مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِسْكِينٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولًا قَالَ هِيَ وَلَايَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام الحديث الثاني: مرسل" إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ" هذه الآية من المتشابهات و قد اختلف في تأويله المفسرون و الروايات على وجوه: الأول: أن المراد بالأمانة التكليف بالأوامر و النواهي، و المراد بعرضها على السماوات و الأرض و الجبال العرض على أهلها و عرضها عليهم هو تعريفه إياهم إذ في تضييع الأمانة الإثم العظيم، و كذلك في ترك أوامر الله تعالى و أحكامه، فبين سبحانه جرأة الإنسان على المعاصي و إشفاق الملائكة من ذلك، فيكون المعنى عرضنا الأمانة على أهل السماوات و الأرض و الجبال من الملائكة و الإنس و الجن" فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا" أي فأبى أهلهن أن يحملوا تركها و عقابها، و المأثم فيها" وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا" أي أشفقن أهلهن من حملها" وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً" لنفسه بارتكاب المعاصي" جَهُولًا" بموضع الأمانة في استحقاق العقاب على الخيانة فيها، فالمراد بحمل الأمانة تضييعها، قال الزجاج: كل من خان الأمانة فقد حملها، و من لم يحمل الأمانة فقد أداها. و الثاني: أن معنى عرضنا عارضنا و قابلنا، فإن عرض الشيء على الشيء و معارضته به سواء، و المعنى أن هذه الأمانة في جلالة موقعها و عظم شأنها لو قيست السماوات و الأرض و الجبال و عورضت بها لكانت هذه الأمانة أرجح و أثقل وزنا، و معنى قوله: فأبين أن يحملنها، ضعفن عن حملها، كذلك و أشفقن منها لأن الشفقة ضعف القلب، و لذلك صار كناية عن الخوف الذي يضعف عنده القلب، ثم قال: إن هذه الأمانة التي من صفتها أنها أعظم من هذه الأشياء العظيمة تقلدها الإنسان فلم يحفظها بل حملها و ضيعها لظلمة على نفسه، و لجهله بمبلغ الثواب و العقاب. و الثالث: ما ذكره البيضاوي حيث قال تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة، و سماها أمانة من حيث إنها واجبة الأداء، و المعنى أنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام و كانت ذات شعور و إدراك لأبين أن يحملنها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ مع ضعف بنيته و رخاوة قوته لا جرم فإن الراعي لها و القائم بحقوقها بخير الدارين إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً حيث لم يف بها و لم يراع حقها، جَهُولًا بكنه عاقبتها، و هذا وصف للجنس باعتبار الأغلب، انتهى. و قال الطبرسي (قدس سره) أنه على وجه التقدير أجرى عليه لفظ الواقع لأن الواقع أبلغ من المقدر معناه لو كانت السماوات و الأرض و الجبال عاقلة، ثم عرضت عليها الأمانة و هي وظائف الدين أصولا و فروعا عرض تخيير لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها و شدتها و قوتها، و لامتنعت من حملها خوفا من القصور عن أداء حقها، ثم حملها الإنسان مع ضعف جسمه، و لم يخف الوعيد لظلمة و جهله و على هذا يحمل ما روي عن ابن عباس أنها عرضت على نفس السماوات و الأرض فامتنعت من حملها. و الرابع: أن معنى العرض و الإباء ليس هو على ما يفهم بظاهر الكلام، بل المراد تعظيم شأن الأمانة لا مخاطبة الجماد، و العرب تقول: سألت الربع و خاطبت الدار فامتنعت عن الجواب، و إنما هو إخبار عن الحال عبر عنه بذكر الجواب و السؤال، و تقول: أتى فلان بكذب لا تحمله الجبال، و قال سبحانه:" فَقٰالَ لَهٰا وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيٰا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ" و خطاب من لا يفهم لا يصح، فالأمانة على هذا ما أودع الله سبحانه السماوات و الأرض و الجبال من الدلائل على وحدانيته و ربوبيته فأظهرتها و الإنسان الكافر كتمها و جحدها لظلمة و يرجع إليه ما قيل: المراد بالأمانة الطاعة التي تعم الطبيعية و الاختيارية، و بعرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار و إرادة صدوره من غيره، و بحملها الخيانة فيها و الامتناع عن أدائها، و منه قولهم: حامل الأمانة و محتملها لمن لا يؤديها و تبرأ ذمته فيكون الإباء منه إتيانا بما يمكن أن يتأتى منها و الظلم و الجهالة للخيانة و التقصير. و الخامس: ما قيل: إنه تعالى لما خلق الله هذه الأجرام خلق فيها فهما و قال لها: إني قد فرضت فريضة و خلقت جنة لمن أطاعني فيها، و نارا لمن عصاني فقلن: نحن مسخرات على ما خلقنا لا نحتمل فريضة و لا نبتغي ثوابا و لا عقابا، و لما خلق آدم (عليه السلام) عرض عليه مثل ذلك فتحمله، و كان ظلوما لنفسه بتحمله ما يشق عليها، جهولا بوخامة عاقبته. و السادس: ما قيل: إن المراد بالأمانة العقل و التكليف، و بعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن، و بآبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة و الاستعداد، و بحمل الإنسان قابليته و استعداده لها، و كونه ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوة الغضبية و الشهوية، و على هذا يحسن أن يكون علة للحمل عليه، فإن من فوائد العقل أن يكون مهيمنا على القوتين حافظا لهما عن التعدي و مجاوزة الحد، و معظم مقصود التكليف تعديلهما و كسر سورتهما. و السابع: أن المراد بالأمانة أداء الأمانة ضد الخيانة أو قبولها، و تصحيح تتمة الآية على أحد الوجوه المتقدمة. و الثامن: أن المراد بالأمانة و الخلافة الكبرى، و حملها ادعاؤها بغير حق، و المراد بالإنسان أبو بكر، و قد وردت الأخبار الكثيرة في ذلك أوردتها في كتاب الإمامة و غيرها من كتاب بحار الأنوار، كما يدل عليه هذا الخبر، و قد روي بأسانيد عن الرضا (عليه السلام) قال: الأمانة الولاية من ادعاها بغير حق كفر، و قال علي بن إبراهيم الأمانة هي الإمامة و الأمر و النهي، عرضت على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها قال: أبين أن يدعوها أو يغصبوها أهلها، و أشفقن منها و حملها الإنسان الأول إنه كان ظلوما جهولا، و عن الصادق (عليه السلام): الأمانة الولاية و الإنسان أبو الشرور المنافق، و عن الباقر (عليه السلام): هي الولاية أبين أن يحملنها كفرا و حملها الإنسان و الإنسان أبو فلان. و مما يدل على أن المراد بها التكليف ما روي أن عليا كان إذا حضر وقت الصلاة تغير لونه فسئل عن ذلك فقال: حضر وقت أمانة عرضها الله على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها. و مما يدل على كون المراد بها الإمامة المعروفة ما في نهج البلاغة في جملة وصاياه للمسلمين: ثم أداء الأمانة فقد خاب من ليس من أهلها، أنها عرضت على السماوات المبنية و الأرض المدحوة، و الجبال ذات الطول المنصوبة، فلا أطول و لا أعرض و لا أعظم منها، و لو امتنع شيء بطول أو عرض أو قوة أو عز لامتنعن و لكن أشفقن من العقوبة و عقلن ما جهل من هو أضعف منهن و هو الإنسان إنه كان ظلوما جهولا. و عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل يبعث إلى الرجل يقول: ابتع لي ثوبا فيطلب في السوق فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق فيعطيه من عنده، قال: لا يقربن هذا و لا يدنس نفسه إن الله عز و جل يقول إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ" الآية". و الحق أن الجميع داخل في الآية بحسب بطونها كما قيل: إن المراد بالأمانة التكليف بالعبودية لله على وجهها، و التقرب بها إلى الله سبحانه كما ينبغي لكل عبد بحسب استعداده لها، و أعظمها الخلافة الإلهية لأهلها ثم تسليم من لم يكن من أهلها لأهلها، و عدم ادعاء منزلتها لنفسه، ثم سائر التكاليف، و المراد بعرضها على السماوات و الأرض و الجبال النظر إلى استعدادهن لذلك، و بآبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عبارة عن عدم اللياقة، و تحمل الإنسان إياها تحمله لها من غير استحقاق تكبرا على أهلها أو مع تقصيره بحسب وصف الجنس باعتبار الأغلب، و هذه معانيها الكلية، و كل ما ورد في تأويلها في مقام يرجع إلى هذه الحقائق كما يظهر عند التدبر و التوفيق من الله سبحانه. قال السيد المرتضى رضي الله عنه في أجوبة المسائل العكبرية حيث سئل عن تفسير هذه الآية: إنه لم يكن عرض في الحقيقة على السماوات و الأرض و الجبال بقول صريح أو دليل ينوب مناب القول، و إنما الكلام في هذه الآية مجاز أريد به الإيضاح عن عظم الأمانة، و ثقل التكليف بها و شدته على الإنسان، و إن السماوات و الأرض و الجبال لو كانت مما تقبل لأبت حمل الأمانة و لم يؤد مع ذلك حقها، و نظير ذلك قوله تعالى:" تَكٰادُ السَّمٰاوٰاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبٰالُ هَدًّا" و معلوم أن السماوات و الأرض و الجبال جماد لا تعرف الكفر من الإيمان، و لكن المعنى في ذلك إعظام ما فعله المبطلون و تفوه به الضالون و أقدم به المجرمون من الكفر بالله تعالى، و أنه من عظمه جار مجرى ما يثقل باعتماده على السماوات و الأرض و الجبال و أن الوزر به كذلك، و كان الكلام في معناه ما جاء به التنزيل مجازا و استعارة كما ذكرناه، و مثل ذلك قوله تعالى:" وَ إِنَّ مِنَ الْحِجٰارَةِ لَمٰا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهٰارُ" الآية و معلوم أن الحجارة جماد لا يعلم فيخشى أو يحذر أو يرجو و يؤمل و إنما المراد بذلك تعظيم الوزر في معصية الله تعالى و ما يجب أن يكون العبد عليه من خشية الله و قد بين الله ذلك بقوله في نظير ما ذكرناه:" وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبٰالُ" الآية، فبين بهذا المثل عن جلالة القرآن و عظم قدره و علو شأنه، و أنه لو كان كلام يكون به ما عده و وصفه لكان بالقرآن لعظم قدره على سائر الكلام. و قد قيل: إن المعنى في قوله:" إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ" عرضها على أهل السماوات و أهل الأرض و أهل الجبال، و العرب تخبر عن أهل الموضع بذكر الموضع و يسميهم
الكافي — كتاب الحجة · بَابٌ فِيهِ نُكَتٌ وَ نُتَفٌ مِنَ التَّنْزِيلِ فِي الْوَلَايَةِ