الأقسامالكافيكتاب الحجة
الكافي · رقم ٦

الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَسَنِيُّ رَفَعَهُ وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ " أنت ولي الأمر" أي أمر الخلافة و الإمامة" و ولي الدم" أي إليك اختيار القصاص. " فلك" أي فهو جائز لك" فضربة" مبتدأ خبره الظرف، أو خبر مبتدإ محذوف، أي فالواجب ضربة و الظرف نعته" و لا تأثم" إما نهي أو نفي، فعلى الأول أي لا تفعل ما يوجب الإثم- بالمثلثة- بالقاتل أو الزيادة على الضربة الواحدة، أو قتل غير القاتل كما كان شائعا بين العرب، لا سيما في الأمراء فإنهم قد كانوا يقتلون بواحد قبيلة، و يؤيده ما رواه السيد رضي الله عنه في نهج البلاغة حيث قال في كلام له يوصي به الحسنين (عليهما السلام): يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون: قتل أمير المؤمنين! ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي، انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، و لا يمثل الرجل، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: إياكم و المثلة و لو بالكلب العقور، و النهي لتعليم الأمة فإن الحسنين (عليهما السلام) كانا مستغنيين عن ذلك، و على الثاني المعنى لا تأثم بالضربة لأنه قصاص، أو بالزيادة فإنه مستحق لها و هما بعيدان، و يمكن أن يقرأ على الأول لا تأثم نهيا من باب التفعل أي لا تزد فتكون عند الناس منسوبا إلى الإثم. الحديث السادس مرسل، و روى الرضي رضي الله عنه في نهج البلاغة بعضه. الْأَحْمَرِيِّ رَفَعَهُ قَالَ لَمَّا ضُرِبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)حَفَّ بِهِ الْعُوَّادُ وَ قِيلَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْصِ فَقَالَ اثْنُوا لِي وِسَادَةً ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ قَدْرِهِ مُتَّبِعِينَ أَمْرَهُ وَ أَحْمَدُهُ كَمَا أَحَبَّ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ كَمَا انْتَسَبَ أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّ امْرِئٍ لَاقٍ فِي فِرَارِهِ مَا مِنْهُ يَفِرُّ وَ الْأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ إِلَيْهِ وَ الْهَرَبَ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ كَمْ " حف به" أي أحاط، و العواد جمع عائد و هم الزائرون للمريض" أثنوا لي وسادة" يقال ثنى الشيء كسمع أي رد بعضه على بعض، و الوسادة بالكسر ما يتكأ عليه في المجلس، و تثنيها إما للجلوس عليها ليرتفع و يظهر للسامعين أو للاتكاء عليها لعدم قدرته على الجلوس مستقلا" الحمد لله قدره" أي حمدا يكون حسب قدره و كما هو أهله، قائم مقام المفعول المطلق أو منصوب بنزع الخافض أي على قدره، و قيل: يحتمل كونه مفعولا عند من لم يشترط كونه شريكا لعامله في الفاعل كما اختاره الرضي (ره)، و القدر مصدر باب ضرب: التعظيم، و منه ما قدروا الله حق قدره، انتهى. " متبعين أمره" حال عن فاعل الحمد لأنه في قوة أحمده" كما أحب" أي حمدا يكون محبوبة و موافقا لرضاه" كما انتسب" أي كما نسب نفسه إليه في سورة التوحيد، و لذا تسمى نسبة الرب" في قراره" متعلق بلاق" ما منه يفر" أي من الأمور المقدرة الحتمية كالموت كما قال تعالى:" قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلٰاقِيكُمْ" و اللقاء في مدة الفرار و هي الحياة الدنيا، فإن الإنسان يفر من الموت ما دام حيا و إن كان تعبدا. و الأجل منتهى العمر، و هو مبتدأ و" مساق النفس" مبتدأ ثان" و إليه" خبره و الجملة خبر المبتدأ الأول، و ليس في النهج كلمة إليه، فيحتمل أن يكون المراد بالأجل منتهى العمر، و المساق بمعنى ما يساق إليه، و أن يكون المراد به المدة المضروبة لبقاء الإنسان، و بالمساق زمان السوق و الهرب منه موافاته، لأن الهرب إنما يكون بعلاج و حركة يفنى بهما بعض المدة، و إفناء المدة هو الموافاة، أو أَطْرَدْتُ الْأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الْأَمْرِ فَأَبَى اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ إِلَّا إِخْفَاءَهُ هَيْهَاتَ المعنى أنه إذا قدر زوال عمر أو دولة فكل تدبير يدبره الإنسان يصير سببا لحصول ما يهرب منه كما أن كل دواء و معالجة إذا صادف قرب مجيء الأجل كان مضرا بالبدن و إن كان بحيث إذا لم يصادفه كان نافعا مجربا عند الأطباء، مع أن المرض و المزاج في كلتا الصورتين واحد، بناء على إبطال أفعال الطبيعة، و إن نفع الأدوية إنما هو فعل الله عند الدواء، و مع قطع النظر عن ذلك إذا صادف الدواء الأجل يصير أحذق الأطباء جاهلا غافلا عما ينفع المريض، فيعطيه ما يضره، و إذا لم يصادف يلهم أجهل الأطباء بما ينفعه كما هو المجرب. " كم أطردت الأيام" الطرد الإبعاد، تقول: طردته أي نفيته عني و الطريدة ما طردته من صيد و غيره، و أطردت الرجل على صيغة الأفعال إذا أمرت بإخراجه، و بحث عن الأمر كمنع أي فتش، و قيل: الإطراد أدل على العز و القهر من الطرد. و أقول في تأويله وجوه: الأول: ما ذكره شراح النهج حيث قالوا: كأنه (عليه السلام) جعل الأيام أشخاصا يأمر بإخراجهم و إبعادهم عنه، أي ما زلت أبحث عن كيفية قتلي و أي وقت يكون بعينه، و في أي أرض يكون يوما يوما، فإذا لم أجده في يوم طردته و استقبلت يوما آخر فأبحث فيه أيضا فلا أعلم فأبعده و أطرده و استأنف يوما آخر و هكذا، حتى وقع المقدر، قالوا: و هكذا الكلام يدل على أنه (عليه السلام) لم يكن يعرف حال قتله مفصلة من جميع الوجوه، و أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أعلمه بذلك مجملا، لأنه قد ثبت أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال له: ستضرب على هذه و أشار إلى هامته فتخضب منها هذه و أشار إلى لحيته، و ثبت أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال له: أ تعلم من أشقى الأولين؟ قال: نعم عاقر الناقة، فقال له: أ تعلم من أشقى الآخرين؟ قال: لا، فقال: من يضرب هيهنا فتخضب هذه، و كلام أمير المؤمنين يدل على أنه بعد ضرب ابن ملجم له لا يقطع على أنه يموت من ضربته أ لا تراه يقول: إن ثبتت الوطأة فذاك" إلخ" و قال بعضهم: ذلك البحث إما بالسؤال عِلْمٌ مَكْنُونٌ أَمَّا وَصِيَّتِي فَأَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ شَيْئاً وَ مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)فَلَا تُضَيِّعُوا عن الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) مدة حياته أو بالفحص و التفرس من قرائن أحواله في سائر أوقاته مع الناس، و" مكنون هذا الأمر" أي المستور من خصوصيات هذا الأمر، و المستور الذي هو هذا الأمر، فالمشار إليه شيء مستور متعلق بوفاته (عليه السلام)، و" هيهات" أي بعد الاطلاع عليه، فإنه علم مخزون، و من خواص المخزون ستره و المنع من أن يناله أحد. الثاني: أن يكون المراد بهذا الأمر إخفاء الحق و مظلومية أهله و ظهور الباطل و غلبة أصحابه و كثرة أعوانه، لأنه (عليه السلام) سعى في أول الأمر في أخذ حقه غاية السعي فلم يتيسر و جرت أمور لم يكن يخطر ببال أحد وقوع مثله، و في آخر الأمر لما انتهى إليه و حصل له الأنصار و الأعوان، و جاهد في الله حق الجهاد، و غلب على المنافقين سنحت فتنة التحكيم التي كانت من غرائب الأمور، ثم بعد ذلك لما جمع العساكر و أعاد الخروج إليهم وقعت الطامة الكبرى، فالمراد بالمكنون سر ذلك و سببه، فظهر لي و أبى الله إلا إخفائه عنكم لضعف عقولكم عن فهمه، إذ هي من غوامض مسائل القضاء و القدر. الثالث: ما ذكره بعض أفاضل المعاصرين حيث قرأ أطردت على صيغة المعلوم من باب الأفعال يقال: أطرد الشيء إذا تبع بعضه بعضا و جرى، و الأنهار أطردت أي جرت، و قال: و هذا الأمر إشارة إلى الأجل و مكنونه لمه و سره من المصالح التي جعل الله الآجال كلا في وقته بسببها، و هو مخالف لما هو المضبوط في نسخ نهج البلاغة فإن أطردت فيها على نسخة المتكلم من باب الأفعال، و الأوسط أحسن الوجوه. و في النهج" علم مخزون" و محمدا منصوب بالإغراء بتقدير ألزموا و الفاء للتفريع و في النهج أما وصيتي فالله لا تشركوا به شيئا، و محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) فلا تضيعوا سنته يقال: ضيع الشيء تضييعا أي أهمله، و عمود الفسطاط و البيت: الخشبة التي يقوم بها، سُنَّتَهُ أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ وَ أَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ وَ خَلَاكُمْ ذَمٌّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا حُمِّلَ كُلُّ امْرِئٍ مَجْهُودَهُ وَ خُفِّفَ عَنِ الْجَهَلَةِ رَبٌّ رَحِيمٌ وَ إِمَامٌ عَلِيمٌ وَ دِينٌ قَوِيمٌ و العمودان التوحيد و النبوة، و إقامتهما الاعتقاد بهما و العمل بمقتضيات الإيمان بهما، و قيل: المراد بهما الحسنان (عليهما السلام)، و قيل: هما المراد بالمصباحين. " و خلاكم ذم" أي سقط عنكم و أعذرتم فلا ذم عليكم" ما لم تشردوا" كتضربوا يقال: شرد البعير أي نفر و ذهب في الأرض، و الغرض النهي عن التفرق و اختلاف الكلمة أي لا ذم يلحقكم ما دمتم متفقين في أمر الدين متمسكين بحبل الأئمة الطاهرين أو المراد النهي عن الرجوع عن الدين و إقامة سننه، و قرأ بعضهم ذم بالكسر أي مضى لكم ذمة و أمان ما لم تشردوا، و لا يخفى بعده. " حمل كل امرئ منكم مجهوده" في بعض نسخ النهج" حمل" على صيغة الماضي المجهول من باب التفعيل، و رفع كلمة" كل" و في بعضها على المعلوم و نصب كل فالفاعل هو الله سبحانه، و في بعضها حمل كضرب على المعلوم و رفع كل و الأول أظهر، و المجهود مبلغ الوسع و الطاقة" و خفف عن الجهلة" على بناء المجهول و لعله استدراك لما يتوهم من ظاهر الكلام من أنه سبحانه كلف كل أحد بما هو مبلغ طاقته و نهاية وسعه، فبين (عليه السلام) أن التكليف على حسب العلم، و الجهال ليسوا بمكلفين بما كلف به العلماء و قد قال الله سبحانه:" إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّٰهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهٰالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ" و يدل ظاهره على أن الجاهل معذور في أكثر الأحكام" رب رحيم" خبر مبتدإ محذوف، أي ربكم رب رحيم، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي لكم رب رحيم، و في أكثر نسخ النهج خفف على بناء المعلوم، فقوله: رب فاعله، و لا يضر عطف الدين و الإمام عليه لشيوع التجوز في الإسناد، قال ابن أبي الحديد: و من الناس من يجعل رب رحيم فاعل خفف على رواية من رواها فعلا معلوما، و ليس بمستحسن أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ وَ أَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وَ غَداً مُفَارِقُكُمْ إِنْ تَثْبُتِ الْوَطْأَةُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ فَذَاكَ الْمُرَادُ وَ إِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ فَإِنَّا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ أَغْصَانٍ وَ ذَرَى رِيَاحٍ لأن عطف الدين عليه يقتضي أن يكون الدين أيضا مخففا و هذا لا يصح، انتهى. و المراد بالإمام الإمام في كل زمان، و يحتمل شموله للرسول (صلى الله عليه و آله و سلم). أيضا تغليبا، و ربما يخص بالرسول. " أنا بالأمس صاحبكم" أي كنت صحيحا مثلكم نافذ الحكم فيكم، أو صاحبكم الذي كنتم تعرفونني بقوتي و شجاعتي" و اليوم عبرة لكم" العبرة بالكسر ما يتعظ به الإنسان و يعتبره ليستدل به على غيره، و المعنى اليوم تعتبرون بإشرافي على الموت و ضعفي عن الحراك بعد ما كنت أميرا لكم، أتصرف في الأمور على حسب إرادتي أو بأن ترونني صريعا بينكم بعد قتل الأقران و صرع الإبطال" إن ثبت الوطأة" في بعض النسخ بصيغة الماضي، و الوطأة بالفتح موضع القدم، و المرة من الوطء و هو الدوس بالرجل، و المراد ثبات القدم بالبقاء في الدنيا بأن كان يؤدي الجرح إلى الهلاك، و دحضت القدم كمنعت أي زلقت و زلت، و هذا كناية عن الموت" فذاك المراد" أي مرادكم فإنه (عليه السلام) كان آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، أو مرادي لأنه (صلوات الله عليه) كان راضيا بقضاء الله تعالى، فمع قضاء الله حياته لا يريد غير ما أراده سبحانه. ثم الظاهر من سائر الأخبار أنه (عليه السلام) كان عالما بشهادته و وقتها و كان ينتظرها و يخبر بوقوعها و يستنبطها في الليلة التي وعدها، و يقول: ما منع قاتلي؟ فهذا الكلام من قبيل تصوير العالم نفسه بصورة الشاك لبعض المصالح نحو قوله تعالى" أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ". و الأفياء جمع فيء بالفتح و هو الظل الحادث منه بعد الزوال، لأن أصله الرجوع" و ذرى رياح" أي ما ذرته و جمعته، شبه ما فيه الإنسان في الدنيا من الأمتعة و الأموال بما ذرته الرياح في عدم ثباتها و قلة الانتفاع، فإنها تجمعها ساعة و تفرقها أخرى، وَ تَحْتَ ظِلِّ غَمَامَةٍ اضْمَحَلَّ فِي الْجَوِّ مُتَلَفِّقُهَا وَ عَفَا فِي الْأَرْضِ مَحَطُّهَا وَ إِنَّمَا كُنْتُ أو المراد محال ذروها، كما أن في النهج و مهب رياح، قال الفيروزآبادي: ذرت الريح الشيء ذروا و أذرته و ذرته أطارته و أذهبته، و ذرى هو بنفسه و ذراوة النبت بالضم ما أرفت من يابسه فطارت به الريح، و ما سقط من الطعام عند التذري، و ما ذرأ من الشيء كالذري بالضم، انتهى. و اضمحل السحاب: تقشع، و الشيء ذهب و فنى، و الجو: ما بين السماء و الأرض و" متلفقها" بكسر الفاء أي ما انضم و اجتمع، يقال: تلفق أي انضم و التأم، و لفق الثوب كضرب أي ضم شقه إلى أخرى فخاطهما، أو بفتح الفاء مصدرا ميميا، و عفا أي درس و انمحى و لم يبق له أثر" و مخطها" في أكثر نسخ الكتاب و في النهج بالخاء المعجمة و هو ما يحدث في الأرض من الخط الفاضل بين الظل و النور، و انمحاؤها يستلزم انمحاء الظل، و المخط الأثر و العلامة يقال: خط في الأرض كمد خطأ أي أعلم علامة، و في بعض النسخ بالحاء المهملة أي محط ظلها، و الضميران في متلفقها و مخطها راجعان إلى الغمامة، و قيل: الضمير في متلفقها راجع إلى الغمامة و في مخطها إلى ذرى الرياح، لأن العلامة إنما تحصل من هبوب الرياح و لا يخفى بعده. و الحاصل أني إن مت فلا عجب فإنا كنا في أمور فانية شبيهة بتلك الأمور، أو لا أبالي فإني كنت في الدنيا غير متعلق بها كمن كان في تلك الأمور، و فيه حث أيضا للقوم على الزهد في الدنيا و ترك الرغبة في زخارفها، و قيل: أراد على وجه الاستعارة بالأغصان الأركان من العناصر الأربعة، و بالأفياء تركيبها المعرض للزوال، و بالرياح الأرواح، و بذراها الأبدان الفائضة هي عليها بالجود الإلهي، و بالغمامة الأسباب القوية من الحركات السماوية و الاتصالات الكوكبية، و الأرزاق المفاضة على الإنسان في هذا العالم التي هي سبب بقائه، و كنى باضمحلال متلفقها في الجو عن تفرق تلك الأسباب و زوالها، و بعفاء مخطها في الأرض عن فناء آثارها في الأبدان. جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً وَ سَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلَاءً سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَكَةٍ وَ كَاظِمَةً بَعْدَ نُطْقٍ لِيَعِظَكُمْ هُدُوِّي وَ خُفُوتُ إِطْرَاقِي وَ سُكُونُ أَطْرَافِي فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لَكُمْ مِنَ النَّاطِقِ قوله: كنت جارا، أي مجاورا جاوركم بدني، إنما خص المجاورة بالبدن لأنها من خواص الأجسام، أو لأن روحه (صلوات الله عليه) كانت معلقة بالملأ الأعلى و هو بعد في هذه الدنيا كما قال (عليه السلام) في وصف إخوانه الذين تأوه شوقا إلى لقائهم: كانوا في الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى" و ستعقبون" على بناء المفعول من الأعقاب و هو إعطاء شيء بعد شيء، و يقال: أكل أكلة أعقبه سقما أي أورثه، و الحاصل: يبقى فيكم بعد رحلتي، و جثة الإنسان بالضم شخصه و جسده" خلاء" أي خالية من الروح و الحواس" بعد حركة" في النهج: بعد حراك، كسحاب بمعناها" و كاظمة بعد نطق" قال الفيروزآبادي كظم غيظه رده و الباب أغلقه و كظم كعني كظوما سكت، و قوم كظم كركع ساكنون، و في النهج: و صامتة بعد نطوق. " ليعظكم" بكسر اللام و النصب كما ضبط في أكثر نسخ النهج، و يحتمل الجزم لكونه أمرا، و فتح اللام و الرفع أيضا، و هدأ كمنع هداء و هدوءا بالضم، أي سكن، و هدؤى، في بعض نسخ النهج بالهمزة على الأصل، و في بعضها بتشديد الواو بقلب الهمزة واوا، و في الصحاح خفت الصوت خفوتا سكن و لهذا قيل للميت خفت إذا انقطع كلامه و سكت، و" إطراقي" إما بكسر الهمزة كما هو المضبوط في النهج من أطرق إطراقا أي أرخى عينيه إلى الأرض، كناية عن عدم تحريك الأجفان، أو بفتحها جمع طرق بالكسر بمعنى القوة كما ذكره الفيروزآبادي، أو بالفتح و هو الضرب بالمطرقة، و قيل: جمع طرقة بالفتح أي صنائع الكلام، يقال: هذه طرقته أي صنعته و الأول أظهر و أضبط. و الأطراف جمع طرف بالتحريك كجمل و إجمال و المراد بها الأعضاء و الجوارح كاليدين و الرجلين أو جمع الطرف بالتسكين و هو تحريك العين و الجفن، إلا أن جمعه لم يثبت إلا عند القتيبي، و قال الزمخشري: الطرف لا يثني و لا يجمع لأنه مصدر، و كذا ذكره الجوهري. الْبَلِيغِ وَدَّعْتُكُمْ وَدَاعَ مُرْصِدٍ لِلتَّلَاقِي غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي وَ يَكْشِفُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ " ودعتكم" على صيغة المتكلم من باب التفعيل،" وداع" بالفتح اسم من قولهم ودعته توديعا، و أما الوداع بالكسر فهو الاسم من قولك وادعته موادعة أي صالحته، و هو منصوب بالمصدرية، و في أكثر نسخ النهج: وداعيكم وداع، بإضافة وداعي إلى ضمير المفعول، أي وداعي إياكم و تجوز في مثله الفصل و الوصل، و" وداع" مرفوع بالخبرية، و رصدته: إذا قعدت له على طريقه تترقبه و أرصدت له العقوبة إذا أعددتها له و حقيقتها جعلتها على طريقه كالمترقبة له، و" مرصد" في بعض نسخ النهج على صيغة اسم المفعول فالفاعل هو الله تعالى أو نفسه (عليه السلام) كأنه أعد نفسه بالتوطين للتلافي، و في بعضها على صيغة اسم الفاعل، فالمفعول نفسه (صلى الله عليه و آله) أو ما ينبغي إعداده و تهيئة، و يوم التلاقي يوم القيامة و يحتمل شموله للرجعة أيضا. " غدا" أي زمان مفارقتي إياكم و هو ظرف للأفعال الآتية أي بعد أن أفارقكم و يتولى بنو أمية و غيرهم أمركم" ترون" و تعرفون فضل أيام خلافتي و إني كنت على الحق و يكشف الله لكم أني ما أردت في حروبي و سائر ما أمرتكم به إلا وجه الله عز و جل، و تعرفون عدلي و قدري بعد قيام غيري مقامي بالأمارة. قيل: و السر فيه أن الكمل إنما يعرف قدرهم بعد فقدهم إذ مع شهودهم لا يخلو من يعرفهم عن حسد منه لهم، فكمال قدرهم مخبوء عن عين بصيرته لغشاوة حسده التي عليها" و يكشف الله عن سرائري" لأن بالموت ينكشف بعض ما يستره الإنسان عن الناس من حسناته المتعدية إليهم. أقول: و يحتمل أن يكون المراد بقوله: غدا أيام الرجعة و يوم القيامة فإن فيهما تظهر شوكتهم و رفعتهم و نفاذ حكمهم في عالم الملك و الملكوت، فهو (عليه السلام) في الرجعة ولي انتقام العصاة و الكفار، و تمكين المتقين و الأخيار في الأصقاع و الأقطار و في القيامة ولي الحساب و قسيم الجنة و النار و غير ذلك مما يظهر من درجاتهم و مراتبهم السنية فيهما، فالمراد بخلو مكانه خلو قبره عن جسده في الرجعة، أو نزوله عن منبر سَرَائِرِي وَ تَعْرِفُونِّي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي وَ قِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي الوسيلة و قيامه على شفير جهنم يقول للنار: خذي هذا و اتركي هذا في القيامة. و في أكثر نسخ الكتاب: و قيامي غير مقامي، و هو أنسب بالأخير، و على الأول يحتاج إلى تكلف شديد، كان يكون المراد قيامه عند الله تعالى في السماوات و تحت العرش و في الجنان في الغرفات و في دار السلام كما دلت عليه الروايات، و في نسخ النهج و في بعض نسخ الكتاب: و قيامي غير مقامي، فهو بالأول أنسب، و يحتاج في الأخير إلى تكلف تام بأن يكون المراد بالغير القائم (عليه السلام)، فإنه إمام الزمان في الرجعة و قيام الرسول مقامه للمخاصمة في القيامة. و يخطر بالبال أيضا أنه يمكن الجمع بين المعنيين فيكون أسد و أفيد بأن يكون: ترون أيامي، و يكشف الله عن سرائري، في الرجعة و القيامة لاتصاله بقوله" وداع مرصد للتلاقي" و قوله (عليه السلام): و تعرفوني، كلاما آخر إشارة إلى ظهور قدره في الدنيا كما مر في المعنى الأول، هذا أظهر الوجوه لا سيما على النسخة الأخيرة. " إن أبق فأنا ولي دمي" صدق الشرطية لا يستلزم وقوع المقدم و قد مر الكلام فيه فلا ينافي ما مر من قوله: و غدا مفارقكم" فالفناء ميعادي" كما قال جل شأنه: " كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ" و قال:" كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلّٰا وَجْهَهُ" و في بعض النسخ: العفو لي قربة و لكم حسنة، فيحتمل أن يكون استحلالا من القوم كما هو الشائع عند الموادعة، أي عفوكم عني سبب مزيد قربي و حسناتكم، أو عفوي لكم قربة و عفوكم عني حسنة لكم، فيكون طلب العفو على سبيل التواضع من غير أن يكون منه إليهم جناية، و في أكثر النسخ و إن أعف فالعفو لي قربة، أي إن أعف عن قاتلي، فقوله: و لكم حسنة أي عفوي لكم حسنة لصعوبة ذلك عليكم حيث تريدون التشفي منه و تصبرون على عفوي بعد القدرة على الانتقام، أو عفوكم عمن فعل مثل ذلك لكم حسنة لا عفوكم من قاتلي، فإنه لا يجوز و إن احتمل أن يكون قال ذلك على وَ إِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي وَ إِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ وَ لَكُمْ حَسَنَةٌ فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا... أَ لٰا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّٰهُ لَكُمْ فَيَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً أَوْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى شِقْوَةٍ جَعَلَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِمَّنْ لَا يَقْصُرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ رَغْبَةٌ أَوْ تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَقِمَةٌ فَإِنَّمَا نَحْنُ لَهُ وَ بِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْحَسَنِ(عليه السلام)فَقَالَ يَا بُنَيَّ ضَرْبَةً مَكَانَ ضَرْبَةٍ وَ لَا تَأْثَمْ وجه المصلحة. " فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا" أي عني على الوجه الأول أو عن غير قاتلي ممن له شركة في ذلك كما مر في رواية النهج: لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين، أو عن جرائم إخوانكم و زلاتهم و ظلمهم عليكم، أو إذا جني عليكم بمثل هذه الجناية، لئلا يناقض قوله (عليه السلام): ضربة مكان ضربة، مع أنه يحتمل أن يكون معناه إن لم تعفو فضربة، لكن الأمر بالعفو عن مثل هذا الملعون بعيد. " فيا لها حسرة" النداء للتعجب و المنادي محذوف و ضمير لها مبهم، و حسرة تميز للضمير المبهم، نحو ربه رجلا، و أن يكون خبر مبتدإ محذوف و التقدير لأن يكون، أي يا قوم أدعوكم لأمر تتعجبون منه و هي الحسرة على ذي غفلة، و هي كون العمر عليه حجة لتضييعه فيما لا يعنيه، و الشقوة بالكسر سوء العاقبة. " ممن لا يقصر به" الباء للتعدية و" رغبة" فاعل لم يقصر، و ضمير" به" راجع إلى الموصول أي لا تجعله رغبة من رغبات النفس و شهوة من شهواتها قاصرا عن طاعة الله، هذا هو الظاهر، و قيل: رغبة تميز عن النسبة و ضمير به راجع إلى الله أي ممن لا يقصر بتوفيق الله عن طاعة الله لأجل الرغبة عنها و هو بعيد، و قد يتوهم تعلق عن طاعة الله بالرعية و هو أبعد" أو تحل" عطف على" يقصر" فينسحب عليه النفي، و النقمة العقوبة و العذاب. " فإنما نحن له و به" أي لله و مملوكه، و لا نفعل شيئا إلا بعونه أو الضمير للموت أي خلقنا للموت و نحن متلبسون به.

الكافي — كتاب الحجة · بَابُ الْإِشَارَةِ وَ النَّصِّ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.