وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى- إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ ارْتَدُّوا عَنِ قوله (عليه السلام): آمنوا بالنبي في أول الأمر المراد بالإيمان في الموضعين الإقرار باللسان فقط، و بالكفر الإنكار باللسان أيضا. قال علي بن إبراهيم في تفسيره: نزلت في الذين آمنوا برسول الله إقرارا لا تصديقا، ثم كفروا لما كتبوا الكتاب فيما بينهم أن لا يردوا الأمر إلى أهل بيته أبدا فلما نزلت الولاية و أخذ رسول الله الميثاق عليهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) آمنوا إقرارا لا تصديقا، فلما مضى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) كفروا و ازدادوا كفرا" لَمْ يَكُنِ اللّٰهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لٰا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلّٰا طَرِيقَ جَهَنَّمَ" بأخذهم من بائعه بالبيعة لهم، المستتر في بايعه راجع إلى الموصول و البارز إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، أي أخذوا الجماعة الذين بايعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الغدير بالبيعة لأبي بكر و أخويه عليهم اللعنة، و يحتمل أن يكون المراد بالموصول أمير المؤمنين (عليه السلام) فيكون المستتر راجعا إلى أبي بكر و البارز إلى الموصول، أي أخذوا من بائعه أبو بكر يوم الغدير بأن يبايع لهم و هو بعيد، و لو كان بايعوه كما في تفسير العياشي لكان هذا أظهر. الحديث الثالث و الأربعون كالسابق. " إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى" تمامها في سورة محمد (صلى الله عليه و آله و سلم):" الشَّيْطٰانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلىٰ لَهُمْ، ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مٰا نَزَّلَ الْإِيمَانِ فِي تَرْكِ وَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مٰا نَزَّلَ اللّٰهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ قَالَ نَزَلَتْ وَ اللَّهِ فِيهِمَا وَ فِي أَتْبَاعِهِمَا وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ جَبْرَئِيلُ(عليه السلام)عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مٰا نَزَّلَ اللّٰهُ فِي عَلِيٍّ عليه السلام سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ قَالَ دَعَوْا بَنِي أُمَيَّةَ إِلَى مِيثَاقِهِمْ أَلَّا يُصَيِّرُوا الْأَمْرَ فِينَا بَعْدَ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ لَا يُعْطُونَا مِنَ الْخُمُسِ اللّٰهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ إِسْرٰارَهُمْ" قال البيضاوي إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ إلى ما كانوا عليه من الكفر مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى بالدلائل الواضحة و المعجزات الظاهرة" الشَّيْطٰانُ سَوَّلَ لَهُمْ" سهل لهم اقتراف الكبائر" وَ أَمْلىٰ لَهُمْ" و مد لهم في الآمال و الأماني، أو أمهلهم الله و لم يعاجلهم بالعقوبة" ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مٰا نَزَّلَ اللّٰهُ" أي قال اليهود الذين كفروا بالنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد ما تبين لهم الهدى للمنافقين، أو المنافقون لهم، أو أحد الفريقين للمشركين" سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ" أي في بعض أموركم أو في بعض ما تأمرون به كالعقود عن الجهاد، و الموافقة في الخروج معهم أن أخرجوا و التظافر علي الرسول" وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ إِسْرٰارَهُمْ" و منها قولهم هذا الذي أفشاه الله عليهم، انتهى. " فلان و فلان" هذه الكنايات تحتمل وجهين: الأول: أن يكون المراد بها بعض بني أمية كعثمان و أبي سفيان و معاوية فالمراد بالذين كرهوا ما أنزل الله أبو بكر و عمر و أبو عبيدة إذ ظاهر السياق أن فاعل قالوا الضمير الراجع إلى الذين ارتدوا، الثاني: أن يكون المراد بهذه الكنايات أبو بكر و عمر و أبا عبيدة، و ضمير" قالوا" راجعا إلى بني أمية، و المراد بالذين كرهوا الذين ارتدوا فيكون من قبيل وضع المظهر موضع المضمر، و يؤيده عدم وجود الكناية الثالثة في بعض النسخ. قوله (عليه السلام): نزلت و الله فيهما، أي في أبي بكر و عمر و هو تفسير للدين كرهوا و قوله: و هو قول الله تفسير لما نزل الله أو بيان لأن الآية نزلت هكذا، و ضمير دعوا راجع إليهما و أتباعهما، و قوله: أن لا يصيروا بدل ميثاقهم" و قالوا" أي أبو بكر و عمر شَيْئاً وَ قَالُوا إِنْ أَعْطَيْنَاهُمْ إِيَّاهُ لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى شَيْءٍ وَ لَمْ يُبَالُوا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِيهِمْ فَقَالُوا سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ الَّذِي دَعَوْتُمُونَا إِلَيْهِ وَ هُوَ الْخُمُسُ أَلَّا نُعْطِيَهُمْ مِنْهُ شَيْئاً وَ قَوْلُهُ كَرِهُوا مٰا نَزَّلَ اللّٰهُ وَ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ مَا افْتَرَضَ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ وَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)وَ كَانَ مَعَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ كَانَ كَاتِبَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً و أتباعهما" أن لا يكون الأمر فيهم" كذا في بعض النسخ" و فيه دلالة على كمال عداوتهم لأهل البيت (عليهم السلام) حيث قصدوا مع غصب الخلافة منهم كسر قلوبهم بضيق المعيشة و في بعضها و لم يبالوا إلا أن يكون الأمر فيهم، أي كانت همتهم حينئذ مقصورة في أخذ الخلافة لحصول أسبابه لهم لأن الناس يرغبون إلى الأموال لا سيما إذا كانت مجتمعة مع النص و القرابة و الفضل و سائر الجهات" فقالوا" أي بنو أمية و إنما خصوا الإطاعة بمنع الخمس لأنهم لم يجتروا على أن يبايعوهم في منع الولاية أو كانوا آيسين من ذلك للنص الصريح أو لأنهم علموا أنهم لا يفوضونها إليهم و يتصرفون فيها، و أما الخمس فكانوا يعلمون أن يعطوا حصته منه، و على جميع الوجوه ثم بعد ذلك أطاعوهم في الأمرين جميعا لما عرض من الأمور التي صارت أسبابا لطمعهم في الخلافة بعد هؤلاء و لا يبعد أن تكون كلمة في على هذا التأويل للسببية أي نطيعكم بسبب الخمس لتعطونا منه شيئا. و قوله: كرهوا ما نزل الله، إعادة للكلام السابق لبيان أن ما أنزل الله في علي هو الولاية إذ لم يظهر ذلك مما سبق صريحا، و لعله زيدت الواو في قوله: و الذي من النساخ، و قيل: قوله، بالرفع عطف على قول الله، من قبيل عطف التفسير، فإنه لا تصريح في المعطوف عليه بأن النازل فيهما و في أتباعهما" كرهوا" أم" قالوا". و أبو عبيدة هو عامر بن عبد الله بن الجراح من رؤساء المنافقين، و كان كاتب الصحيفة الملعونة التي كتبوها و دفنوها في الكعبة، و كان فيها ميثاقهم أن لا يصيروا الأمر في علي بعد النبي، و هذا هو المراد بإبرامهم أمرا، و الآية في سورة الزخرف و ما قبلها هكذا:" إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذٰابِ جَهَنَّمَ خٰالِدُونَ لٰا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ فَإِنّٰا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّٰا لٰا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْوٰاهُمْ الْآيَةَ
الكافي — كتاب الحجة · بَابٌ فِيهِ نُكَتٌ وَ نُتَفٌ مِنَ التَّنْزِيلِ فِي الْوَلَايَةِ