مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الكتب، و وعد لهم بالثواب على حسناتهم و للوفاء بهما عرض عريض، فأول مراتب الوفاء منا هو الإتيان بكلمتي الشهادة، و من الله تعالى حقن الدم و المال، و آخرها منا الاستغراق في بحر التوحيد بحيث يغفل عن نفسه فضلا عن غيره، و من الله تعالى الفوز باللقاء الدائم، و ما روي عن ابن عباس: أوفوا بعهدي في اتباع محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) أوف بعهدكم في رفع الآصار و الأغلال، و عن غيره أوفوا بأداء الفرائض و ترك الكبائر أوف بالمغفرة و الثواب، أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم أوف بالكرامة و النعيم المقيم، فبالنظر إلى الوسائط، و قيل: كلاهما مضاف إلى المفعول، و المعنى أوفوا بما عاهدتمون من الإيمان و التزام الطاعة أوف بما عاهدتكم من حسن الإثابة، انتهى. و ما ذكر في الخبر بيان لعمدة أجزاء العهد و هي أصول الدين، و اكتفى بذكر الولاية لاستلزامها سائر أجزاء الأصول بل يمكن أن يقال هي مستلزمة للفروع أيضا إذ ولايتهم و متابعتهم تتضمن العمل بالطاعات و ترك المناهي و تدعو إليهما بل لا تتحقق الولاية الحقيقية إلا بهما، و للولاية درجات كما أن للجنة أيضا درجات، و كل درجة من الولاية توجب درجة من الجنة. و كون الخطاب إلى بني إسرائيل حيث قال:" يٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا" إلخ، لا ينافي ذلك لوجهين: الأول: أن الخطاب إلى بني إسرائيل الموجودين في زمن الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) الذين نزل عليهم القرآن، و الثاني أن التوراة تشتمل على الإيمان بجميع الرسل و الكتب لا سيما الإقرار بنبينا (صلى الله عليه و آله و سلم) و بما جاء به، فهي داخلة في العهود المأخوذة عليهم أولا و آخرا. الحديث التسعون: ضعيف. عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِذٰا تُتْلىٰ عَلَيْهِمْ آيٰاتُنٰا بَيِّنٰاتٍ قٰالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقٰاماً وَ أَحْسَنُ نَدِيًّا قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)دَعَا قُرَيْشاً إِلَى وَلَايَتِنَا فَنَفَرُوا وَ أَنْكَرُوا فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قُرَيْشٍ لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ أَقَرُّوا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقٰاماً وَ أَحْسَنُ نَدِيًّا تَعْيِيراً مِنْهُمْ فَقَالَ اللَّهُ رَدّاً عَلَيْهِمْ وَ كَمْ أَهْلَكْنٰا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ هُمْ أَحْسَنُ أَثٰاثاً وَ رِءْياً قُلْتُ قَوْلُهُ مَنْ كٰانَ فِي الضَّلٰالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمٰنُ مَدًّا قَالَ كُلُّهُمْ كَانُوا فِي الضَّلَالَةِ لَا " وَ إِذٰا تُتْلىٰ عَلَيْهِمْ آيٰاتُنٰا بَيِّنٰاتٍ" الآية في سورة مريم، قال البيضاوي: مزيلات الألفاظ مثبتات المعاني بنفسها أو ببيان الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) أو واضحات الإعجاز للذين آمنوا أي لأجلهم أو معهم" أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ" المؤمنين و الكافرين" خَيْرٌ مَقٰاماً" موضع قيام أو مكانا" وَ أَحْسَنُ نَدِيًّا" مجلسا و مجتمعا، و المعنى أنهم لما سمعوا الآيات الواضحات و عجزوا عن معارضتها و الدخل عليها أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا، و الاستدلال بزيادة حظهم فيها على فضلهم و حسن حالهم عند الله تعالى، لقصور نظرهم على الحال، و علمهم بظاهر من الحياة الدنيا، فرد عليهم ذلك أيضا مع التهديد نقضا بقوله:" كَمْ أَهْلَكْنٰا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثٰاثاً وَ رِءْياً". و" كم" مفعول أهلكنا" و من قرن" بيانه، و إنما سمي أهل كل عصر قرنا لأنه يتقدم من بعدهم" و هم أحسن" صفة لكم، و أثاثا تميز عن النسبة و هو متاع البيت، و قيل: هو ماجد منه، و الرأي: النظر، فعل من الرؤية لما يرى كالطحن و الخبز، و قرأ نافع و ابن عامر ريا على قلب الهمزة و إدغامها، أو على أنه من الري الذي هو النعمة. ثم بين أن تمتيعهم استدراج ليس بإكرام، و إنما المعيار على الفضل و النقص ما يكون في الآخرة بقوله:" قُلْ مَنْ كٰانَ فِي الضَّلٰالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمٰنُ مَدًّا" فيمده يُؤْمِنُونَ بِوَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)وَ لَا بِوَلَايَتِنَا فَكَانُوا ضَالِّينَ مُضِلِّينَ فَيَمُدُّ لَهُمْ فِي و يمهله بطول النعمة و التمتع به، و إنما أخرجه على لفظ الأمر إيذانا بأن إمهاله مما ينبغي أن يفعله استدراجا و قطعا لمعاذيره. " حَتّٰى إِذٰا رَأَوْا مٰا يُوعَدُونَ" غاية المد، و قيل: غاية قول الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير. " إِمَّا الْعَذٰابَ وَ إِمَّا السّٰاعَةَ" تفصيل للموعود فإنه إما العذاب في الدنيا و هو غلبة المسلمين عليهم و تعذيبهم إياهم قتلا و أسرا، و إما يوم القيامة و ما ينالهم فيه من الخزي و النكال" فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكٰاناً" من الفريقين بأن عاينوا الأمر على عكس ما قدروه و عاد ما منعوا به خذلانا و وبالا عليهم، و هو جواب الشرط و الجملة محكية بعد حتى" وَ أَضْعَفُ جُنْداً" أي فئة و أنصارا قابل به" أَحْسَنُ نَدِيًّا" من حيث أن حسن النادي باجتماع وجوه القوم و أعيانهم لظهور شوكتهم و استظهارهم. " وَ يَزِيدُ اللّٰهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً" عطف على الشرطية المحكية بعد القول، كأنه لما بين أن إمهال الكافر في تمتعه بالحياة الدنيا ليس لفضله، أراد بيان أن قصور حظ المؤمن منها ليس لمنقصة، بل لأن الله تعالى أراد به ما هو خير و عوض منه، و قيل: عطف على" فَلْيَمْدُدْ" لأنه في معنى الخبر، كأنه قيل: من كان في الضلالة يزيد الله في ضلاله و يزيد المقابل له هداية. " لٰا يَمْلِكُونَ الشَّفٰاعَةَ" هذا بعد قوله تعالى:" يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمٰنِ وَفْداً، وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً" قال البيضاوي، الضمير في" لٰا يَمْلِكُونَ" للعباد المدلول عليها بذكر القسمين" إِلّٰا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمٰنِ عَهْداً" أي إلا من تحلى بما يستعد و يستأهل أن يشفع للعصاة من الإيمان و العمل الصالح، على ما وعد الله، أو إلا من اتخذ من الله إذنا فيها كقوله:" لٰا تَنْفَعُ الشَّفٰاعَةُ إِلّٰا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمٰنُ" من قولهم عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به، و محله الرفع على البدل ضَلَالَتِهِمْ وَ طُغْيَانِهِمْ حَتَّى يَمُوتُوا فَيُصَيِّرُهُمُ اللَّهُ شَرّاً مَكَاناً وَ أَضْعَفَ جُنْداً قُلْتُ قَوْلُهُ حَتّٰى إِذٰا رَأَوْا مٰا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذٰابَ وَ إِمَّا السّٰاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكٰاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً قَالَ أَمَّا قَوْلُهُ حَتّٰى إِذٰا رَأَوْا مٰا يُوعَدُونَ فَهُوَ خُرُوجُ الْقَائِمِ وَ هُوَ السَّاعَةُ فَسَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَ مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ عَلَى يَدَيْ قَائِمِهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكٰاناً يَعْنِي عِنْدَ الْقَائِمِ وَ أَضْعَفُ جُنْداً قُلْتُ قَوْلُهُ- وَ يَزِيدُ اللّٰهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً قَالَ يَزِيدُهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ هُدًى عَلَى هُدًى بِاتِّبَاعِهِمُ الْقَائِمَ حَيْثُ لَا يَجْحَدُونَهُ من الضمير أو النصب على تقدير مضاف أي إلا شفاعة من اتخذ، أو على الاستثناء" سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمٰنُ وُدًّا" سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض منهم لأسبابها، و السين إما لأن السورة مكية و كانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة، فوعدوا ذلك إذا فشى الإسلام، أو لأن الموعود في القيامة حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد فينزع ما في صدورهم من الغل" فَإِنَّمٰا يَسَّرْنٰاهُ بِلِسٰانِكَ" بأن أنزلناه بلغتك" لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ" الصائرين إلى التقوى" وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا" أشداء الخصومة آخذين في كل لديد، أي شق من المراد، لفرط لجاجهم فبشر به و أنذر. أقول: و أما على تأويله (عليه السلام) فلعل المراد بالآيات الأئمة (عليهما السلام) أو الآيات النازلة فيهم، أو المعنى أنها شاملة لتلك الآيات أيضا و قوله:" الذين كفروا" المراد بهم الكافرون بالولاية أو شاملة لهم" تغييرا" مفعول له لقال، و الضمير للذين كفروا. و قال علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): الأثاث المتاع، و أما رئيا فالجمال و المنظر الحسن. قوله (عليه السلام)" حتى يموتوا" كأنه (عليه السلام) فسر العذاب بالعذاب النازل بهم بعد الموت، و الساعة بالرجعة في زمن القائم (عليه السلام)، أو بوصولهم إلى زمن القائم (عليه السلام) أو وَ لَا يُنْكِرُونَهُ قُلْتُ قَوْلُهُ لٰا يَمْلِكُونَ الشَّفٰاعَةَ إِلّٰا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمٰنِ عَهْداً قَالَ إِلَّا مَنْ دَانَ اللَّهَ بِوَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ فَهُوَ الْعَهْدُ عِنْدَ اللَّهِ قُلْتُ الأعم منهما، فإن كل ما ورد من الساعة و أمثالها في القرآن فظهرها القيامة و بطنها الرجعة، فإنها القيامة الصغرى و من مقدماتها، و لما ردد الله تعالى ما يوعدون بين العذاب و بين الساعة، و فرع سبحانه عليهما قوله:" فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكٰاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً" بين (عليه السلام) التفريع على كل منهما مفصلا فقال في التفريع على العذاب: حتى يموتوا فصيرهم الله شرا مكانا و أضعف جندا، و لما لم يذكر (عليه السلام) الشق الآخر أعاد السائل الآية ثانيا فبين (عليه السلام) الساعة بقوله: أما قوله" حَتّٰى إِذٰا رَأَوْا مٰا يُوعَدُونَ" فهو خروج القائم أي أحد شقي ما يوعدون خروجه (عليه السلام) لأنه (عليه السلام) بين الشق الآخر سابقا و لذا قال (عليه السلام): و هو الساعة ثم بين التفريع على هذا الشق بقوله: " فسيعلمون ذلك اليوم و ما نزل" و في بعض النسخ و ما ينزل و الظاهر أن الواو زيد من النساخ، و ذلك اليوم ظرف لقوله: سيعلمون، و قوله: ما ينزل مفعوله، و في بعض النسخ كذلك كما في تأويل الآيات نقلا عن الكليني، و على ما في أكثر النسخ فقوله: ذلك اليوم مفعول أي حقيقة ذلك اليوم، و قوله: و ما ينزل عطف تفسير له، أو يقدر ظرف قبل الموصول، أي و حين ما ينزل. " قال يزيدهم ذلك اليوم" أقول: لعل على تأويله (عليه السلام) يزيد عطف على يعلمون أي يزيد الله، قوله (عليه السلام):" إلا من دان" يحتمل أن يكون الاستثناء من الشافعين أو المشفوع لهم أو الأعم لأن قوله: لا يملكون الشفاعة يحتمل الوجوه الثلاثة، و حمله الطبرسي (ره) على الأخير حيث قال: أي لا يقدرون على الشفاعة فلا يشفعون و لا يشفع لهم حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض، لأن ملك الشفاعة على وجهين: أحدهما: أن يشفع للغير و الآخر: أن يستدعي الشفاعة من غيره لنفسه، فبين سبحانه أن هؤلاء الكفار لا تنفذ شفاعة غيرهم فيهم، و لا شفاعة لهم لغيرهم، ثم استثنى سبحانه قَوْلُهُ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمٰنُ وُدًّا قَالَ وَلَايَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هِيَ الْوُدُّ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْتُ- فَإِنَّمٰا يَسَّرْنٰاهُ بِلِسٰانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا قَالَ إِنَّمَا يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ حِينَ أَقَامَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)عَلَماً فَبَشَّرَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْذَرَ بِهِ الْكَافِرِينَ وَ هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ لُدًّا أَيْ كُفَّاراً قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ- لِتُنْذِرَ قَوْماً مٰا أُنْذِرَ آبٰاؤُهُمْ فَهُمْ غٰافِلُونَ قَالَ لِتُنْذِرَ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَنْتَ فِيهِمْ كَمَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ عَنِ اللَّهِ فقال" إِلّٰا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمٰنِ عَهْداً" أي لا يملك الشفاعة إلا هؤلاء، و قيل: لا يشفع إلا لهؤلاء، و العهد هو الإيمان و الإقرار بوحدانية الله تعالى و تصديق أنبيائه، و قيل هو شهادة أن لا إله إلا الله و أن يتبرأ إلى الله من الحول و القوة، و لا يرجو إلا الله عن ابن عباس، و قيل: معناه لا يشفع إلا من وعد له الرحمن بإطلاق الشفاعة كالأنبياء و الشهداء و العلماء و المؤمنين على ما ورد به الأخبار ثم روى رواية دالة على أنه عهد الوصية عند الموت بالعقائد الحقة و استدعاء النجاة من المخاوف. قوله (عليه السلام): هي الود، على تأويله (عليه السلام) يحتمل أن يكون المراد بالذين آمنوا الأئمة (عليهم السلام)، و تخصيص أمير المؤمنين (عليه السلام) بالذكر لأنه أفضلهم و أصلهم و الموجود في زمان نزول الآية، فالمعنى سيجعل الله لهم ودا في قلوب المؤمنين يودونهم و يتوالونهم و أن يكون المراد بالموصول المؤمنون فالمعنى سيجعل الله لهم ود أمير المؤمنين و الأئمة (عليهم السلام) و يفرضه عليهم أو يوفقهم، و كأنه يؤيد الأخير ما رواه علي بن إبراهيم قال: قال الصادق (عليه السلام): كان سبب نزول هذه الآية أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان جالسا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال له: قل يا علي: اللهم اجعل لي في قلوب المؤمنين ودا فأنزل الله:" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ" الآية. و قال الطبرسي (ره): قيل فيه أقوال، أحدها: أنها خاصة في أمير المؤمنين، فما من مؤمن إلا و في قلبه محبة لعلي (عليه السلام) عن ابن عباس، و في تفسير أبي حمزة الثمالي حدثني أبو جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لعلي: قل اللهم اجعل لي عندك عهدا، و اجعل لي في قلوب المؤمنين ودا، فقالهما علي (عليه السلام) فنزلت هذه الآية، و روى نحوه عن جابر بن عبد الله، و الثاني: أنها عامة في جميع المؤمنين، يجعل الله لهم المحبة و الألفة و المقة و المودة في قلوب الصالحين، قال الربيع بن أنس: إن الله إذا أحب مؤمنا قال لجبرئيل: إني أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبرئيل، ثم ينادي في السماء إن الله أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماوات ثم يوضع له قبول في أهل الأرض، و الثالث: معناه يجعل الله لهم محبة في قلوب أعدائهم و مخالفيهم ليدخلوا في دينهم، و يتعززوا بهم، و الرابع: أن معناه سيجعل لهم ودا في الآخرة فيحب بعضهم بعضا كمحبة الوالد ولده، و يؤيد الأول ما صح عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، و لو صببت الدنيا بجملتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني، و ذلك أنه قضى فانقضى على لسان النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال: لا يبغضك مؤمن و لا يحبك منافق. " إنما يسره الله على لسانه" الضمير للقرآن باعتبار الآيات النازلة فيه (عليه السلام) أو على هذا الضمير للود المفسر بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) و الأول أظهر، و تفسير اللد بالكفار لبيان أن شدة الخصومة في ولاية علي (عليه السلام) كفر. و قال تعالى:" يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْماً مٰا أُنْذِرَ آبٰاؤُهُمْ" قال البيضاوي: متعلق بتنزيل أو بمعنى لمن المرسلين ما أنذر آباؤهم قوما غير منذرين آباؤهم، يعني آباؤهم الأقربين لتطاول مدة الفترة فتكون صفة مبينة لشدة حاجتهم إلى إرساله أو الذي أنذر به، أو شيئا أنذر به آباؤهم الأبعدون، فيكون مفعولا ثانيا لتنذر، أو إنذار آبائهم على المصدر" فَهُمْ غٰافِلُونَ" متعلق بالنفي على الأول أي لم ينذروا فبقوا غافلين، وَ عَنْ رَسُولِهِ وَ عَنْ وَعِيدِهِ- لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلىٰ أَكْثَرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُقِرُّونَ بِوَلَايَةِ أَمِيرِ و بقوله: إنك لمن المرسلين، على الوجوه الأخر أي أرسلتك إليهم لتنذرهم فإنهم غافلون" لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلىٰ أَكْثَرِهِمْ" يعني قوله:" لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النّٰاسِ أَجْمَعِينَ" فَهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ، لأنهم ممن علم أنهم لا يؤمنون" إِنّٰا جَعَلْنٰا فِي أَعْنٰاقِهِمْ أَغْلٰالًا" تقرير لتصميمهم على الكفر و الطبع على قلوبهم بحيث لا يغني عنهم الآيات و النذر بتمثيلهم بالذين غلت أعناقهم فهي إلى الأذقان، فالأغلال واصلة إلى أذقانهم فلا يخلهم يطأطئون فهم مقمحون رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون لفت الحق و لا يعطفون أعناقهم نحوه و لا يطأطئون رؤوسهم له" وَ جَعَلْنٰا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا"، الآية و بمن أحاط بهم سدان فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم و وراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة، ممنوعون عن النظر في الآيات و الدلائل" وَ سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ" أي مستور عليهم إنذارك و عدمه، و الإنذار التخويف أريد به التخويف من عقاب الله، و إنما اقتصر عليه دون البشارة لأنه أوقع في القلب و أشد تأثيرا في النفس من حيث أن دفع الضر أهم من جلب النفع" لٰا يُؤْمِنُونَ" جملة مفسرة لإجمال ما قبلها فيما فيه الاستواء، فلا محل لها، أو حال مؤكدة أو بدل عنه. و الآية مما احتج به من جوز تكليف ما لا يطاق، و الحق أن التكليف بالممتنع لذاته و إن جاز عقلا لكنه غير واقع للاستقراء، و الإخبار بوقوع الشيء أو عدمه لا ينفي القدرة عليه كإخباره تعالى عما يفعله هو أو العبد باختياره و فائدة الإنذار بعد العلم بأنه لا ينجع إلزام الحجة و حيازة الرسول فضل الإبلاغ، و لذا قال:" سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ" و لم يقل: سواء عليك. و في الآية إخبار بالغيب على ما هو به إن أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهو من المعجزات. الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)وَ الْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ فَهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ بِإِمَامَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْأَوْصِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ فَلَمَّا لَمْ يُقِرُّوا كَانَتْ عُقُوبَتُهُمْ مَا ذَكَرَ اللَّهُ إِنّٰا جَعَلْنٰا فِي أَعْنٰاقِهِمْ أَغْلٰالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقٰانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ قَالَ- وَ جَعَلْنٰا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنٰاهُمْ فَهُمْ لٰا يُبْصِرُونَ عُقُوبَةً مِنْهُ لَهُمْ حَيْثُ أَنْكَرُوا وَلَايَةَ أَمِيرِ " إِنَّمٰا تُنْذِرُ" إنذارا يترتب عليه البغية المرومة" مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ" أي القرآن بالتأمل فيه و العمل به" وَ خَشِيَ الرَّحْمٰنَ بِالْغَيْبِ" و خاف عقابه قبل حلوله و معاينة أهواله أو في سريرته و لا يغتر برحمته، فإنه كما هو رحمن، منتقم قهار، انتهى. و على ما في الخبر" ما" في قوله: ما أنذر، مصدرية و يحتمل الموصولة و الموصوفة أيضا، و يحتمل أن يراد بالقول على هذا التأويل الوعيد بالقتل في الدنيا على يد القائم (عليه السلام)، و بعذاب النار في الآخرة، و التخصيص بالولاية إما لكونها الفرد الأهم أو هي مورد نزول الآيات. قوله:" في نار جهنم" ظاهره أن هذا ليس على التشبيه، بل هو بيان لعقوبتهم في نار الآخرة، و هو أحد الوجوه التي ذكرها المفسرون، قال الطبرسي (ره) بعد ذكر الوجه الذي ذكره البيضاوي: و ثانيها: أن المعنى كان هذا القرآن أغلال في أعناقهم يمنعهم عن الخضوع لاستماعه و تدبره لثقله عليهم، و ثالثها: أن المعنى بذلك ناس من قريش هموا بقتل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فغلت أيديهم إلى أعناقهم فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه يدا عن ابن عباس و السدي، و رابعها: أن المراد به وصف حالهم يوم القيامة فهو مثل قوله: إذ الأغلال في أعناقهم، و إنما ذكره بلفظ الماضي للتحقيق انتهى. و أما قوله (عليه السلام): عقوبة لهم، فيدل عليه أن قوله تعالى:" وَ جَعَلْنٰا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا" بيان لعقوبتهم في الدنيا، لكن يحتمل العقوبة الروحانية فيكون الكلام مبنيا على التشبيه كما مر، و الجسمانية كما ذكره بعض المفسرين، قال الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)وَ الْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ هَذَا فِي الدُّنْيَا وَ فِي الْآخِرَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ مُقْمَحُونَ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ وَ سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ وَ مَنْ بَعْدَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّمٰا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ خَشِيَ/ الطبرسي (قدس سره): هذا على أحد الوجهين تشبيه لهم بمن هذه صفته في إعراضهم عن الإيمان و قبول الحق، و ذلك عبارة عن خذلان الله إياهم لما كفروا فكأنه قال: " و تركناهم مخذولين" فصار ذلك من بين أيديهم سدا و من خلفهم سدا و إذا قلنا أنه وصف حالهم في الآخرة فالكلام على حقيقة، و يكون عبارة عن ضيق المكان في النار بحيث لا يجدون متقدما و لا متأخرا إذ سد عليهم جوانبهم، و إذا حملناه على صفة القوم الذين هموا بقتل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فالمراد جعلنا بين أيدي أولئك الكفار منعا، و من خلفهم منعا، حتى لم يبصروا النبي (صلى الله عليه و آله و سلم). و قوله:" فَأَغْشَيْنٰاهُمْ فَهُمْ لٰا يُبْصِرُونَ" أي أغشينا أبصارهم فهم لا يبصرون النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقد روي أن أبا جهل هم بقتله فكان إذا خرج بالليل لا يراه و يحول الله بينه و بينه، و قيل: فأغشيناهم، أي فأعميناهم فهم لا يبصرون الهدى، و قيل: فأغشيناهم بالعذاب فهم لا يبصرون في النار، و قيل: معناه أنهم لما انصرفوا عن الإيمان بالقرآن لزمهم ذلك حتى لم يكادوا يتخلصون منه بوجه كالمغلول و المسدود عليه طرقه، انتهى. و أقول: ظاهر الخبر حمل الجميع على العقوبات الروحانية المعنوية في الدنيا جزاء على تركهم الولاية، فإنهم لما تركوا ولاية أهل البيت (عليهم السلام) و والوا أعداءهم سدت عليهم أبواب العلوم و الحكم الربانية، فصاروا عميا حيارى لا يبصرون طرق الهدى و لا يميزون بين الحق و الباطل، و كل ذلك لخذلان الله تعالى إياهم بترك الولاية و الإعراض عنها، و فسر (عليه السلام) الذكر بأمير المؤمنين (عليه السلام) على المثال، و المراد جميع الأئمة (عليهم السلام)، فإنهم يذكرون الناس ما فيه صلاحهم من علوم التوحيد و المعاد و سائر المعارف و الشرائع و الأحكام" وَ خَشِيَ الرَّحْمٰنَ بِالْغَيْبِ" أي في حال الرَّحْمٰنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ يَا مُحَمَّدُ- بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ
الكافي — كتاب الحجة · بَابٌ فِيهِ نُكَتٌ وَ نُتَفٌ مِنَ التَّنْزِيلِ فِي الْوَلَايَةِ