عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ حَسَّانَ لِأَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)يَا سَيِّدِي إِنَّ النَّاسَ يُنْكِرُونَ عَلَيْكَ حَدَاثَةَ سِنِّكَ فَقَالَ وَ مَا يُنْكِرُونَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِنَبِيِّهِ ص- قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللّٰهِ حمله جماعة من المفسرين. قال الطبرسي (ره)" حَتّٰى إِذٰا بَلَغَ أَشُدَّهُ" و هو ثلاث و ثلاثون سنة و قيل: بلوغ الحلم، و قيل: وقت قيام الحجة عليه، و قيل: هو أربعون سنة و ذلك وقت إنزال الوحي على الأنبياء، و كذلك فسر به، فقال" وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً" فيكون هذا بيانا لزمان الأشد، انتهى. و يحتمل أن يكون إشارة إلى الآيات الثلاث جميعا، و قد ورد في الأخبار أن آية الأحقاف نزلت في الحسين (عليه السلام). الحديث الثامن: حسن. قوله (عليه السلام)" و ما ينكرون" العبارة تحتمل وجوها، الأول: أن تكون" ما" نافية أي لا يمكنهم في هذا الباب إنكار قول الله تعالى و قد قال ذلك، الثاني: أن تكون استفهامية أي أي شيء ينكرون من ذلك و" قول الله" استفهام آخر أي أ ينكرون قول الله، الثالث: أن تكون" ما" استفهامية و" قول الله" مبتدأ و" من ذلك" خبره، الرابع: أن تكون" ما" موصولة مبتدأ و" ينكرون" بتقدير ينكرونه، و من للسببية، و ذلك إشارة إلى إنكار حداثة السن، و قول خبر المبتدأ و قوله:" لقد" استئنافا بيانيا. أقول: و في تفسير العياشي قال: قلت: جعلت فداك إنهم يقولون في الحداثة؟ قال: و أي شيء يقولون؟ إن الله تعالى يقول:" قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي" إلى قوله عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي فَوَ اللَّهِ مَا تَبِعَهُ إِلَّا عَلِيٌّ(عليه السلام)وَ لَهُ تِسْعُ سِنِينَ وَ أَنَا ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ فو الله ما كان اتبعه إلا على و هو ابن سبع سنين، و مضي أبي و أنا ابن تسع سنين، فما عسى أن يقولوا؟ إن الله يقول:" فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ" إلى قوله" وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً". قوله (عليه السلام) فو الله ما اتبعه أي أولا أو حين نزول الآية، فلما خصه الله بالدعوة إلى الله مع الرسول، و قرنه معه يدل على أنه تتأتى الدعوة إلى الله ممن لم يبلغ الحلم، و يكون في هذا السن، أو أنه تعالى لما وصفه بالمتابعة و مدحه بها يدل على أن المتابعة معتبرة في هذا السن فيدل على أن الأحكام تختلف بالنظر إلى الأشخاص، و المراد فجاز أن تحصل لي الإمامة في هذا السن، و يدل على أن سنة (عليه السلام) في أول بيعته للرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) كان تسع سنين. و ما يفهم مما سيجيء في أبواب التاريخ من أن سنة (عليه السلام) حينئذ كان عشر سنين لا ينافي ذلك، لما بينا سابقا أن المحاسبين قد يسقطون الكسر بين العددين و قد يتمونه، فهذا مبني على الإسقاط، و ما سيأتي على الإكمال. و اختلف الخاصة و العامة في عمره في ذلك الوقت فقيل: سبع سنين كما هو في رواية العياشي في هذا الخبر، و قيل: عشر سنين، و قيل: ثمان سنين، و قيل: اثنتا عشرة سنة، و قيل: ثلاث عشرة سنة، و قيل: خمس عشرة سنة، و أوفق الأقوال بالتواريخ المشهورة هو العشر سنين، لأن المشهور أن عمره (عليه السلام) عند شهادته كان ثلاثا و ستين سنة، منها ثلاثون بعد الرسول و من البعثة إلى وفاة الرسول ثلاث و عشرون سنة، فلا يبقى إلا عشر سنين، و أما من زاد على ذلك فقد زاد على عمره (عليه السلام) فقد ذكر جماعة أن عمره (عليه السلام) كان خمسا و ستين كما رواه المفيد عن جماعة، فيكون سنه (عليه السلام) عند بيعته اثنتا عشرة سنة، و من قال أن عمره (عليه السلام) كان ستا و ستين فهو يقول كان سنه (عليه السلام) حينئذ ثلاث عشرة سنة، و أما خمس عشرة سنة و إن رووا فيه روايات كثيرة لكنه لا يوافق شيئا من التواريخ. و أما سبق إسلام أمير المؤمنين (عليه السلام) فمما تواترت به روايات الخاصة و العامة و أوردت أكثرها في الكتاب الكبير. و قال ابن أبي الحديد بعد أن أورد روايات كثيرة في ذلك من كتاب الاستيعاب لابن عبد البر: و اعلم أن شيوخنا المتكلمين لا يكادون يختلفون في أن أول الناس إسلاما علي بن أبي طالب إلا من عساه خالف في ذلك من أوائل البصريين. فأما الذي تقررت المقالة عليه الآن فهو القول بأنه أسبق الناس إلى الإيمان لا نكاد نجد اليوم في تصانيفهم، و عند متكلميهم و المحققين منهم خلافا في ذلك. و اعلم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ما زال يدعي ذلك لنفسه و يفتخر به، و يجعله حجة في أفضليته و يصرح بذلك، و قد قال غير مرة إنا الصديق الأكبر و الفاروق الأول أسلمت قبل إسلام أبي بكر، و صليت قبل صلاته. و روى عنه هذا الكلام بعينه أبو محمد ابن قتيبة في كتاب المعارف و هو غير متهم في أمره. و من الشعر المروي عنه في هذا المعنى الأبيات التي أولها: محمد النبي أخي و صنوي و حمزة سيد الشهداء عمي و من جملتها: سبقتكم إلى الإسلام طرا غلاما ما بلغت أوان حلمي انتهى. و قال الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في كتاب الفصول: أجمعت الأمة على أن أمير- المؤمنين أول ذكر أجاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و لم يختلف في ذلك أحد من أهل العلم إلا أن العثمانية طعنت في أيمان أمير المؤمنين بصغر سنه في حال الإجابة، و قالوا: إنه لم يكن في تلك الحال بالغا فيقع إيمانه على وجه المعرفة، و إن أيمان أبي بكر حصل منه مع الكمال فكان على اليقين و المعرفة، و الإقرار من جهة التقليد و التلقين غير مساو للإقرار بالمعلوم المعروف بالدلالة. ثم أجاب (قدس الله روحه) عن هذه الشبهة بوجوه: الأول: منع كونه (عليه السلام) صبيا في تلك الحال، و ذكر روايات تدل على أنه كان له خمس عشرة سنة و نحو ذلك. الثاني: أنا سلمنا أنه كان صغير السن و كان له سبع سنين نقول: صغر السن لا ينافي كمال العقل، و ليس دليل وجوب التكليف بلوغ الحلم فيراعى ذلك، هذا باتفاق أهل النظر و العقول، و إنما يراعى بلوغ الحلم في الأحكام الشرعية دون العقلية، و قد قال سبحانه في قصة يحيى:" وَ آتَيْنٰاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا" و قال في قصة عيسى:" قٰالَ إِنِّي عَبْدُ اللّٰهِ" الآية. فلم ينف صغر سن هذين النبيين كمال عقلهما، و الحكمة التي آتاهما الله سبحانه و لو كانت العقول تحيل ذلك لإحالته في كل حالة و على كل حال، و قد أجمع أهل التفسير إلا من شذ منهم في قوله:" وَ شَهِدَ شٰاهِدٌ مِنْ أَهْلِهٰا" الآية أنه كان طفلا صغيرا في المهد أنطقه الله حتى برأ يوسف من الفحشاء و أزال التهمة عنه. الثالث: أنه لو لم يكن إيمانه (عليه السلام) بالمعرفة و الاستدلال و على غاية الكمال لما مدحه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) به، و لما جعله من فضائله و مناقبه، فإنه (صلى الله عليه و آله و سلم) لا يفضل أحدا بما ليس بفضل، و لا يجعل في المناقب ما ليس في جملتها، فلما مدح رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أمير المؤمنين (عليه السلام) بتقدمه الإيمان. في قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): لفاطمة (عليها السلام) أ ما ترضين أني زوجتك أقدمهم سلما. و قوله: أول هذه الأمة ورودا على نبيها الحوض أولها إسلاما علي بن أبي طالب (عليه السلام). و قوله: لقد صلت الملائكة علي و على علي سبع سنين. و ذلك أنه لم يكن من الرجال أحد يصلي غيري و غيره، و أمثال ذلك. ثبت أن إيمانه (عليه السلام) وقع بالمعرفة و اليقين دون التقليد و التلقين، لا سيما و قد سماه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إيمانا و إسلاما، و ما يقع من الصبيان على وجه التلقين لا يسمى على الإطلاق الديني إيمانا و إسلاما. الرابع: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد تمدح به و جعله من مفاخره، و احتج به على أعدائه و كرره في غير مقام من مقاماته، فلو كان إيمانه على ما ذهبت إليه الناصبة لما جاز منه (عليه السلام) أن يتمدح به، و لا أن يسميه عبادة، و لا أن يفخر به على القوم، و لا أن يجعله تفضيلا له على أبي بكر و عمر، و لو أنه فعل من ذلك ما لا يجوز لرده عليه مخالفوه، و اعترضه فيه مضادوه، و في عدول القوم من الاعتراض عليه في ذلك، و تسليم الجماعة له ذلك، دليل على ما ذكرناه، و برهان على فساد قول الناصبة. الخامس: أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) دعا عليا (عليه السلام) في حال كان متسترا فيها بدينه كاتما لأمره، خائفا أن شاع من عدوه، فلا يخلو أن يكون قد كان واثقا من أمير المؤمنين (عليه السلام) بكتم سره و حفظ وصيته و امتثال أمره، و حمله من الدين ما حمله، أو لم يكن واثقا بذلك، فإن كان واثقا فلم يثق به إلا و هو في نهاية كمال العقل و على غاية الأمانة و صلاح السريرة و العصمة و الحكمة و حسن التدبير، و إن كان غير واثق منه بحفظ سره و غير آمن من تضييعه و إذاعة أمره، فوضعه عنده من التفريط و ضد الحزم و الحكمة و التدبير، و حاشى الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) من ذلك، و من كل صفة نقص، و قد أعلى الله عز و جل رتبته و أكذب مقال من ادعى ذلك فيه، و إذا كان الأمر علي ما وصفناه فما نرى الناصبة قصدت بالطعن في أيمان أمير المؤمنين (عليه السلام) إلا عيب الرسول و الذم لأفعاله، و وصفه بالعبث و التفريط، انتهى خلاصة ما ذكره نور الله ضريحه في ذلك.
الكافي — كتاب الحجة · بَابُ حَالاتِ الْأَئِمَّةِ(ع)فِي السِّنِّ