول (صلوات الله عليهم) و ذم بغضهم: و أنا أقول آل محمد هم الذين يؤول أمرهم إليه، و كل من كان أول أمرهم أشد و أكمل كانوا هم الآل، و لا شك أن فاطمة و عليا و الحسن و الحسين (عليهم السلام) كان التعلق بينهم و بين الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) أشد التعلقات، و هذا كالمعلوم المتواتر، فوجب أن يكونوا هم الآل. و أيضا اختلف الناس في الآل فقيل: هم الأقارب. و قيل: هم أمته فإن حملناه على القرابة فهم الآل، و إن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضا آل، فثبت أن على جميع التقديرات هم آل، و أما غيرهم هل يدخلون تحت لفظ الآل فمختلف فيه، فثبت على جميع التقديرات أنهم آل محمد (عليهم السلام). و روى صاحب الكشاف أنه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقيل: على و فاطمة و ابناهما، فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي (صلى الله عليه و آله)، فإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم، ثم ذكر الرازي دلائل كثيرة على وجوب محبة الآل. و أقول: هذه الرواية التي رواها الزمخشري رواها الثعلبي و البيضاوي و غيرهما من المفسرين. قوله:" وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ" أقول: القراءة المشهورة: الموءودة بالهمزة، قال الطبرسي: الموءودة هي الجارية المدفونة حيا و كانت المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة و قعدت على رأسها، فإن ولدت بنتا رمتها في الحفرة و إن ولدت غلاما حبسته، بِأَيِّ ذَنْبٍ قَتَلْتُمُوهُمْ وَ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ قَالَ الْكِتَابُ هُوَ الذِّكْرُ وَ أَهْلُهُ آلُ مُحَمَّدٍ(عليهم السلام)أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِسُؤَالِهِمْ وَ لَمْ يُؤْمَرُوا بِسُؤَالِ الْجُهَّالِ وَ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْقُرْآنَ ذِكْراً فَقَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ أي تسأل فيقال لها: بأي ذنب قتلت؟ و معنى سؤالها توبيخ قاتلها، و قيل: المعنى يسأل قاتلها بأي ذنب قتلت؟ و روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام): و إذا المودة سئلت بفتح الميم و الواو، و روي عن ابن عباس أنه قال: هو من قتل في مودتنا أهل البيت، و عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يعني قرابة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و من قتل في جهاد، و في رواية أخرى قال: هو من قتل في مودتنا و ولايتنا، انتهى. و أقول: الظاهر أن أكثر تلك الأخبار مبنية على تلك القراءة الثانية إما بحذف المضاف أي أهل المودة يسألون بأي ذنب قتلوا أو بإسناد القتل إلى المودة مجازا، و المراد قتل أهلها أو بالتجوز في القتل و المراد تضييع مودة أهل البيت (عليهم السلام) و إبطالها و عدم القيام بها و بحقوقها، و بعضها على القراءة الأولى المشهورة بأن يكون المراد بالموؤودة النفس المدفونة في التراب مطلقا أو حيا، إشارة إلى أنهم لكونهم مقتولين في سبيل الله تعالى ليسوا بأموات بل أحياء عند ربهم يرزقون، فكأنهم دفنوا حيا، و فيه من اللطف ما لا يخفى، و هذا الخبر يؤيد الوجه الأول لقوله قتلتموهم. " قال الكتاب الذكر" شبيه بالقلب أي الذكر هو الكتاب [و عكس لكون الكتاب] ذاتا، و الذكر صفة أو أن وصف كونه كتابا أشهر من كونه ذكرا و قد مر الكلام في هذه الآيات في …
الكافي — كتاب الحجة · بَابُ الْإِشَارَةِ وَ النَّصِّ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)