عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)خَطَبَ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ فَقَالَ نَضَّرَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَ حَفِظَهَا باب ما أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنصيحة لأئمة المسلمين و اللزوم لجماعتهم و من هم الحديث الأول: موثق كالصحيح بسنديه. و مسجد الخيف بالفتح مسجد منى، و إنما سمي الخيف لأنه مرتفع عن الوادي، و ما ارتفع عن الوادي يسمى خيفا" نضر الله عبدا" كنصر أو على بناء التفعيل أي سره و أبهجه، قال في النهاية: فيه: نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، نضرة و نضرة و أنضره، أي نعمه و يروى بالتشديد و التخفيف من النضارة و هي في الأصل حسن الوجه و البريق، و إنما أراد حسن خلقه و قدره، و في المغرب عن الأزدي ليس هذا من الحسن في الوجه و إنما هو في الجاه و القدر. و في النهاية وعيت الحديث أعيه وعيا فأنا واع إذا حفظته و فهمته، و فلان أوعى من فلان أي أحفظ و أفهم، و منه الحديث نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فرب مبلغ أوعى من سامع، انتهى. " و حفظها" تأكيدا، و الوعي عند السماع و الحفظ بعده، و ظاهره حفظ اللفظ فيدل على رجحانه و لا ريب فيه، و أما ما استدل به على عدم جواز النقل بالمعنى فلا يخفى وهنه، فإن الدعاء لمن فعل فعلا لا يدل على حرمة تركه، مع أنه يحتمل أن يكون المعنى تغيير شيء يتغير به المعنى لكنه بعيد عن سياق ما سيأتي كما لا يخفى. وَ بَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ وَ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَ النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ " و بلغها من يسمعها" يدل على فضل رواية الحديث" فرب حامل فقه" قيل: الفاء للبيان و رب للتكثير، و فيها ثمان لغات ضم المهملة و فتحها، و شد الموحدة المفتوحة و تخفيفها، و هو مبتدأ مضاف عند الكوفيين، و حرف جر مجرورها مبتدأ و هو مجرور لفظا مرفوع محلا عند البصريين. و الفقه بالكسر العلم، و" غير" مرفوع بالخبرية، و كذا" إلى من" خبر المبتدأ بتأويل مؤد" ثلاث" مبتدأ أي ثلاث خصال و الجملة التي تليها خبرها، أو نعت و الخبر إخلاص العمل، و قال في النهاية: في الحديث ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن، هو من الأغلال الخيانة في كل شيء، و يروى يغل بفتح الياء من الغل و هو الحقد، أي لا يدخله حقد يزيله عن الحق، و روي يغل بالتخفيف من الوغول الدخول في الشر، و المعنى أن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة و الدغل و الشر" و عليهن" في موضع الحال تقديره لا يغل كائنا عليهن قلب مؤمن، انتهى. و قال الطيبي: أي لا يخون قلبه فيها، قوله: ثلاث تأكيد لقوله نضر الله امرءا سمع مقالتي، فإنه لما حرض على تعليم السنن قفاه برد ما عسى أن تعرض مانعا، انتهى. قوله: إخلاص العمل لله، أي صونه عن الرياء و السمعة و الأغراض الفاسدة،" و النصيحة لأئمة المسلمين" أي خلوص الاعتقاد فيهم و المودة لهم و متابعتهم في جميع أقوالهم و أفعالهم، قال في النهاية: فيه: إن الدين النصيحة لله و لرسوله و لكتابة و لأئمة المسلمين و عامتهم، النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، و ليس يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناها غيرها، و أصل النصح في اللغة الخلوص، يقال: نصحه و نصحت له و معنى نصيحته لله صحة الاعتقاد في وحدانيته الْمُسْلِمِينَ وَ اللُّزُومُ لِجَمَاعَتِهِمْ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ مُحِيطَةٌ مِنْ وَرَائِهِمْ و إخلاص النية في عبادته، و النصيحة لكتاب الله هو التصديق و العمل بما فيه، و نصيحة رسوله (صلى الله عليه و آله و سلم) التصديق بنبوته و رسالته و الانقياد لما أمر به و نهى عنه، و نصيحته الأئمة أن يطيعهم في الحق و لا يرى الخروج عليهم إذا جاروا و نصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم، انتهى. و أقول: لما كان الإمام عنده كل من اجتمع الناس عليه من خلفاء الحق و الجور فسر نصيحة الأئمة بما ترى" و اللزوم لجماعتهم" الضمير إما للأئمة أي لما اجتمعوا عليه فإنه ليس بينهم اختلاف و لا تفرق، و كلهم على أمر واحد أو للقوم الذين اتفقوا عليهم و هم الشيعة الإمامية، أو الضمير راجع إلى المسلمين و يرجع إلى المعنى الثاني فإن جماعة المسلمين هم أئمة الحق و من اتفقوا عليهم فإنهم على أمر واحد ليس فيهم اختلاف الآراء و الأهواء. كما روى الصدوق (ره) في معاني الأخبار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ما جماعة أمتك؟ قال: من كان على الحق و إن كانوا عشرة، و في رواية أخرى عن أبي حميد رفعه قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أخبرني عن السنة و البدعة، و عن الجماعة و عن الفرقة؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): السنة ما سن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و البدعة ما أحدث من بعده، و الجماعة أهل الحق و إن كانوا قليلا و الفرقة أهل الباطل و إن كانوا كثيرا، و قيل: المراد ملازمة صلاة الجماعة مع المسلمين و لا يخفى بعده. " فإن دعوتهم محيطة من ورائهم" الظاهر إرجاع الضميرين إلى المسلمين، و الدعوة المرة من الدعاء و إضافتها إلى الضمير إضافة إلى المفعول، أي دعاء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لهم محيطة بهم، فإذا دخل فيهم و لزم جماعتهم شمله ذلك الدعاء، أو إلى الفاعل أي دعاء المسلمين بعضهم لبعض يشمله، و يحتمل إرجاع الضمير الأول إلى الأئمة، و الثاني إلى المسلمين، أي دعاء الأئمة (عليهم السلام) بشيعتهم يشمله. الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَ رَوَاهُ أَيْضاً عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبَانٍ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ مِثْلَهُ وَ زَادَ فِيهِ وَ هُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَ ذَكَرَ فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ خَطَبَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ- بِمِنًى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ و قال في النهاية: فإن دعوتهم تحيط من ورائهم أي تحوطهم و تكفهم و تحفظهم و الدعوة المرة الواحدة من الدعاء. " المسلمون إخوة" أي من جهة الإسلام و الإيمان لا يعتبر في الأحكام الظاهرة الجارية عليهم سوى ذلك، فلذلك" تتكافأ" بالهمز و قد تخفف أي تساوي" دماؤهم" فإذا قتل شريف وضيعا أو جرحه يقتص منه، و في النهاية: فيه: المسلمون تتكافأ دماؤهم أي تتساوى في القصاص و الديات، و الكفو النظير و المساوي" يسعى بذمتهم أدناهم" على بناء المعلوم أي يسعى أدنى المسلمين في عقد الأمان من قبلهم و إمضائه عليهم، و كان يقرأ بعض مشايخنا: يسعى على بناء المجهول، بأن يكون أدناهم بدلا من الضمير، أي يجب أن يسعى في إمضاء ذمة أدنى المسلمين، أو يكون أدناهم مفعولا مكان الفاعل أي يسعى الأدنى بسبب ذمة المسلمين الصادرة عن هذا الأدنى و لا يخفى ما فيهما من التكلف و الأصوب ما ذكرنا أولا. قال في النهاية: قد تكرر في الحديث ذكر الذمة و الذمام، و هما بمعنى العهد و الأمان و الضمان و الحرمة و الحق، و سمى أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين و أمانهم، و منه الحديث يسعى بذمتهم أدناهم، أي إذا أعطى أحد الجيش لعدو أمانا جاز ذلك على جميع المسلمين، و ليس لهم أن يخفروا و لا أن ينقضوا عليه عهده، انتهى. و سيأتي في كتاب الجهاد قال: قلت له (عليه السلام): ما معنى قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): يسعى بذمتهم أدناهم، قال: لو أن جيشا من المسلمين حاصروا قوما من المشركين فأشرف رجل فقال: أعطوني الأمان حتى ألقى صاحبكم و أناظره، فأعطاه أدناهم الأمان وجب
الكافي — كتاب الحجة · بَابُ مَا أَمَرَ النَّبِيُّ(ص)بِالنَّصِيحَةِ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَ اللُّزُومِ لِجَمَاعَتِهِمْ وَ مَنْ هُمْ