عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ وَ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ غَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ فِي احْتِجَاجِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)عَلَى عَاصِمِ بْنِ زِيَادٍ حِينَ لَبِسَ يسيح ساحة إذا ذهب فيها و أصله من السيح و هو الماء الجاري المنبسط على الأرض، أراد مفارقة الأمصار و سكنى البراري و ترك شهود الجمعة و الجماعات. و قيل: أراد الذين يسيحون في الأرض بالشر و النميمة و الإفساد بين الناس، و من الأول الحديث: سياحة هذه الأمة الصيام، قيل: للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدا يسيح و لا زاد معه و لا ماء فحين يجد يطعم و الصائم يمضي نهاره و لا يأكل و لا يشرب شيئا فشبه به، و الخشن ضد الناعم، و الجشب الطعام الغليظ، قال الجوهري: طعام جشب أي غليظ، و يقال: هو الذي لا أدم معه. قوله (عليه السلام): فزوي، أي صرف و أبعد ذلك عنا" فهل رأيت" تعجب منه (عليه السلام) في صيرورة الظلم عليهم نعمة لهم، و حصر لمثله فيه، و كان المراد بالظلامة هنا الظلم و في القاموس: المظلمة بكسر اللام و كثمامة ما تظلمه الرجل، و في المغرب يقال: عند فلان مظلمتي و ظلامتي أي حقي الذي أخذ مني ظلما. الحديث الثالث: مرسل معتبر بل هو كالمتواتر روي بأسانيد و في متنه اختلاف و المضمون مشترك. منها ما رواه السيد رضي الله عنه في نهج البلاغة قال: من كلام له بالبصرة و قد دخل على العلاء بن زياد الحارثي يعوده و هو من أصحابه، فلما رأى سعة داره قال: ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا و أنت إليها في الآخرة كنت أحوج، و بلى إن شئت بلغت بها الآخرة تقرئ فيها الضيف، و تصل فيها الرحم، و تطلع منها الحقوق مطالعها فإذا أنت بلغت بها الآخرة، فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم ابن زياد! قال: و ما له؟ قال: لبس العباء و تخلى من الدنيا، قال: علي به فلما جاء قال: يا عدي نفسه لقد استهام بك الخبيث، أ ما رحمت أهلك و ولدك؟ أ ترى الله أحل لك الطيبات و هو يكره أن تأخذها أنت أهون على الله من ذلك، قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك و جشوبة مأكلك؟ قال: ويحك إني لست كانت إن الله فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره. و قال ابن أبي الحديد في الشرح: اعلم أن الذي رويته عن الشيوخ و رأيته بخط عبد الله بن أحمد الخشاب (رحمه الله) أن الربيع بن زياد الحارثي أصابته نشابة في جبينه فكانت تنتقض عليه في كل عام فأتاه علي (عليه السلام) عائدا فقال: كيف تجدك أبا عبد الرحمن؟ قال أجدني يا أمير المؤمنين لو كان لا يذهب مآبي إلا بذهاب بصري لتمنيت ذهابه، قال: و ما قيمة بصرك عندك؟ قال: لو كانت لي الدنيا لفديته بها قال: لا جرم ليعطينك الله على قدر ذلك، إن الله يعطي على قدر الألم و المصيبة و عنده تضعيف كثير. قال الربيع: يا أمير المؤمنين أ لا أشكو إليك عاصم بن زياد أخي؟ قال: ما له؟ قال: لبس العباء و ترك الملإ، و غم أهله و حزن ولده؟ فقال (عليه السلام): ادعوا لي عاصما، فلما أتاه عبس في وجهه و قال: ويلك يا عاصم أ ترى الله أباح لك اللذات و هو يكره ما أخذت أنت منها لأنت أهون على الله من ذلك أو ما سمعته يقول:" مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيٰانِ" ثم قال:" يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجٰانُ" و قال:" وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهٰا" أما و الله لابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال، و قد سمعتم الله يقول:" وَ أَمّٰا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ" و قوله:" قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ". إن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الْعَبَاءَ وَ تَرَكَ الْمُلَاءَ وَ شَكَاهُ أَخُوهُ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)أَنَّهُ قَدْ غَمَّ أَهْلَهُ وَ أَحْزَنَ وُلْدَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)عَلَيَّ بِعَاصِمِ بْنِ زِيَادٍ فَجِيءَ بِهِ فَلَمَّا رَآهُ عَبَسَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ لَهُ أَ مَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ أَهْلِكَ أَ مَا رَحِمْتَ وُلْدَكَ أَ تَرَى اللَّهَ كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ" و قال:" يٰا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبٰاتِ وَ اعْمَلُوا صٰالِحاً" و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لبعض نسائه: ما لي أراك شعثاء مرهاء سلتاء قال عاصم: فلم اقتصرت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن و أكل الجشب؟ قال: إن الله تعالى افترض على أئمة العدل أن يقدروا لأنفسهم بالقوم كيلا يتبيغ بالفقير فقره، فما قام علي (عليه السلام) حتى نزع عاصم العباء و لبس ملاءة. و لنرجع إلى شرح الحديث، قوله: حين لبس العباء، و هو جمع عباءة بالفتح فيهما، و هي الكساء و كان المراد به جعلها شعارا و المواظبة علي لبس ثياب الصوف الخشنة، و ترك القطن و نحوه، و الاكتفاء بلبسها في الصيف و الشتاء كما ورد في وصايا النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لأبي ذر: يجيء من بعدي أقوام يلبسون الصوف في صيفهم و شتائهم، يرون لهم بذلك الفضل على غيرهم أولئك تلعنهم ملائكة السماء و ملائكة الأرض. و الملإ بالضم و المد جمع ملاءة بهما أيضا و هي الثوب اللين الرقيق" أنه" بفتح الهمزة أي بأنه،" و على" اسم فعل بمعنى ائتوني، و قال ابن أبي الحديد يقول: علي بفلان أي أحضره و الأصل أعجل به علي، فحذف فعل الأمر و دل الباقي عليه" أ ما استحييت" استفهام توبيخي" أ ترى الله أحل لك الطيبات" أي في قوله:" قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ" و قوله:" يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ كُلُوا مِمّٰا فِي الْأَرْضِ حَلٰالًا طَيِّباً" و قوله:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ وَ هُوَ يَكْرَهُ أَخْذَكَ مِنْهَا أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ وَ الْأَرْضَ وَضَعَهٰا لِلْأَنٰامِ. فِيهٰا فٰاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذٰاتُ الْأَكْمٰامِ أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيٰانِ. بَيْنَهُمٰا بَرْزَخٌ لٰا يَبْغِيٰانِ إِلَى قَوْلِهِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا مٰا رَزَقْنٰاكُمْ وَ اشْكُرُوا لِلّٰهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّٰاهُ تَعْبُدُونَ" و قوله:" وَ كُلُوا مِمّٰا رَزَقَكُمُ اللّٰهُ حَلٰالًا طَيِّباً" و قوله:" الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ" و غير ذلك. " و هو يكره" الجملة حالية و الهون الذل و الحقارة و الخفة و السهولة، و هان عليه الشيء أي خف، و قال ابن أبي الحديد: فإن قيل: ما معنى قوله (عليه السلام) أنت أهون على الله من ذلك؟ قلت: لأن في الشاهد قد يحل الواحد منا لصاحبه فعلا مخصوصا محاباة و مراقبة له، و هو يكره أن يفعله، و البشر أهون على الله تعالى من أن يحل لهم أمرا مجاملة و استصلاحا للحال معهم و هو يكره منهم فعله، انتهى. و المعنى أن كراهية ذلك مختصة بالأمراء و ولاة الأمر و أنت أهون على الله من ذلك، فلا تقس نفسك بهم كما سيأتي و الأول أظهر، و الكم بالكسر وعاء الطلع و غطاء النور و الجمع أكمة و أكمام، ذكره الفيروزآبادي. " مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيٰانِ" قال البيضاوي: أي أرسلهما من مرجت الدابة إذا أرسلتها، و المعنى أرسل البحر الملح و البحر العذب يلتقيان يتجاوران و يتماس سطوحهما، أو بحري فارس و الروم يلتقيان في المحيط لأنهما خليجان ينشعبان منه بينهما برزخ حاجز من قدرة الله، أو من الأرض" لٰا يَبْغِيٰانِ" لا يبغي أحدهما الآخر بالممازجة و إبطال الخاصية، أو لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما" يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجٰانُ" و قال: اللؤلؤ كبار الدر و المرجان صغاره، و قيل: المرجان الخرز الأحمر. قيل: الدر يخرج من المالح لا من العذب فما وجه قوله: يخرج منهما؟ و أجيب اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجٰانُ فَبِاللَّهِ لَابْتِذَالُ نِعَمِ اللَّهِ بِالْفَعَالِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنِ ابْتِذَالِهَا بِالْمَقَالِ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَمّٰا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ فَقَالَ عَاصِمٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَعَلَى مَا اقْتَصَرْتَ فِي مَطْعَمِكَ عَلَى الْجُشُوبَةِ وَ فِي مَلْبَسِكَ عَلَى الْخُشُونَةِ فَقَالَ وَيْحَكَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلَا يَتَبَيَّغَ بأن المراد من مجتمعهما أو من أحدهما و هو الملح، أي أنه لما اجتمع مع العذب حتى صار كالشيء الواحد كان المخرج من أحدهما كالمخرج منهما. و وجه الاستدلال بالآية أن الامتنان بهما يدل على جواز الانتفاع منهما و التحلي بهما، و الابتذال ضد الصيانة و ابتذال نعمة الله بالفعال بفتح الفاء أن يصرفها فيما ينبغي، متوسعا من غير ضيق و بالمقال أن يذكر نعم الله على نفسه و يشكره عليها" و قد قال الله" أي إذا أمر الله بالشكر القولي و كان الشكر الفعلي أقوى في إظهار النعمة فيكون وجوبه و لزومه أولى و أحرى، و ما قيل: أن التحديث أعم من أن يكون بلسان الحال و هو بالاستعمال، أو بلسان المقال، فبعيد عن السياق، و الجشوبة و الخشونة مصدران بمعنى الفاعل للمبالغة، و المطعم بالفتح ما يطعم و الملبس بالفتح ما يلبس، قال ابن أبي الحديد: طعام جشب أي غليظ و كذلك مجشوب، و قيل: إنه الذي لا إدام معه. قوله (عليه السلام): أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس أي يشبهوا و يمثلوا و تبيغ الدم بصاحبه و تبوغ به أي هاج به، و في الحديث: عليكم بالحجامة لا تبيغ بأحدكم الدم فيقتله، و قيل: أصل يتبيغ يبتغي فقلب مثل جذب و جبذ، أي يجب على الإمام العادل أن يشبه نفسه في لباسه و طعامه بضعفة الناس جمع ضعيف كيلا يهلك الفقراء من الناس، فإنهم إذا رأوا إمامهم بتلك الهيئة و ذلك المطعم كان ادعى لهم إلى سلوان لذات الدنيا و الصبر عن شهواتها، انتهى. و أقول: هذا وجه جمع بين الأخبار المختلفة في سيرة الأئمة (عليهم السلام) و بين بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ فَأَلْقَى عَاصِمُ بْنُ زِيَادٍ الْعَبَاءَ وَ لَبِسَ الْمُلَاءَ
الكافي — كتاب الحجة · بَابُ سِيرَةِ الْإِمَامِ فِي نَفْسِهِ وَ فِي المَطْعَمِ وَ الْمَلْبَسِ إِذَا وَلِيَ الْأَمْرَ