عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ السَّرِيِّ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ" لَمْ يَكُنِ ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ يَعْدِلُ بِهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ شَيْئاً وَ كَانَ لَا يَغُبُّ إِتْيَانَهُ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهُ وَ خَالَفَهُ وَ كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الْحَضْرَمِيَّ كَانَ أَحَدَ رِجَالِ هِشَامٍ وَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ مُلَاحَاةٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْإِمَامَةِ قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ الدُّنْيَا كُلُّهَا لِلْإِمَامِ(عليه السلام)عَلَى جِهَةِ الْمِلْكِ وَ إِنَّهُ أَوْلَى بِهَا مِنَ الَّذِينَ هِيَ فِي أَيْدِيهِمْ وَ قَالَ أَبُو مَالِكٍ لَيْسَ كَذَلِكَ أَمْلَاكُ لكن حمله على هذا أيضا يحتاج إلى تكلف شديد و ما في الكتاب أظهر و أصوب، و المعنى أن البحر المطيف بالدنيا أي بالأرض أيضا للإمام (عليه السلام) و الله يعلم. الحديث التاسع: مجهول موقوف. " لا يعدل" كيضرب أي لا يوازن به أحد أو لا يسوي بينه و بين غيره، بل يفضله على من سواه أو لا يعدل بصحبته شيئا بل يرجحها على كل شيء" و كان لا يغب إتيانه" أي كان يأتيه كل يوم و لا يجعل ذلك غبا بأن يأتيه يوما و لا يأتيه يوما، قال في النهاية: فيه زر غبا تزدد حبا، الغب من أوراد الإبل أن ترد الماء و تدعه يوما ثم تعود، فنقله إلى الزيارة و إن جاء بعد أيام يقال: غب إذا جاء زائرا بعد أيام، و قال الحسن في كل أسبوع، و منه الحديث: اغبوا في عيادة المريض، أي لا تعوده في كل يوم لما يجد من ثقل العواد و سألت فلانا حاجة فغب فيها، أي لم يبالغ، انتهى. فظهر أنه يمكن أن يقرأ هنا على بناء الأفعال أو من باب نصر، و الملاحاة المنازعة على جهة الملك، قيل: أي على جهة الاستقلال و الاستبداد بلا مشاركة" و أنه أولى بها" عطف تفسير" و كذلك" إشارة إلى الجملة التي بعده، و المراد بالفيء هنا الأنفال لقوله تعالى:" مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ" و يدخل فيه ما انقرض أهله و بطون الأودية و الآجام و رؤوس الجبال، و المراد بالمغنم إما خمسه تخصيصا بعد التعميم، أو ما غنم في جهاد وقع بغير إذنه (عليه السلام)، فإن كل الغنيمة له على المشهور، أو المراد به ما يصطفيه من الغنيمة، أو المراد أن اختيار النَّاسِ لَهُمْ إِلَّا مَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ لِلْإِمَامِ مِنَ الْفَيْءِ وَ الْخُمُسِ وَ الْمَغْنَمِ فَذَلِكَ لَهُ وَ ذَلِكَ أَيْضاً قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لِلْإِمَامِ أَيْنَ يَضَعُهُ وَ كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِ فَتَرَاضَيَا بِهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ وَ صَارَا إِلَيْهِ فَحَكَمَ هِشَامٌ لِأَبِي مَالِكٍ عَلَى ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ فَغَضِبَ ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ وَ هَجَرَ هِشَاماً بَعْدَ ذَلِكَ جميع ذلك بيده و قسمته على الأصناف إليه كالخمس، و كان نزاعهما يرجع إلى اللفظ لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الإمام (عليه السلام) بعده أولى بأنفس الناس و أموالهم، و له أن يتصرف في جميع ذلك لكن لا يتصرف إلا في الأشياء المخصوصة التي ذكرها أبو مالك. أو يقال: كون الأرض للإمام، معناه أن الناس إنما يتصرفون فيها بإذنه و تمكينه و حكمه فإنه (صلوات الله عليه) عند بسط يده يخرج المخالفين له من الأرض، و الشيعة إنما يتصرفون في أموالهم بسبب ولايته و بحكمه فما حكم أنه ليس لهم يجب عليهم رفع أيديهم عنه، و ما حكم أنه لهم فيأخذ منهم الصدقات و الأخماس و سائر الحقوق، فهم بمنزلة عبيده و تحت يده يجري عليهم و على أموالهم حكمه، و يأخذ الضريبة منهم، و لا ينافي ذلك كونهم أولى بأموالهم بحكم الإمام (عليه السلام)، كما أن كون الأرض لله لا ينافي كونها للإمام بالمعنى المذكور، و لا ينافي كون الأملاك لأربابها بمعنى آخر، فلا ينافي الآيات و الأخبار الدالة على أن الناس مسلطون على أموالهم، و أنهم أولى بما في أيديهم من غيرهم، و سائر أحكام الشريعة من البيع و الشراء و الإجارة و الصلح و القرض و غيرها. و اعلم أن المشهور بين الأصحاب أن الأرضين على أربعة أقسام: الأول: المفتوحة عنوة و هي ما أخذت من الكفار بالغلبة و القهر و الاستيلاء، و حكمها على المشهور أنها للمسلمين قاطبة لا يختص بها الغانمون، و عند بعضهم أنها كذلك بعد إخراج الخمس لأهله. و في بعض حواشي القواعد لما ذكر المصنف يخرج منه الخمس: هذا في حال ظهور الإمام، و أما في حال الغيبة ففي الأخبار ما يدل على أنه لا خمس فيه، قال في المنتهى: الأرضون على أربعة أقسام: أحدها ما يملك بالاستغنام و يؤخذ قهرا بالسيف، فإنها تكون للمسلمين قاطبة، و لا يختص بها المقاتلة بل يشاركهم غير المقاتلة من المسلمين، و كما لا يختصون بها كذلك لا يفضلون، بل هي للمسلمين قاطبة ذهب إليه علماؤنا أجمع. ثم قال (ره): و على الرواية التي رواها أصحابنا أن كل عسكر أو فرقة غزت بغير أمر الإمام فغنمت تكون الغنيمة للإمام خاصة، تكون هذه الأرضون و غيرها مما فتحت بعد الرسول إلا ما فتح في أيام أمير المؤمنين (عليه السلام)، إن صح شيء من ذلك تكون للإمام خاصة، و تكون من جملة الأنفال التي له خاصة لا يشركه فيها غيره، انتهى. ثم المعروف من مذهب الأصحاب حل الخراج في زمان غيبة الإمام (عليه السلام) في الجملة. قال المحقق (ره) في الشرائع: ما يأخذه السلطان الجائر من الغلات باسم المقاسمة أو الأموال باسم الخراج عن حق الأرض و من الأنعام باسم الزكاة يجوز ابتياعه و قبول هبته، و لا يجب إعادته على أربابه و إن عرف بعينه، و قال الشهيد الثاني (قدس سره): المقاسمة حصة من حاصل الأرض تؤخذ عوضا عن زراعتها، و الخراج مقدار من المال يضرب على الأرض أو الشجر حسب ما يراه الحاكم، و نبه بقوله باسم المقاسمة و اسم الخراج على أنهما لا يتحققان إلا بتعيين الإمام العادل إلا أن ما يأخذ الجائر في زمن تغلبه قد أذن أئمتنا (عليهم السلام) في تناوله منه، و أطبق عليه علماؤنا، لا نعلم فيه مخالفا و إن كان ظالما في أخذه، لاستلزام تركه و القول بتحريمه الضرر و الحرج العظيم على هذه الطائفة، و لا يشترط رضا المالك و لا يقدح فيه تظلمه ما لم يتحقق الظلم بالزيادة عن المعتاد أخذه من عامة المسلمين في ذلك الزمان. و اعتبر بعض الأصحاب في تحققها اتفاق السلطان و العمال على القدر و هو بعيد الوقوع و الوجه، و كما يجوز ابتياعه و استيهابه يجوز سائر المعاوضات و لا يجوز تناوله بغير إذن الجائر و لا يشترط قبض الجائر له و إن أفهمه قوله ما يأخذه الجائر، فلو أحاله به أو وكله في قبضه أو باعه و هو في يد المالك أو ذمته حيث يصح البيع كفى، و وجب على المالك الدفع، و كذا القول فيما يأخذه باسم الزكاة و لا يختص ذلك بالأنعام كما أفادته العبارة، بل حكم زكاة الأموال و الغلات كذلك، لكن يشترط هنا أن لا يأخذ الجائر زيادة عن الواجب شرعا في مذهبه، و أن يكون صرفه لها على وجهها المعتبر عندهم، بحيث لا يعد عندهم غاصبا أو يمتنع الأخذ منه عندهم أيضا. و يحتمل الجواز مطلقا نظرا إلى إطلاق النص و الفتوى، و يجيء مثله في المقاسمة و الخراج، لأن مصرفها مصرف بيت المال و له أرباب مخصوصون عندهم أيضا و هل تبرأ ذمة المالك من إخراج الزكاة مرة أخرى يحتمله كما في الخراج و المقاسمة، مع أن حق الأرض واجب لمستحق مخصوص، و التعليل بكون دفع ذلك حقا واجبا عليه و عدمه، لأن الجائر ليس من نائب المستحقين فيتعذر النية و لا يصح الإخراج بدونها، و على الأول يعتبر النية عند الدفع إليه كما يعتبر في سائر الزكوات. و الأقوى عدم الاجتزاء بذلك بل غايته سقوط الزكاة عما يأخذه إذا لم يفرط و وجوب دفعه إليه أعم من كونه على وجه الزكاة أو المضي معهم في أحكامهم و التحرز عن الضرر بمباينتهم، و لو أقطع الجائر أرضا مما تقسم أو تخرج أو عاوض عليها فهو تسليط منه عليها فيجوز للمقطع و المعاوض أخذهما من الزارع و المالك، كما يجوز إحالته عليه. و الظاهر أن الحكم مختص بالجائر المخالف للحق نظرا إلى معتقده من استحقاقه ذلك عندهم، فلو كان مؤمنا لم يحل أخذ ما يأخذه منهما لاعترافه بكونه ظالما فيه، و إنما المرجع حينئذ إلى رأي الحاكم الشرعي مع احتمال الجواز مطلقا، نظرا إلى إطلاق النص و الفتوى، و وجه التقييد أصالة المنع إلا ما أخرجه الدليل، و تناوله للمخالف متحقق و المسؤول عنه للأئمة (عليهم السلام) إنما كان مخالفا للحق فيبقى الباقي و إن وجد مطلقا فالقرائن دالة على إرادة المخالف منه التفاتا إلى الواقع و الغالب، انتهى. ثم إنهم قالوا: النظر في تلك الأراضي إلى الإمام و قال بعضهم على هذا الكلام: هذا مع ظهور الإمام (عليه السلام)، و في الغيبة يختص بها من كانت بيده بسبب شرعي كالشراء و الإرث و نحوهما، لأنها و إن لم يملك رقبتها لكونها لجميع المسلمين إلا أنها تملك تبعا لآثار المتصرف و يجب عليه الخراج أو المقاسمة، و يتولاهما الجائر و لا يجوز جحدهما و لا منعهما و لا التصرف فيهما إلا بإذنه باتفاق الأصحاب، و لو لم يكن عليها يد فقضية كلام الأصحاب توقف جواز التصرف فيها على إذنه، حيث حكموا بأن الخراج و المقاسمة منوطة برأيه، و هما كالعوض من التصرف، و إذا كان العوض منوطا برأيه فالمعوض كذلك، و يحتمل جواز التصرف مطلقا و قال آخر من الأصحاب: هذا مع ظهوره و بسط يده، أما مع غيبته كهذا الزمان فكل أرض يدعي أحد ملكها بشراء و إرث و نحوهما، و لا يعلم فساد دعواه يقر في يده كذلك لجواز صدقه، و حملا لتصرفه على الصحة، فإن الأرض المذكورة يمكن تملكها بوجوه: منها إحياؤها ميتة، و منها شراؤها تبعا لأثر التصرف فيها من بناء و غرس و نحوهما كما سيأتي، و ما لا يد مملكة لأحد فهو للمسلمين قاطبة إلا أن من يتولاه الجائر من مقاسمتها و خراجها يجوز لنا تناوله منه بالشراء و غيره من الأسباب المملكة بإذن أئمتنا (عليهم السلام) لنا في ذلك، و قد ذكر الأصحاب أنه لا يجوز لأحد جحدهما و لا منعهما و لا التصرف فيهما إلا بإذنه، بل ادعى بعضهم الاتفاق عليه. و هل يتوقف التصرف في هذا القسم منها على إذن الحاكم الشرعي إن كان متمكنا من صرفها في وجهها بناء على كونه نائبا من المستحق (عليه السلام) و مفوضا إليه ما هو أعظم من ذلك؟ الظاهر ذلك، و حينئذ فيجب عليه صرف حاصلها في مصالح المسلمين، و مع عدم التمكن أمرها إلى الجائر، و أما جواز التصرف فيها كيف اتفق لكل أحد من المسلمين فبعيد جدا، بل لم أقف على قائل به لأن المسلمين بين قائل بأولوية الجائر و توقف التصرف على إذنه، و بين مفوض للأمر إلى الإمام العادل، فمع غيبته يرجع الأمر إلى نائبه، فالتصرف بدونهما لا دليل عليه، انتهى. ثم المشهور أنه يجوز يبع تلك الأراضي و هبتها و معاوضتها و وقفها و رهنها و إجارتها و غير ذلك، تبعا لآثار المتصرف فيها، و تدل عليه أخبار كثيرة. الثاني: من أقسام الأرضين: أرض من أسلم عليها أهلها طوعا من غير قتال، فهي تترك في أيديهم ملكا لهم، يصح لهم التصرف فيها بالبيع و الشراء و الوقف و سائر التصرفات إذا عمروها، و يؤخذ منهم العشر أو نصف العشر على وجه الزكاة إذا بلغ النصاب، فإن تركوا عمارتها فعن الشيخ و أبي الصلاح أن الإمام يقبلها ممن يعمرها و يعطي صاحبها طسقها و أعطي المتقبل حصته و ما يبقى فهو متروك لمصالح المسلمين في بيت مالهم، و عن ابن حمزة أنهم إذا تركوا عمارتها حتى صارت خرابا كانت حينئذ لجميع المسلمين يقبلها الإمام ممن يقوم بعمارتها بحسب ما يراه من نصف أو ثلث أو ربع، و على متقبلها بعد إخراج مؤنة الأرض و حق القبالة فيما يبقى من خاصة من غلتها إذا بلغ خمس أوسق أو أكثر من ذلك العشر أو نصف العشر. و عن ابن إدريس أن الأولى ترك ما قاله الشيخ فإنه مخالف للأصول و الأدلة العقلية و السمعية، فإن ملك الإنسان لا يجوز لأحد أخذه و لا التصرف فيه بغير إذنه و اختياره، و قرب في المختلف قول الشيخ نظرا إلى أنه أنفع للمسلمين و أعود عليهم، فكان سائغا ثم قال: و أي عقل يمنع من الانتفاع بأرض ترك أهلها عمارتها
الكافي — كتاب الحجة · بَابُ أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا لِلْإِمَامِ(ع)