الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي الْفَضْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي(عليه السلام)فَأَجْرَيْتُ اخْتِلَافَ الشِّيعَةِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَفَرِّداً بِوَحْدَانِيَّتِهِ ثُمَّ خَلَقَ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ فَمَكَثُوا أَلْفَ دَهْرٍ ثُمَّ خَلَقَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ فَأَشْهَدَهُمْ خَلْقَهَا وَ أَجْرَى بالروح روح القدس الذي يتعلق بهم عند النبوة و الإمامة" من أطاعك فقد أطاعني" لأن الله أمر بطاعته، أو لأنه لا يأمر إلا بما هو طاعة الله، أو للمبالغة تشريفا له (صلى الله عليه و آله و سلم). الحديث الخامس: ضعيف على المشهور. " فأجريت اختلاف الشيعة" أي في معرفة الأئمة (عليهم السلام) و أحوالهم و صفاتهم أو في اعتقادهم في عدد الأئمة عليهم، السلام، فإن الشيعة هم القائلون بإمامة علي (عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه و آله) بلا فاصلة، فمنهم ناووسية، و منهم زيدية و منهم فطحية و منهم واقفية إلى غير ذلك، و المحق منهم الإمامية و الأول أنسب بالجواب" متفردا بوحدانيته" إن كان متفردا بكونه واحدا لا شيء معه، فهو مبالغة في التفرد، أو الباء للملابسة أو سببية أي كان متفردا بالقدم بسبب أنه الواحد من جميع الجهات و لا يكون كذلك إلا الواجب بالذات، فلا بد من قدمه و حدوث ما سواه و يدل صريحا على حدوث العالم. و في القاموس: الدهر الزمان الطويل، و الأبد الممدود، و ألف سنة و تفتح الهاء. " فأشهدهم خلقها" أي خلقها بحضرتهم و هم يطلعون على أطوار الخلق و إسراره فلذا صاروا مستحقين للإمامة لعلمهم الكامل بالشرائع و الأحكام، و علل الخلق و علم الغيوب و أئمة الإمامية و كلهم موصوفون بتلك الصفات دون سائر الفرق فبه يبطل مذهبهم، فيتوجه الجواب علي الوجه الثاني أيضا. طَاعَتَهُمْ عَلَيْهَا وَ فَوَّضَ أُمُورَهَا إِلَيْهِمْ فَهُمْ يُحِلُّونَ مَا يَشَاءُونَ وَ يُحَرِّمُونَ مَا يَشَاءُونَ فإن قيل: كيف يستقيم هذا مع قوله تعالى:" مٰا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لٰا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ". قلنا لا ينافي ذلك بل يؤيده لأن الضمير في" مٰا أَشْهَدْتُهُمْ" راجع إلى الشيطان و ذريته أو إلى المشركين بدليل قوله تعالى:" وَ مٰا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً" فلا ينافي إشهاد الهادين للخلق، قال تعالى:" وَ إِذْ قُلْنٰا لِلْمَلٰائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلّٰا إِبْلِيسَ كٰانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِي وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّٰالِمِينَ بَدَلًا. مٰا أَشْهَدْتُهُمْ" إلخ. قال الطبرسي (ره) أي ما أحضرت إبليس و ذريته خلق السماوات و الأرض و لا خلق أنفسهم مستعينا بهم على ذلك، و لا استعنت بعضهم على خلق بعض، و هذا إخبار عن كمال قدرته و استغنائه عن الأنصار و الأعوان، و يدل عليه قوله:" وَ مٰا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً" أي الشياطين الذين يضلون الناس أعوانا يعضدونني عليه، و قيل: إن معنى الآية أنكم اتبعتم الشياطين كما يتبع من يكون عنده علم لا ينال إلا من جهته و أنا ما اطلعتهم على خلق السماوات و الأرض و لا على خلق أنفسهم، و لم أعطهم العلم بأنه كيف يخلق الأشياء فمن أين يتبعونهم؟ و قيل: معناه ما أحضرت مشركي العرب و هؤلاء الكفار خلق السماوات و الأرض و لا خلق أنفسهم أي و ما أحضرت بعضهم خلق بعض بل لم يكونوا موجودين فخلقتهم، فمن أين قالوا: إن الملائكة بنات الله؟ و من أين ادعوا ذلك، انتهى. " و أجرى طاعتهم عليها" أي أوجب على جميع الأشياء طاعتهم حتى الجمادات و السماويات و الأرضيات كشق القمر و إقبال الشجر و تسبيح الحصى و أمثالها مما لا يحصى كثرة. " و فوض أمورها إليهم" من التحليل و التحريم و العطاء و المنع و إن كان وَ لَنْ يَشَاءُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ الدِّيَانَةُ الَّتِي مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا مُحِقَ وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ خُذْهَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ ظاهره تفويض تدبيرها إليهم من الحركات و السكنات و الأرزاق و الأعمار و أشباهها، و لا ريب في أن كل ذلك يحصل بدعائهم و استدعائهم، و أما كون جميع ذلك منهم يشكل الحكم فيه نفيا و إثباتا و قد مر الكلام فيه في باب التفويض، و من يسلك مسلك الحكماء و يمكنه تصحيح ذلك بأنه لما كان العقل الفعال عندهم مدبرا للكائنات و يجعلونه مرتبطا بنفس النبي و أوصيائه (صلوات الله عليهم) ارتباط النفس بالبدن فالمراد بخلقهم خلق ذلك النور المتعلق بهم المشرق عليهم، و شهوده خلق الأشياء و تفويض الأمور إليه بزعمهم ظاهر، لكن تلك المقدمات موقوفة على أمور مخالفة للشريعة و الأصول المقررة فيها كما أومأنا إليه مرارا" فهم يحلون ما يشاءون" مبني على التفويض في الأحكام الذي مرت الإشارة إليه في بابه، و قيل: فوض أمورها إليهم، (إلخ) لبيان علمهم بجميع الأمور بحيث لا يتوقفون في شيء منها نظير قوله تعالى:" وَ يَفْعَلُ اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ" و قوله:" إِنَّ اللّٰهَ يَحْكُمُ مٰا يُرِيدُ" مع علمنا بأنه لا يجوز عليه أن يشاء أو يريد خلاف مقتضى المصلحة فإحلالهم و تحريمهم يستحيل أن يتعلق بشيء إلا بعد علمهم بإحلال الله و تحريمه، و هذا معنى قوله: " وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلّٰا أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ" و الاستثناء مفرغ، و أن مصدرية و المصدر نائب ظرف الزمان، و الديانة الاعتقاد المتعلق بأصول الدين" تقدمها" أي تجاوزها بالغلو" مرق" كنصر أي خرج من الإسلام، في الصحاح مرق إليهم من الرمية مروقا أي خرج من الجانب الآخر" محق" على المعلوم أي أبطل دينه، أو على المجهول أي بطل، في القاموس محقة كمنعه أبطله و محاه، انتهى. " لحق" كعلم أي كان مع أئمة الهدى (عليهم السلام) أو أدرك الحق" خذها إليك" أي احفظ تلك الديانة لنفسك.
الكافي — كتاب الحجة · بَابُ مَوْلِدِ النَّبِيِّ(ص)وَ وَفَاتِهِ