عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي وَهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ- سَأَلْتُ عَبْداً صَالِحاً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ قَالَ فَقَالَ إِنَّ الْقُرْآنَ لَهُ ظَهْرٌ وَ بَطْنٌ فَجَمِيعُ قولهم بأن قال:" إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَأْمُرُ بِالْفَحْشٰاءِ" ثم أنكر عليهم من وجه آخر فقال:" أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ" لأنهم إن قالوا لا لنقضوا مذهبهم، و إن قالوا: نعم افتضحوا في قولهم، انتهى. " و وليه" أي من هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أي أنت في أئمة الجور أي في ولايتهم ادعوا أي الناس من أتباعهم، و في غيبة النعماني هذا في أولياء أئمة الجور و هو أظهر، و على ما في الكافي يحتمل أن يكون ضمير ادعوا راجعا إلى أئمة الجور بأن يكون المراد بهم أئمة جور يتولون أئمة جور آخرين كخلفاء بني أمية و بني العباس. الحديث العاشر: مجهول. " الْفَوٰاحِشَ" أي المعاصي و القبائح كلها،" مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ" قيل: أي سرها و علانيتها، فإنهم كانوا لا يرون بالزنا في السر بأسا و يمنعون منه علانية فنهى الله سبحانه عنه في الحالتين، و قيل: ما ظهر: أفعال الجوارح و ما بطن: أفعال القلوب، و ظاهر الخبر أن المراد بما ظهر المعاصي التي دل ظاهر القرآن علي تحريمه، و بما بطن ما بين أئمة الهدى (عليهم السلام) من تأويل الفواحش في بطن القرآن و هو ولاية أئمة مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنُ مِنْ ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْجَوْرِ- وَ جَمِيعُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ هُوَ الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنُ مِنْ ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْحَقِّ الجور و متابعتهم، فإنها أفحش الفواحش و هي الداعية إلى جميعها. و الحاصل أن كل ما ورد في القرآن من ذكر الفواحش و الخبائث و المحرمات و المنهيات و العقوبات المترتبة عليها، فتأويله و باطنه أئمة الجور و من اتبعهم يعني دعوتهم للناس إلى أنفسهم من عند أنفسهم و تأمرهم عليهم و إضلالهم إياهم، ثم إجابة الناس لهم و تدينهم بدينهم و طاعتهم إياهم و محبتهم لهم إلى غير ذلك. و كل ما ورد فيه من ذكر الصالحات و الطيبات و المحللات و الأوامر و المثوبات المترتبة عليها فتأويله و باطنه أئمة الحق و من اتبعهم يعني دعوتهم للناس إلى أنفسهم بأمر ربهم و إرشادهم لهم و هدايتهم إياهم، ثم إجابة الناس لهم و تدينهم بدينهم و طاعتهم إياهم و محبتهم لهم إلى غير ذلك كما ورد عنهم في كثير من الآيات مفصلا. و جملة القول في ذلك أن الله تعالى أمر بالإيمان و الإسلام و اليقين و التقوى و الورع و الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و سائر الطاعات، و نهى عن الكفر و النفاق و الشرك و الزنا و شرب الخمر و قتل النفس و أمثالها من الفواحش، و خلق أئمة داعين إلى جميع الخيرات، عاملين بها، ناهين عن جميع المنكرات منتهين عنها، فهم أصل جميع الخيرات و كملت فيهم بحيث اتحدت بهم، بل صارت كأنها روح لهم كالصلاة فإنها كملت في أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) حتى صارت له بمنزلة الروح من الجسد، و صار آمرا بها معلما لها غيره، داعيا إليها. فبهذه الجهات يستعمل لفظ الصلاة فيه (عليه السلام) كما ورد في قوله تعالى:" إِنَّ الصَّلٰاةَ تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ" إن الصلاة أمير المؤمنين و الأئمة من ولده (عليهم السلام)، و لا ينافي ظاهر الآية فكلاهما مرادان منها ظهرا و بطنا. و قال:" إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي الْقُرْبىٰ" فهم العدل و الإحسان في بطن القرآن بهذه الجهات المتقدمة، و لا ينافي ظاهرها. و خلق سبحانه أئمة يَدْعُونَ إِلَى النّٰارِ فهم أصل جميع الفواحش و الكفر و الشرك و المعاصي، و كملت فيهم حتى صارت فيهم بمنزلة الروح من الجسد، و هم الداعون إليها، و موالاتهم سبب للإتيان بها، فبتلك الجهات أطلق عليهم الشرك و الكفر، و الفواحش في بطن القرآن و ظاهرها أيضا مراد. فإذا عرفت ذلك لم تستبعد ما سيقرع سمعك من الأخبار الكثيرة الواردة في هذا الباب. و يدل على جملة ما أومأنا إليه ما رواه الصفار في بصائر الدرجات عن علي بن إبراهيم عن القاسم بن الربيع عن محمد بن سنان عن صباح المزني عن المفضل بن عمر أنه كتب إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فجاءه هذا الجواب من أبي عبد الله (عليه السلام): إما بعد فإني أوصيك و نفسي بتقوى الله و طاعته، فإن من التقوى الطاعة و الورع و التواضع لله و الطمأنينة و الاجتهاد و الأخذ بأمره و النصيحة لرسله، و المسارعة في مرضاته، و اجتناب ما نهى عنه، فإنه من يتق الله فقد أحرز نفسه من النار بإذن الله، و أصاب الخير كله في الدنيا و الآخرة، و من أمر بالتقوى فقد أبلغ الموعظة جعلنا الله من المتقين برحمته. جاءني كتابك فقرأته و فهمت الذي فيه، فحمدت الله على سلامتك و عافية الله إياك، ألبسنا الله و إياك العافية عافية الدنيا و الآخرة، كتبت تذكر أن قوما أنا أعرفهم كان أعجبك نحوهم و شأنهم، و إنك أبلغت عنهم أمورا تروي عنهم كرهتها لهم، و لم تر بهم إلا طريقا حسنا و ورعا و تخشعا، و بلغك أنهم يزعمون أن الدين إنما هو معرفة الرجال، ثم بعد ذلك إذا عرفتهم فاعمل ما شئت، و ذكرت أنك قد عرفت أن أصل الدين معرفة الرجال، فوفقك الله. و ذكرت أنه بلغك أنهم يزعمون أن الصلاة و الزكاة و صوم شهر رمضان و الحج و العمرة و المسجد الحرام و المشعر الحرام و الشهر الحرام هو رجل، و أن الطهر و الاغتسال من الجنابة هو رجل، و كل فريضة افترضها الله على عباده هو رجل، و أنهم ذكروا ذلك بزعمهم أن من عرف ذلك الرجل فقد اكتفى بعلمه من غير عمل، و قد صلى و آتى الزكاة و صام و حج و اعتمر و اغتسل من الجنابة و تطهر و عظم حرمات الله و الشهر الحرام و المسجد الحرام. و إنهم ذكروا أن من عرف هذا بعينه و بحده و ثبت في قلبه جاز له أن يتهاون و ليس له أن يجتهد في العمل، و زعموا أنهم إذا عرفوا ذلك الرجل فقد قبلت منهم هذه الحدود لوقتها، و إن لم يعملوا بها، و أنه بلغك أنهم يزعمون أن الفواحش التي نهى الله عنها الخمر و الميسر و الربا و الدم و الميتة و لحم الخنزير هي رجل، و ذكروا أن ما حرم الله من نكاح الأمهات و البنات و العمات و الخالات و بنات الأخ و بنات الأخت، و ما حرم على المؤمنين من النساء مما حرم الله إنما عنى بذلك نكاح نساء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و ما سوى ذلك مباح كله. و ذكرت أنه بلغك أنهم يترادفون المرأة الواحدة و يشهدون بعضهم لبعض بالزور، و يزعمون أن لهذا ظهرا و بطنا يعرفونه، فالظاهر ما يتناهون عنه يأخذون به مدافعة عنهم، و الباطن هو الذي يطلبون و به أمروا بزعمهم. و كتبت تذكر الذي عظم من ذلك عليك حين بلغك و كتبت تسألني عن قولهم في ذلك أ حلال هو أم حرام، و كتبت تسألني عن تفسير ذلك، و أنا أبينه حتى لا تكون من ذلك في عمى و لا شبهة، و قد كتبت إليك في كتابي تفسير ما سألت عنه فاحفظه كله كما قال الله في كتابه:" وَ تَعِيَهٰا أُذُنٌ وٰاعِيَةٌ" و أصفه لك بحلاله و أنفي عنك حرامه إنشاء الله كما وصفت و معرفكه حتى تعرفه إن شاء الله فلا تنكره إنشاء الله، و لا قوة إلا بالله و القوة لله جميعا. أخبرك أن من كان يدين بهذه الصفة التي كتبت تسألني عنها فهو عندي مشرك بالله تبارك و تعالى، بين الشرك لا شك فيه، و أخبرك أن هذا القول كان من قوم سمعوا ما لم يعقلوه عن أهله و لم يعطوا فهم ذلك، و لم يعرفوا حد ما سمعوا، فوضعوا حدود تلك الأشياء مقايسة برأيهم و منتهى عقولهم، و لم يضعوها على حدود ما أمروا كذبا و افتراء على الله و رسوله، و جرأة على المعاصي، فكفى بهذه لهم جهلا، و لو أنهم وضعوها على حدودها التي حدت لهم و قبلوها لم يكن به بأس، و لكنهم حرفوها و تعدوا و كذبوا و تهاونوا بأمر الله و طاعته. و لكن أخبرك أن الله حدها بحدودها لئلا يتعدى حدوده أحد، و لو كان الأمر كما ذكروا لعذر الناس بجهلهم ما لم يعرفوا حد ما حد لهم، و لكان المقصر و المتعدي حدود الله معذورا، و لكن جعلها حدودا محدودة لا يتعداها إلا مشرك كافر ثم قال:" تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ فَلٰا تَعْتَدُوهٰا وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ" فأخبرك بحقائقها. إن الله تبارك و تعالى اختار الإسلام لنفسه دينا، و رضي من خلقه و لم يقبل من أحد إلا به، و به بعث أنبياءه و رسله، ثم قال:" وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْنٰاهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ" فعليه و به بعث أنبياءه و رسله و نبيه محمد صلى الله عليه و عليهم فأفضل الدين معرفة الرسل و ولايتهم. و أخبرك أن الله أحل حلالا و حرم حراما إلى يوم القيامة فمعرفة الرسل و ولايتهم هو الحلال، فالمحلل ما أحلوا و المحرم ما حرموا، و هم أصله و منهم الفروع الحلال، و ذلك شيعتهم و من فروعهم أمرهم شيعتهم و أهل ولايتهم بالحلال من أقام الصلاة و إيتاء الزكاة و صوم شهر رمضان و حج البيت و العمرة و تعظيم حرمات الله و شعائره و مشاعره، و تعظيم البيت الحرام [و المسجد الحرام] و الشهر الحرام و الطهور و الاغتسال من الجناية و مكارم لأخلاق و محاسنها و جميع البر. ثم ذكر بعد ذلك في كتابه فقال:" إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي الْقُرْبىٰ وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" فعدوهم هم الحرام المحرم و أولياؤهم الداخلون في أمرهم إلى يوم القيامة فهم الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الخمر و الميسر و الزنا و الربا و الدم و لحم الخنزير فهم الحرام المحرم و أصل كل حرام و هم الشر، و أصل كل شر، و منهم فروع الشر كله، و من ذلك الفروع الحرام و استحلالهم إياها. و من فروعهم تكذيب الأنبياء و جحود الأوصياء و ركوب الفواحش الزنا و السرقة و شرب الخمر و أكل مال اليتيم و أكل الربا، و الخدعة و الخيانة و ركوب الحرام كله و انتهاك المعاصي و إنما يأمر الله بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ابتغاء طاعتهم و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي، و هم أعداء الأنبياء و أوصياء الأنبياء، و هم المنهي عن مودتهم و طاعتهم، يعظكم بهذه لعلكم تذكرون. و أخبرك إني لو قلت لك أن الفاحشة و الخمر و الميسر و الزنا و الميتة و الدم و لحم الخنزير هو رجل و أنا أعلم أن الله قد حرم هذا الأصل، و حرم فرعه، و نهى عنه و جعل ولايته كمن عبد من دون الله وثنا و شركا، و من دعا إلى عبادة نفسه فهو كفرعون إذ قال أنا ربكم الأعلى فهذا كله على وجه إن شئت قلت هو رجل و هوى إلى جهنم هو و من شايعه على ذلك فإنهم مثل قول الله:" إِنَّمٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ" لصدقت. ثم لو أني قلت إنه فلان ذلك كله لصدقت، إن فلانا هو المعبود المتعدي حدود الله التي نهى عنها أن يتعد، ثم إني أخبرك أن الدين و أصل الدين هو رجل و ذلك الرجل هو اليقين و هو الإيمان و هو إمام أمته و أهل زمانه، فمن عرفه عرف الله و دينه، و من أنكره أنكر الله و دينه، و من جهله جهل الله و دينه و لا يعرف الله و دينه و حدوده و شرائعه بغير ذلك الإمام. فذلك معنى أن معرفة الرجال دين الله، و المعرفة على وجهين معرفة ثابتة على بصيرة يعرف بها دين الله، و يوصل بها إلى معرفة الله، فهذه المعرفة الباطنة الثابتة بعينها الموجبة حقها المستوجب أهلها عليها الشكر لله الذي من عليهم بها من من الله يمن به على من يشاء مع المعرفة الظاهرة، و معرفة في الظاهر، فأهل المعرفة في الظاهر الذين علموا أمرنا بالحق على غير علم لا يلحق بأهل المعرفة في الباطن على بصيرتهم و لا يصلون بتلك المعرفة المقصرة إلى حق معرفة الله كما قال في كتابه:" وَ لٰا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفٰاعَةَ إِلّٰا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ". فمن شهد شهادة الحق لا يعقد عليه قلبه و لا يبصر ما يتكلم به لا يثاب عليه مثل ثواب من عقد عليه قلبه على بصيرة فيه، كذلك من تكلم بجور لا يعقد عليه قلبه لا يعاقب عليه عقوبة من عقد عليه قلبه و ثبت على بصيرة. فقد عرفت كيف كان حال رجال أهل المعرفة في الظاهر، و الإقرار بالحق على غير علم في قديم الدهر و حديثه إلى أن انتهى الأمر إلى نبي الله و بعده صار إلى أوصيائه و إلى من انتهت إليه معرفتهم، و إنما عرفوا بمعرفة أعمالهم و دينهم الذين دان الله به المحسن بإحسانه و المسيء بإساءته، و قد يقال أنه من دخل في هذا الأمر بغير يقين و لا بصيرة خرج منه كما دخل فيه رزقنا الله و إياك معرفة ثابتة على بصيرة. و أخبرك إني لو قلت الصلاة و الزكاة و صوم شهر رمضان و الحج و العمرة و المسجد الحرام و البيت الحرام و المشعر الحرام و الطهور و الاغتسال من الجنابة و كل فريضة كان ذلك هو النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الذي جاء به من عند ربه لصدقت، لأن ذلك كله إنما يعرف بالنبي و لو لا معرفة ذلك النبي و الإيمان به و التسليم له ما عرف ذلك، فذلك من من الله على من يمن عليه، و لو لا ذلك لم يعرف شيئا من هذا. فهذا كله ذلك النبي و أصله و هو فرعه، و هو دعاني إليه و دلني عليه و عرفنيه و أمرني به، و أوجب علي له الطاعة فيما أمرني به، و لا يسعني جهله، و كيف يسعني جهل من هو فيما بيني و بين الله، و كيف يستقيم لي لو لا أني أصف أن ديني هو الذي أتاني به ذلك النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أن أصف أن الدين غيره، و كيف لا يكون ذلك معرفة الرجل و إنما هو الذي جاء به عن الله و إنما أنكر الذين من أنكره بأن قٰالُوا أَ بَعَثَ اللّٰهُ بَشَراً رَسُولًا، ثم قالوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنٰا فكفروا بذلك الرجل، و كذبوا به" وَ قٰالُوا لَوْ لٰا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ" فقال الله:" قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتٰابَ الَّذِي جٰاءَ بِهِ مُوسىٰ نُوراً وَ هُدىً لِلنّٰاسِ" ثم قال في آية أخرى:" وَ لَوْ أَنْزَلْنٰا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لٰا يُنْظَرُونَ" وَ لَوْ جَعَلْنٰاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنٰاهُ رَجُلًا". إن الله تبارك و تعالى إنما أحب أن يعرف بالرجال و أن يطاع بطاعتهم، فجعلهم سبيله و وجهه الذي يؤتى منه، لا يقبل الله من العباد غير ذلك لا يسأل عما يفعل و هم يسألون، فقال فيما أوجب من محبته لذلك:" مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ وَ مَنْ تَوَلّٰى فَمٰا أَرْسَلْنٰاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً" فمن قال لك إن هذه الفريضة كلها إنما هي رجل، و هو يعرف حد ما يتكلم به فقد صدق، و من قال على الصفة التي ذكرت بغير الطاعة فلا يغني التمسك بالأصل بترك الفروع، كما لا يغني شهادة أن لا إله إلا الله بترك شهادة أن محمدا رسول الله، و لم يبعث الله نبيا قط إلا بالبر و العدل و المكارم و محاسن الأخلاق و محاسن الأعمال و النهي عن الفواحش ما ظهر منها و ما بطن، فالباطن منه ولاية أهل الباطل، و الظاهر منه فروعهم، و لم يبعث الله نبيا قط يدعو إلى معرفة ليس معها طاعة في أمر و لا نهي، فإنما يقبل الله من العباد العمل بالفرائض التي افترضها الله على حدودها مع معرفة من جاءهم به من عنده، و دعاهم إليه، فأول ذلك معرفة من دعا إليه ثم طاعته فيما يقر به عن الطاعة له، و إنه من عرف أطاع و من أطاع حرم الحرام ظاهره و باطنه، و لا يكون تحريم الباطن و استحلال الظاهر، إنما حرم الظاهر بالباطن و الباطن بالظاهر معا جميعا، و لا يكون الأصل و الفروع و باطن الحرام حرام و ظاهره حلال، يحرم الباطن و يستحل الظاهر. و كذلك لا يستقيم أن يعرف صلاة الباطن و لا يعرف صلاة الظاهر، و لا الزكاة و لا الصوم و لا الحج و لا العمرة و لا المسجد الحرام و جميع حرمات الله و شعائره، أن يترك لمعرفة الباطن، لأن بطنه ظهره، و لا يستقيم أن يترك واحدة منها إذا كان الباطن حراما خبيثا، فالظاهر منه إنما يشبه الباطن. فمن زعم أن ذلك إنما هي المعرفة و أنه إذا عرف اكتفى بغير طاعة فقد كذب و أشرك، ذاك لم يعرف و لم يطع و إنما قيل اعرف و اعمل ما شئت من الخير، فإنه لا يقبل ذلك منك بغير معرفة، فإذا عرفت فاعمل لنفسك ما شئت من الطاعة قل أو كثر، فإنه مقبول منك. و أخبرك أن من عرف أطاع إذا عرف و صلى و صام و اعتمر، و عظم حرمات الله كلها، و لم يدع منها شيئا، و عمل بالبر كله و مكارم الأخلاق كلها، و تجنب سيئها و كل ذلك هو النبي و النبي أصله و هو أصل هذا كله، لأنه جاء به و دل عليه و أمر به، و لا يقبل من أحد شيء منه إلا به، و من عرف اجتنب الكبائر و حرم الفواحش ما ظهر منها و ما بطن، و حرم المحارم كلها، لأن بمعرفة النبي و بطاعته دخل فيما دخل فيه النبي، و خرج مما خرج منه النبي، و من زعم أنه يحلل الحلال و يحرم الحرام بغير معرفة النبي لم يحلل الله له حلالا و لم يحرم حراما، و أنه من صلى و زكى و حج و اعتمر و فعل ذلك كله بغير معرفة من افترض الله عليه طاعته لم يقبل منه شيئا من ذلك و لم يصل و لم يصم و لم يزك و لم يحج، و لم يعتمر و لم يغتسل من الجنابة و لم يتطهر و لم يحرم الله حراما، و لم يحلل الله حالا، و ليس له صلاة و إن ركع و سجد، و لا له زكاة و إن أخرج لكل أربعين درهما درهما، و من عرفه و أخذ عنه أطاع الله. و أما ما ذكرت أنهم يستحلون نكاح ذوات الأرحام التي حرم الله في كتابه، فإنهم زعموا أنه إنما حرم علينا بذلك فإن أحق ما بدئ به تعظيم حق الله و كرامة رسوله و تعظيم شأنه، و ما حرم الله على تابعيه من نكاح نسائه من بعد قوله:" وَ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّٰهِ وَ لٰا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوٰاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِكُمْ كٰانَ عِنْدَ اللّٰهِ عَظِيماً" و قال الله تبارك و تعالى:" النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْوٰاجُهُ أُمَّهٰاتُهُمْ" و هو أب لهم ثم قال:" وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ إِلّٰا مٰا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كٰانَ فٰاحِشَةً وَ مَقْتاً وَ سٰاءَ سَبِيلًا" فمن حرم نساء النبي لتحريم الله ذلك فقد حرم الله في كتابه من الأمهات و البنات و الأخوات و العمات و الخالات و بنات الأخ و بنات الأخت، و ما حرم الله من الرضاعة، لأن تحريم ذلك كتحريم نساء النبي (صلى الله عليه و آله) و استحل ما حرم الله من نكاح سائر ما حرم الله فقد أشرك إذا اتخذ ذلك دينا. و أما ما ذكرت أن الشيعة يترادفون المرأة الواحدة فأعوذ بالله أن يكون ذلك من دين الله و رسوله، إنما دينه أن يحل ما أحل الله و يحرم ما حرم الله و أن مما أحل الله المتعة من النساء في كتابه، و المتعة من الحج أحلهما، ثم لم يحرمهما، فإذا أراد الرجل المسلم أن يتمتع من المرأة فعلى كتاب الله و سنته نكاح غير سفاح، تراضيا على ما أحبا من الأجر و الأجل كما قال الله:" فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا تَرٰاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ" إن هما أحبا أن يمدا في الأجل على ذلك الأجر فآخر يوم من أجلها قبل أن ينقضي الأجل قبل غروب الشمس مد أو زاد في الأجل على ما أحبا، فإن مضى آخر يوم منه لم يصلح إلا بأمر مستقبل و ليس بينهما عدة إلا من سواه، فإن أرادت سواه اعتدت خمسة و أربعين يوما و ليس بينهما ميراث، ثم إن شائت تمتعت من آخر فهذا حلال لهما إلى يوم القيامة إن هي شائت من سبعة، و إن هي شائت من عشرين ما بقيت في الدنيا كل ذلك حلال لهما على حدود الله، و من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه. و إذا أردت المتعة في الحج فأحرم من العقيق و اجعلها متعة، فمتى ما قدمت طفت بالبيت و استلمت الحجر الأسود و فتحت به و ختمت به سبعة أشواط ثم تصلي ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم اخرج من البيت فاسع بين الصفا و المروة سبعة أشواط تفتح بالصفا و تختم بالمروة، فإذا فعلت ذلك قصرت حتى إذا كان يوم التروية صنعت ما صنعت بالعقيق، ثم أحرم بين الركن و المقام بالحج، فلم تزل محرما حتى تقف بالموقف ثم ترمي الجمرات و تذبح و تحلق و تحل و تغتسل، ثم تزور البيت فإذا أنت فعلت ذلك فقد أحللت، و هو قول الله:" فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ" أن يذبح. و أما ما ذكرت أنهم يستحلون الشهادات بعضهم لبعض على غيرهم، فإن ذلك ليس هو إلا قول الله:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصٰابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ" إذا كان مسافرا و حضره الموت اثنان ذوا عدل من دينه، فإن لم يجدوا فآخران ممن يقرأ القرآن من غير أهل ولايته" تَحْبِسُونَهُمٰا مِنْ بَعْدِ الصَّلٰاةِ فَيُقْسِمٰانِ بِاللّٰهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لٰا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كٰانَ ذٰا قُرْبىٰ وَ لٰا نَكْتُمُ شَهٰادَةَ اللّٰهِ إِنّٰا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ، فَإِنْ عُثِرَ عَلىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقّٰا إِثْماً فَآخَرٰانِ يَقُومٰانِ مَقٰامَهُمٰا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيٰانِ" من أهل ولايته" فَيُقْسِمٰانِ بِاللّٰهِ لَشَهٰادَتُنٰا أَحَقُّ مِنْ شَهٰادَتِهِمٰا وَ مَا اعْتَدَيْنٰا إِنّٰا إِذاً لَمِنَ الظّٰالِمِينَ، ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهٰادَةِ عَلىٰ وَجْهِهٰا أَوْ يَخٰافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمٰانٌ بَعْدَ أَيْمٰانِهِمْ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ وَ اسْمَعُوا". و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقضي بشهادة رجل واحد مع يمين المدعي، و لا يبطل حق مسلم و لا يرد شهادة مؤمن، فإذا وجد يمين المدعي و شهادة الرجل قضى له بحقه، و ليس يعمل بهذا، فإذا كان لرجل مسلم قبل آخر حق يجحده و لم يكن له شاهد غير واحد، فإنه إذا رفعه إلى ولاة الجور أبطلوا حقه و لم يقضوا فيها بقضاء رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) كان الحق في الجور أن لا يبطل حق رجل فيستخرج الله على يديه حق رجل مسلم و يأجره الله و يجيء عدلا كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يعمل به. و أما ما ذكرت في آخر كتابك أنهم يزعمون أن الله رب العالمين هو النبي، و أنك شبهت قولهم بقول الذين قالوا في عيسى ما قالوا، فقد عرفت السنن و الأمثال كائنة لم يكن شيء فيما مضى إلا سيكون مثله، حتى لو كانت شاة برشاء كان هيهنا مثله. و اعلم أنه سيضل قوم على ضلالة من كان قبلهم كتبت تسألني عن مثل ذلك ما هو و ما أرادوا به، أخبرك أن الله تبارك و تعالى هو خلق الخلق لا شريك له، له الخلق و الأمر و الدنيا و الآخرة، و هو رب كل شيء و خالقه، خلق الخلق و أحب أن يعرفوه بأنبيائه، و احتج عليهم بهم، فالنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) هو الدليل على الله عبد مخلوق مربوب اصطفاه لنفسه برسالاته، و أكرمه بها فجعله خليفته في خلقه، و لسانه فيهم و أمينه عليهم، و خازنه في السماوات و الأرضين، قوله قول الله، لا يقول على الله إلا الحق من أطاعه أطاع الله، و من عصاه عصى الله، و هو مولى من كان الله ربه وليه، من أبى أن يقر له بالطاعة فقد أبى أن يقر لربه بالطاعة و بالعبودية، و من أقر بطاعته أطاع الله و هداه، فالنبي مولى الخلق جميعا عرفوا ذلك أو أنكروه، و هو الوالد المبرور فمن أحبه و أطاعه فهو الولد البار و مجانب للكبائر قد بينت لك ما قد سألتني عنه، و قد علمت أن قوما سمعوا صفتنا هذه فلم يعقلوها، بل حرفوها و وضعوها على غير حدودها على نحو ما قد بلغك، و قد بريء الله و رسوله من قوم يستحلون بنا أعمالهم الخبيثة، و قد رمانا الناس بها و الله يحكم بيننا و بينهم، فإنه يقول:" إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ الْغٰافِلٰاتِ الْمُؤْمِنٰاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ (وَ أَرْجُلُهُمْ) بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللّٰهُ أعمالهم" السيئة" وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّٰهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ".
الكافي — كتاب الحجة · بَابُ مَنِ ادَّعَى الْإِمَامَةَ وَ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ وَ مَنْ جَحَدَ الْأَئِمَّةَ أَوْ بَعْضَهُمْ وَ مَنْ أَثْبَتَ الْإِمَامَةَ لِمَنْ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ