الأقسامالكافيكتاب الحجة
الكافي · رقم ١٩

وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ كَتَبَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ إِلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(عليه السلام)أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِي نَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَ بِهَا أُوصِيكَ فَإِنَّهَا وَصِيَّةُ اللَّهِ فِي الْأَوَّلِينَ وَ وَصِيَّتُهُ فِي الْآخِرِينَ خَبَّرَنِي مَنْ وَرَدَ عَلَيَّ مِنْ أَعْوَانِ اللَّهِ عَلَى دِينِهِ وَ نَشْرِ طَاعَتِهِ بِمَا كَانَ مِنْ تَحَنُّنِكَ مَعَ خِذْلَانِكَ وَ قَدْ و قال الجوهري: عصبة الرجل بنوه و قرابته لأبيه و إنما سموا عصبة لأنهم عصبوا به أي أحاطوا به، فالأب طرف، و الابن طرف، و العم جانب، و الأخ جانب، انتهى. و يمكن أن يقرأ بضم العين و سكون الصاد، كما قال تعالى حكاية عن إخوة يوسف:" وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ" قال الطبرسي (ره): العصبة الجماعة التي يتعصب بعضها لبعض، و يقع على جماعة من عشرة إلى خمسة عشر، و قيل: ما بين العشرة إلى الأربعين و لا واحد له من لفظه كالقوم و الرهط. الحديث التاسع عشر: ضعيف" فإني أوصي" وصية النفس بالتقوى توطين النفس عليها قبل أمر الغير بها" فإنها وصية الله" إشارة إلى قوله تعالى:" وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيّٰاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللّٰهَ". " خبرني" على بناء التفعيل" من تحننك" أي ترحمك على و إشفاقك من قتلي مع خذلانك و عدم نصرتك لي، و توهم أن الرحم و الحزن على سفاهته المؤدية إلى قتله ينافي ترك نصرته و هو باطل من وجوه، إذ الحزن عليه إنما كان لتركه أمر الله في الخروج و إعانته على نفسه و هذا لا يوجب أن يرتكب (عليه السلام) ما نهى الله عنه من الخروج شَاوَرْتُ فِي الدَّعْوَةِ لِلرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ قَدِ احْتَجَبْتَهَا وَ احْتَجَبَهَا أَبُوكَ مِنْ قَبْلِكَ وَ قَدِيماً ادَّعَيْتُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ وَ بَسَطْتُمْ آمَالَكُمْ إِلَى مَا لَمْ يُعْطِكُمُ اللَّهُ فَاسْتَهْوَيْتُمْ وَ أَضْلَلْتُمْ وَ أَنَا مُحَذِّرُكَ مَا حَذَّرَكَ اللَّهُ مِنْ نَفْسِهِ- معه و أيضا مع قطع النظر عن ذلك لو كان (عليه السلام) علم أن نصرته له تنفع لدفع ما يقع فيه لكان فيه توهم تناف، و هو (عليه السلام) كان يعلم أن نصرته له و خروجه معه لا ينفع يحيى و يضر نفسه في الدين و الدنيا و في بعض النسخ من رحمتك و يؤول إلى ما ذكرنا. و قيل من تحننك أي شوقك إلى الخلافة، أو محبتك و خذلانك لي لذلك أو خذلان الله إياك و عدم تيسر ذلك لك، أو خذلان الناس لك، و ما ذكرنا أظهر كما لا يخفى. " و قد شاورت" على صيغة المتكلم أي شاورتك في الدعوة" للرضا" أي لمن هو مرضي" من آل محمد" أي يجتمعون عليه و يرتضونه لا لنفسي، و يحتمل أن يريد به و يدعي أن آل محمد يرتضونه لذلك، أو المعنى للعمل بما يرضى به آل محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)" و قد احتجبتها" لعل فيه حذفا و إيصالا، أي احتجبت بها و الضمير للمشورة كناية عما هو مقتضى المشورة من الإجابة إلى البيعة، أو الضمير راجع إلى البيعة بقرينة المقام أو إلى الدعوة أي إجابتها، أو المعنى شاورت الناس في الدعوة فاحتجبت عن مشاورتي و لم تحضرها، و صار ذلك سببا لتفرق الناس عني. " و احتجبها أبوك" أي عند دعوة محمد بن عبد الله كما مر" و قديما" ظرف لقوله ادعيتم، و مراده من زمن علي بن الحسين (عليه السلام) بزعمهم الفاسد كما مر" ما ليس لكم" أي الإمامة" فاستهويتم" أي ذهبتم بأهواء الناس و عقولهم، في القاموس: استهوته الشياطين ذهبت بهواه و عقله، أو استهامته و حيرته أو زينت له هواه. " ما حذرك الله" إشارة إلى قوله تعالى" وَ يُحَذِّرُكُمُ اللّٰهُ نَفْسَهُ". فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ(عليه السلام)مِنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ وَ عَلِيٍّ مُشْتَرِكَيْنِ فِي التَّذَلُّلِ لِلَّهِ وَ طَاعَتِهِ إِلَى يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكَ اللَّهَ وَ نَفْسِي وَ أُعْلِمُكَ أَلِيمَ عَذَابِهِ وَ شَدِيدَ عِقَابِهِ وَ تَكَامُلَ نَقِمَاتِهِ وَ أُوصِيكَ وَ نَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا زَيْنُ الْكَلَامِ وَ تَثْبِيتُ النِّعَمِ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ أَنِّي مُدَّعٍ وَ أَبِي مِنْ قَبْلُ وَ مَا سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنِّي وَ سَتُكْتَبُ شَهٰادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ وَ لَمْ يَدَعْ حِرْصُ الدُّنْيَا " من موسى بن عبد الله" و في بعض النسخ أبي عبد الله و" علي" كان المراد به أمير المؤمنين انتسابا للشرف إلى الأب الأعلى أيضا" مشتركين" بصيغة الجمع حال عن الجميع و يؤيده ما في بعض النسخ من عبدي الله جعفر و على، و قيل: المراد بعلي ابنه الرضا (عليه السلام) للإشارة إلى أنه الوصي بعد أبيه، و قيل: كأنه (عليه السلام) شرك أخاه علي بن جعفر رضي الله عنه معه في المكاتبة ليصرف بذلك عنه ما يصرف عن نفسه من الدعوى، لئلا يظن به الظن كما ظن به (عليه السلام) مشتركين بصيغة التثنية حال عنهما، انتهى. و لعل فيه زيادة أو تحريفا من النساخ" في التذلل لله و طاعته" أي لسنا من عصيان الله سبحانه و مخالفة أمره و ادعائنا ما ليس لنا بحق، و إضلالنا الناس، و عدم حذرنا مما حذر الله في شيء و" أعلمك" من الإعلام أي إنها واقعة لمن يستحقه فاحذرها، و كأنه إشارة إلى وقوع المذكورات له" و تكامل نقماته" أي نقمات المتكاملة البالغة إلى النهاية، و النقمة بالفتح و الكسر كفرحة اسم للانتقام. " فإنها" أي الوصية بالتقوى، و الزين خلاف الشين مصدر مضاف إلى المفعول" و تثبيت النعم" أي سبب له" إني مدع" ظاهره إنكار دعوى الإمامة تقية لعلمه بأنه سيقع في يد الرشيد، و باطنه إنكار ادعاء ما ليس بحق كما زعمه، مع أنه (عليه السلام) لم يصرح بالنفي بل قال ما سمعت ذلك مني" و يسألون" أي شهادتهم الزور، هدده بذكر الآية و خوفه بالله تعالى" و مطالبها" بالرفع عطفا على الحرص، أو بالجر وَ مَطَالِبُهَا لِأَهْلِهَا مَطْلَباً لآِخِرَتِهِمْ حَتَّى يُفْسِدَ عَلَيْهِمْ مَطْلَبَ آخِرَتِهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَ ذَكَرْتَ أَنِّي ثَبَّطْتُ النَّاسَ عَنْكَ لِرَغْبَتِي فِيمَا فِي يَدَيْكَ وَ مَا مَنَعَنِي مِنْ مَدْخَلِكَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ لَوْ كُنْتُ رَاغِباً ضَعْفٌ عَنْ سُنَّةٍ وَ لَا قِلَّةُ بَصِيرَةٍ بِحُجَّةٍ وَ لَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ النَّاسَ أَمْشَاجاً وَ غَرَائِبَ وَ غَرَائِزَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ حَرْفَيْنِ أَسْأَلُكَ عَنْهُمَا مَا الْعَتْرَفُ فِي بَدَنِكَ وَ مَا الصَّهْلَجُ فِي الْإِنْسَانِ ثُمَّ اكْتُبْ إِلَيَّ بِخَبَرِ ذَلِكَ وَ أَنَا مُتَقَدِّمٌ إِلَيْكَ أُحَذِّرُكَ عطفا على الدنيا" في دنياهم" في للظرفية أو بمعنى مع. و الحاصل أن حرص الدنيا صار سببا لأن لا يخلص لهم شيء للآخرة، فإذا أرادوا عملا من أعمال الآخرة خلطوه بالأغراض الدنيوية و الأعمال الباطلة كالأمر بالمعروف الذي أردت خلطته بإنكار حق أهل الحق و معارضتهم، و الافتراء عليهم، فيحتمل أن يكون في سببية أيضا، و قيل: يعني أن حرصك على الدنيا و مطالبها صار سببا لفساد آخرتك في دنياك. و التثبيط التعويق و التأخير فيما في يديك، أي ادعاء الإمامة" ضعف عن سنه" أي عجز عن معرفتها، بل صار علمي سببا لعدم إظهار الأمر قبل أوانه. " أمشاجا" أي أخلاطا شتى" و غرائب" أي ذوي عجائب فإنك تدعي هذا الأمر مع جهلك و ضلالتك و أنا لا أدعية مع وفور علمي و هداي، و أي غريبة أغرب من ذلك، و أي أعجوبة أعجب منه" و غرائز" أي طبائع مختلفة أو جعل للإنسان أجزاء و أعضاء مختلفة، فأخبرني عن هذين العضوين إن كنت صادقا في ادعاء الإمامة، فإن الإمام لا يخفى عليه شيء. قال في الجوامع في قوله تعالى:" مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشٰاجٍ" مشجه: مزجه يعني نطفة قد امتزج فيها الماءان ماء الرجل و ماء المرأة، أو أطوارا طورا نطفة و طورا علقة، و طورا مضغة، و طورا عظاما إلى أن صار إنسانا، انتهى. و هذان العضوان بهذين الاسمين غير معروفين عند الأطباء، و يقال: تقدم إليه مَعْصِيَةَ الْخَلِيفَةِ وَ أَحُثُّكَ عَلَى بِرِّهِ وَ طَاعَتِهِ وَ أَنْ تَطْلُبَ لِنَفْسِكَ أَمَاناً قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَكَ الْأَظْفَارُ وَ يَلْزَمَكَ الْخِنَاقُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَتَرَوَّحَ إِلَى النَّفَسِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَ لَا تَجِدُهُ حَتَّى يَمُنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ بِمَنِّهِ وَ فَضْلِهِ وَ رِقَّةِ الْخَلِيفَةِ أَبْقَاهُ اللَّهُ فَيُؤْمِنَكَ وَ يَرْحَمَكَ وَ يَحْفَظَ فِيكَ أَرْحَامَ رَسُولِ اللَّهِ وَ السَّلٰامُ عَلىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدىٰ إِنّٰا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنٰا أَنَّ الْعَذٰابَ عَلىٰ مَنْ كَذَّبَ وَ تَوَلّٰى قَالَ الْجَعْفَرِيُّ فَبَلَغَنِي أَنَّ كِتَابَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(عليه السلام)وَقَعَ فِي يَدَيْ هَارُونَ فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ النَّاسُ يَحْمِلُونِّي عَلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَ هُوَ بَرِيءٌ مِمَّا يُرْمَى بِهِ في كذا إذا أمره و أوصاه به" معصية الخليفة" أي خليفة الجور ظاهرا تقية، و خليفة الحق يعني نفسه (عليه السلام) واقعا و تورية، مع أنه يجب طاعة خلفاء الجور عند التقية لحفظ النفس، و إنما كتب (عليه السلام) ذلك لعلمه بأنه سيقع في يد الملعون دفعا لضرره عن نفسه و عشيرته و شيعته. " قبل أن تأخذك الأظفار" كناية عن الأسر تشبيها بطائر صاده بعض الجوارح بحيث يقع بين أظفاره و لا يمكنه التخلص منه" و يلزمك الخناق" بفتح الخاء مصدر خنقه إذا عصر حلقه، أو بالكسر و هو الحبل الذي يخنق به، أو بالضم كغراب و هو الداء الذي يمتنع معه نفوذ النفس إلى الرية و القلب" فتروح" من باب التفعيل بحذف إحدى التائين، أي تطلب الروح بالفتح و هو النسيم" إلى النفس" أي للنفس" من كل مكان" متعلق بتروح" فلا تجده" أي الروح أو النفس، في القاموس: النفس بالتحريك واحد الأنفاس، و السعة و الفسحة في الأمر، و أجد نفس ربكم من قبل اليمن اسم وضع موضع المصدر الحقيقي، من نفس تنفيسا و نفسا أي فرح تفريحا، انتهى. " و رقة الخليفة" عطف على منه" يحملوني" أي يغرونني به و يحملوني على الإضرار به" و هو بريء مما يرمى به" أي ينسب إليه و يتهم به و يطعن فيه. أقول: و لنذكر بعض أحوال يحيى: اعلم أن الزيدية أثبتوا له مدائح كثيرة تَمَّ الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الْكَافِي وَ يَتْلُوهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَ عَوْنِهِ الْجُزْءُ الثَّالِثُ وَ هُوَ بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّوْقِيتِ وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ وَ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ أَجْمَعِينَ حتى رووا أن الصادق (عليه السلام) لما حضرته الوفاة أوصى إلى يحيى و إلى موسى و إلى أم ولد، فكان يلي أمر تركاته و الأصاغر من ولده جاريا على أيديهم، و هذا باطل لما عرفت من كيفية وصيته (عليه السلام) و انحراف بني الحسن عن أئمتنا (عليهم السلام) كان من أوضح الواضحات، و إنما وضعوا ذلك تقوية لأمرهم. و قال مؤلف كتاب عمدة الطالب: يحيى صاحب الديلم ابن عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد هرب إلى بلاد الديلم و ظهر هناك و اجتمع عليه الناس و بائعه أهل تلك الأعمال و عظم أمره و خاف الرشيد لذلك و أهمه و انزعج منه غاية الانزعاج، فكتب إلى الفضل بن يحيى البرمكي أن يحيى بن عبد الله قذاة في عيني فأعطه ما شاء و اكفني أمره، فسار إليه الفضل في جيش كثيف و أرسل إليه بالرفق و التحذير و الترهيب، فرغب يحيى في الأمان، فكتب له الفضل أمانا مؤكدا و أخذ يحيى و جاء به إلى الرشيد، و يقال: إنه صار إلى الديلم مستجيرا فباعه صاحب الديلم من الفضل بن يحيى بمائة ألف درهم، و مضى يحيى إلى المدينة فأقام بها إلى سعي عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى الرشيد إلى آخر ما رواه في ذلك. و روى أبو الفرج في المقاتل بأسانيد عن جماعة أنهم قالوا: إن يحيى بن عبد الله ابن الحسن لما قتل أصحاب فخ كان في فلهم فاستتر مدة يجول في البلدان و يطلب موضعا يلجأ إليه، و علم الفضل بن يحيى بمكانه في بعض النواحي فأمره بالانتقال عنه و قصد الديلم، و كتب له منشورا لا يعرض له أحد، فمضى متنكرا حتى ورد الديلم و بلغ الرشيد خبره و هو في بعض الطريق، فولى الفضل بن يحيى نواحي المشرق و أمره بالخروج إلى يحيى، فلما علم الفضل بمكان يحيى كتب إليه إني أريد أن أحدث بك عهدا و أخشى أن تبتلي بي و أبتلي بك، فكاتب صاحب الديلم فإني قد كاتبته لك لتدخل إلى بلاده فتمتنع به ففعل ذلك يحيى، و كان قد صحبه جماعة من أهل الكوفة و فيهم الحسن بن صالح بن حر كان يذهب مذهب الزيدية في تفضيل أبي بكر و عمر و عثمان في ست سنين من إمارته، و تكفيره في باقي عمره، و يشرب النبيذ و يمسح على الخفين، فكان يخالف يحيى في أمره و يفسد أصحابه فحصل بينهما بذلك تنافر، و ولى الرشيد الفضل بن يحيى جميع كور المشرق و خراسان و أمره بقصد يحيى و الجد به و بذل الأمان له و الصلة إن قبل ذلك فمضى الفضل فيمن ندب معه و راسل يحيى بن عبد الله فأجابه إلى قبوله لما رأى من تفرق أصحابه و سوء رأيهم فيه و كثرة خلافهم عليه، إلا أن لم يرض الشرائط التي شرطت له و لا الشهود الذين شهدوا، و بعث بالكتاب إلى الفضل، فبعث به إلى الرشيد فكتب له على ما أراد و أشهد له من التمس. قالوا: فلما جاء الفضل إلى بلاد الديلم قال يحيى: اللهم اشكر لي إخافتي قلوب الظالمين، اللهم إن تقض لنا النصرة فإنما نريد إعزاز دينك، و إن تقض لهم النصر فبما تختار لأوليائك و أبناء أوليائك من كريم المآب و سني الثواب، فبلغ ذلك الفضل فقال: يدعو الله أن يرزقه السلامة فقد رزقها، قالوا: فلما ورد كتاب الرشيد على الفضل و قد كتب الأمان على ما رسم يحيى و أشهد الشهود الذين التمسهم، و جعل الأمان على نسختين إحداهما مع يحيى و الأخرى معه، ثم شخص يحيى مع الفضل حتى وافى بغداد و دخلها معادله في عمارية على بغل، فلما قدم يحيى أجازه الرشيد بجوائز سنية يقال إن مبلغها مائتا ألف دينار و غير ذلك من الخلع و الحملان. فأقام على ذلك مدة و في نفسه الحيلة على يحيى و التتبع له و طلب العلل عليه و على أصحابه حتى أخذ رجلا يقال له فضالة، بلغه أنه يدعو إلى يحيى فحبسه، ثم دعا به فأمره أن يكتب إلى يحيى بأنه قد أجابه جماعة من القواد و أصحاب الرشيد، ففعل ذلك و وجه الرسول إلى يحيى فقبض عليه و جاء به إلى يحيى بن خالد فقال له: هذا جاءني بكتاب لا أعرفه و دفع الكتاب إليه و طابت نفس الرشيد بذلك، و حبس فضالة فقيل له: إنك تظلمه في حبسك إياه، فقال: أنا أعلم ذلك و لكن لا يخرج و أنا حي أبدا قال فضالة: و لا و الله ما ظلمني لقد كنت عهدت إلى يحيى إن جاءه مني كتاب أن لا يقبله و أن يدفع الرسول إلى السلطان و علمت أنه سيحتال عليه بي. قالوا: فلما تبين يحيى بن عبد الله ما يراد به استأذن في الحج فأذن له، و في رواية أخرى أنه لم يستأذن للحج و لكنه قال للفضل ذات يوم: اتق الله في دمي و احذر أن يكون محمد (صلى الله عليه و آله) خصمك غدا في فرق له و أطلقه، و كان على الفضل عين للرشيد فذكر ذلك له فدعا بالفضل فقال: ما خبر يحيى بن عبد الله؟ قال: في موضعه عندي مقيم، قال: و حياتي؟ قال: و حياتك إني أطلقته، سألني برحمة من رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فرققت له، قال: أحسنت قد كان عزمي أن أخلي سبيله، فلما خرج أتبعه طرفه و قال: قتلني الله إن لم أقتلك. قالوا: ثم إن نفرا من أهل الحجاز تحالفوا على السعاية بيحيى بن عبد الله و الشهادة عليه بأنه يدعو إلى نفسه و أمانه منتقض، فوافق، ذلك لما كان في نفس الرشيد له، و هم عبد الله بن مصعب الزبيري، و أبو البختري وهب بن وهب، و رجل من بني زهرة، و رجل من بني مخزوم، فوافوا الرشيد لذلك و احتالوا إلى أن أمكنهم ذكرهم له، و أشخصه الرشيد إليه و حبسه عند مسرور الكبير في سرداب، فكان في أكثر الأيام يدعو به و يناظره إلى أن مات في حبسه (رضوان الله عليه). و اختلف الناس في أمره و كيف كانت وفاته، فقيل: إنه دعاه يوما و جمع بينه و بين عبد الله بن مصعب ليناظره فيما رفع إليه، فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد و قال: نعم يا أمير المؤمنين إن هذا دعاني إلى بيعته فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين أ تصدق ذلك على و تستنصحه و هو ابن عبد الله بن الزبير الذي أدخل أباك و ولده الشعب و أضرم عليهم النار حتى تخلصه أبو عبد الله الجدلي صاحب علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و هو الذي بقي أربعين جمعة لا يصلي على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في خطبته حتى التاث عليه الناس؟ فقال: إن له أهل بيت سوء إذا ذكرته استرابت نفوسهم إليه و فرحوا بذلك فلا أحب أن أقر عينهم بذلك، و هو الذي فعل به عبد الله بن العباس ما لا خفاء به عليك و طال الكلام بينهما حتى قال يحيى و مع ذلك هو الخارج مع أخي على أبيك، و قال في ذلك أبياتا منها: قوموا ببيعتكم تنهض بطاعتنا إن الخلافة فيكم يا بني حسن قال: فتغير وجه الرشيد عند سماع الأبيات فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلا هو و بإيمان البيعة إن هذا الشعر ليس له، فقال يحيى: و الله يا أمير المؤمنين ما قاله غيره و ما حلفت كاذبا و لا صادقا بالله قبل هذا، و إن الله إذا مجده العبد في يمينه بقوله الرحمن الرحيم الطالب الغالب استحيا أن يعاقبه فدعني أحلفه بيمين ما حلف بها أحد قط كاذبا إلا عوجل، قال: حلفه، قال: قل برئت من حول الله و قوته، و اعتصمت بحولي و قوتي و تقلدت الحول و القوة من دون الله استكبارا على الله و استغناء عنه و استعلاء عليه إن كنت قلت هذا الشعر، فامتنع عبد الله من الحلف بذلك، فغضب الرشيد و قال للفضل بن الربيع: هنا شيء ما له لا يحلف إن كان صادقا؟ هذا طيلساني علي و هذه ثيابي لو حلفني أنها لي لحلفت، فرفس الفضل عبد الله برجله و صاح به: احلف ويحك و كان له فيه هوى، فحلف باليمين و وجهه متغير و هو يرعد، فضرب يحيى بين كتفيه ثم قال: يا بن مصعب قطعت و الله عمرك، و الله لا تفلح بعدها. فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام فتقطع و مات في اليوم الثالث، فحضر الفضل جنازته و مشى معها و مشى الناس معه، فلما جاءوا به إلى القبر و وضعوه في لحده و جعل اللبن فوقه انخسف القبر به، و خرجت منه غبرة عظيمة، فصاح الفضل التراب التراب، فجعل يطرح و هو يهوي و دعا بأحمال شوك فطرحها فهوت فأمر حينئذ بالقبر فسقف بخشب و أصلحه و انصرف منكسرا، فكان الرشيد بعد ذلك يقول للفضل: رأيت يا عباسي ما أسرع ما أديل يحيى من ابن مصعب؟ قالوا: ثم جمع له الرشيد الفقهاء و فيهم محمد بن الحسن صاحب أبي يوسف القاضي و الحسن بن زياد اللؤلؤي و أبو البختري وهب بن وهب، فجمعوا في مجلس و خرج إليهم مسرور الكبير بالأمان فبدأ بمحمد بن الحسن فنظر فيه فقال: هذا أمان مؤكد لا حيلة فيه، و كان يحيى قد عرضه في المدينة على مالك و ابن الدراوردي و غيرهم فعرفوه أنه مؤكد لا علة فيه. قال: فصاح عليه مسرور و قال: هاته فدفعه إلى الحسين بن زياد فقال بصوت ضعيف: هو أمان و استلبه أبو البختري فقال: هذا باطل منتقض قد شق العصا و سفك الدم فاقتله و دمه في عنقي، فدخل مسرور إلى الرشيد فأخبره، فقال: اذهب فقل له خرقه إن كان باطلا بيدك؟ فجاءه مسرور فقال له ذلك، فقال: شقه يا أبا هاشم، قال له مسرور: بل شقه أنت إن كان منتقضا، فأخذ سكينا و جعل يشقه و يده يرتعد حتى صيره سيورا، فأدخله مسرور على الرشيد فوثب فأخذه من يده و هو فرح. و وهب لأبي البختري ألف ألف و ستمائة ألف، و ولاه قضاء القضاة و صرف الآخرين، و منع محمد بن الحسن من الفتيا مدة طويلة، و أجمع على إنفاذ ما أراد في يحيى بن عبد الله. قال أبو الفرج و قد اختلف في مقتله كيف كان، فروي عن رجل كان مع يحيى في المطبق قال: كنت قريبا منه فكان في أضيق البيوت و أظلمها، فبينا نحن ذات ليلة كذلك إذ سمعنا صوت الأقفال، و قد مضى من الليلة هجعة، فإذا هارون قد أقبل على برذون له، فوقف ثم قال: أين هذا؟ يعني يحيى قالوا: في هذا البيت، قال: علي به فأدنى إليه فجعل هارون يكلمه بشيء لم أفهمه فقال: خذوه فأخذ فضربه مائة عصا و يحيى يناشده الله و الرحم و القرابة من رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و يقول: بقرابتي منك، فيقول: ما بيني و بينك قرابة، ثم حمل فرد إلى موضعه، فقال: كم أجريتم عليه؟ قالوا: أربعة أرغفة و ثمانية أرطال ماء، قال: اجعلوه على النصف. ثم خرج و مكث ليالي ثم سمعنا وقعا، فإذا نحن به حتى دخل فوقف موقفه فقال: علي به فاخرج ففعل به مثل فعله ذلك و ضربه مائة عصا أخرى و يحيى يناشده، فقال: كم أجريتم عليه؟ قالوا: رغيفين و أربعة أرطال ماء، قال: اجعلوه على النصف، ثم خرج و عاود الثالثة و قد مرض يحيى و ثقل فلما دخل قال: علي به قالوا: هو عليل مدنف به، قال: كم أجريتم عليه؟ قالوا: رغيفا و رطلين ماء قال: اجعلوه على النصف، ثم خرج فلم يلبث يحيى أن مات، فأخرج إلى الناس و دفن و عن إبراهيم بن رياح أنه بنى عليه أسطوانة بالرافقة و هو حي. و عن علي بن محمد بن سليمان أنه دس إليه في الليل من خنقه حتى تلف، قال: و بلغني أنه سقاه سما. و عن محمد بن أبي الحسناء أنه أجاع السباع ثم ألقاه إليها فأكلته. و عن عبد الله بن عمر العمري قال: دعينا لمناظرة يحيى بن عبد الله بحضرة الرشيد لعنه الله، فجعل يقول: يا يحيى اتق الله و عرفني أصحابك السبعين لئلا ينتقض أمانك، و أقبل علينا فقال: إن هذا لم يسم أصحابه فكلما أردت أخذ إنسان بلغني عنه شيء أكرهه ذكر أنه ممن أمنت، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين أنا رجل من السبعين فما الذي نفعني من الأمان؟ أ فتريد أن أدفع إليك قوما تقتلهم معي لا يحل لي هذا. قال: ثم خرجنا ذلك اليوم و دعانا له يوما آخر فرأيته أصفر اللون متغيرا، فجعل الرشيد يكلمه فلا يجيبه، فقال: أ لا ترون إليه لا يجيبني فأخرج إلينا لسانه قد صار أسود مثل الفحمة يرينا أنه لا يقدر على الكلام، فاستشاط الرشيد و قال إنه يريكم أني سقيته السم و و الله لو رأيت عليه القتل لضربت عنقه صبرا، ثم خرجنا من عنده فما صرنا في وسط الدار حتى سقط على وجهه لأصر ما به. و حدثني أحمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن قال: كان إدريس بن محمد بن يحيى بن عبد الله يقول: قتل جدي بالجوع و العطش في الحبس. و عن الزبير بن البكار عن عمه أن يحيى لما أخذ من الرشيد المائتي ألف دينار قضى بها دين الحسين صاحب الفخ، و كان الحسين خلف مائتي ألف دينار دينا. و قال: خرج مع يحيى عامر بن كثير السراج، و سهل بن عامر البجلي، و يحيى بن مساور، و كان من أصحابه علي بن هاشم بن البريد، و عبد ربه بن علقمة، و مخول بن إبراهيم النهدي، فحبسهم جميعا هارون في المطبق فمكثوا فيه اثنتي عشرة سنة. انتهى ما أردت إيراده من كتاب المقاتل، و إليه انتهى المجلد الثاني من كتاب مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول (صلى الله عليه و آله) و قد جمعت فيه ما كنت علقته في سالف الزمان متفرقا على الكتاب، و أخذه المعاصرون و أدخلوها في زبرهم و نسبوها إلى أنفسهم، مع زيادات أضفتها إليها، و كان ذلك في شهر ربيع الثاني من سنة المائة و الألف بعد الهجرة المقدسة النبوية و كتبه مؤلفه الفقير إلى عفو ربه الغني محمد باقر ابن محمد تقي عفا الله عن هفواتهما، و يتلوه في المجلد الثالث باب كراهية التوقيت، و صلى الله على محمد و آله الطاهرين. بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الكافي — كتاب الحجة · بَابُ مَا يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ دَعْوَى الْمُحِقِّ وَ الْمُبْطِلِ فِي أَمْرِ الْإِمَامَةِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.