عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَأَلَ أَبُو بَصِيرٍ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)وَ أَنَا حَاضِرٌ " لقد وطئت" كعلمت أي وضعت قدمك و في تعليل التخلف به إشكال، و يمكن أن يوجه بوجوه: الأول: أن عدم وطي البشر مستلزم لعدم وطي الملك بناء على أن البشر أفضل منه، الثاني: أن المعنى لا ضرر عليك في الانفراد فلا تخف فإنك أفضل و أشرف من كل بشر، الثالث: أنه مع حصول هذه المنزلة الجليلة لا بد أن تصبر على مشقة الوحشة، الرابع: أن هذه المرتبة القصوى يلزمها التفرد و الوحشة عما سوى الله و ينبغي لصاحب تلك الدرجة أن يعرض عما سواه و لا يتوجه إلى غير محبوبة و مولاه. ثم أنه على أكثر الوجوه يشعر بتفضيل البشر على الملك بناء على أن جبرئيل (عليه السلام) أعظم الملائكة و أفضلها و قد اختلف المسلمون فيه، فذهب أكثر الأشاعرة إلى أن الأنبياء (عليهم السلام) أفضل من الملائكة و صرح بعضهم بأن عوام البشر من المؤمنين أفضل من عوام الملائكة، و خواص الملائكة أفضل من عوام البشر أي غير الأنبياء، و ذهب أكثر المعتزلة إلى أن الملائكة أفضل من جميع البشر، و لا خلاف بين الإمامية في أن الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) أفضل من جميع الملائكة، و ادعى الإجماع عليه جماعة منهم السيد المرتضى رضي الله عنه في الغرر و الدرر، و المفيد (قدس سره) في كتاب المقالات، و الصدوق طيب الله تربته في رسالة العقائد، و العلامة (ره) في بعض كتبه، و الأخبار في ذلك مستفيضة أوردتها في الكتاب الكبير، مع تأويل ما يوهم خلافه، و أما سائر المؤمنين ففي فضل كلهم أو بعضهم على جميع الملائكة أو بعضهم فلا يظهر شيء من ذلك من الآيات و الأخبار ظهورا بينا يمكن الحكم فيه بأحد الشقوق المذكورة أو نفيها فنحن فيها من المتوقفين. الحديث الثالث عشر: ضعيف. فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ كَمْ عُرِجَ بِرَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَقَالَ مَرَّتَيْنِ فَأَوْقَفَهُ جَبْرَئِيلُ مَوْقِفاً فَقَالَ لَهُ مَكَانَكَ يَا مُحَمَّدُ فَلَقَدْ وَقَفْتَ مَوْقِفاً مَا وَقَفَهُ مَلَكٌ قَطُّ وَ لَا نَبِيٌّ إِنَّ رَبَّكَ يُصَلِّي فَقَالَ يَا جَبْرَئِيلُ وَ كَيْفَ يُصَلِّي قَالَ يَقُولُ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ أَنَا رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّوحِ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي فَقَالَ اللَّهُمَّ عَفْوَكَ عَفْوَكَ قَالَ وَ كَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ قٰابَ " فقال مرتين" أقول: لا ينافي هذا ما رواه الصفار و الصدوق رضي الله عنهما في البصائر و الخصال بإسنادهما عن الصباح المزني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: عرج بالنبي (صلى الله عليه و آله) إلى السماء مائة و عشرين مرة، ما من مرة إلا و قد أوحى الله عز و جل فيها النبي (صلى الله عليه و آله) بالولاية لعلي و الأئمة (عليهم السلام) أكثر مما أوحاه بالفرائض، إذ يمكن أن تكون المرتان بمكة و البواقي بالمدينة، أو المرتان إلى العرش و الباقية إلى السماء، أو المرتان بالجسم و الباقية بالروح، و لعله أظهر أو المرتان ما أخبر بما جرى فيهما و الباقية ما لم يخبر بما جرى فيها" فأوقفه" يمكن أن يكون هذا قبل عروجه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى موقف تخلف عنه جبرئيل (عليه السلام)، أو كان جبرئيل يكلمه في مكانه و إن تخلف عنه لئلا ينافي الخبر السابق، أو يكون هذا في أحد المعراجين و ذاك في معراج آخر" مكانك" بالنصب أي ألزم مكانك و لا تبرح، و قيل: أوقفه أي أرشده إلى الوقوف و مكانك منصوب بالإغراء، أي أدرك مكانك، انتهى. " ما وقفه ملك" أي قبل ذلك و كان وقوفه ببركة رفاقته (عليهما السلام)، أو أنه حينئذ أيضا لم يكن واقفا في ذلك المكان كما مر" إن ربك يصلي" أي يترحم و يظهر رحمته على عباده، أو يصلي عليك بأن يكون المراد بالرحمة الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) كما مر في الأخبار، أو المعنى رحمتي عليك كما ورد في خبر آخر رواه السيد في كتاب اليقين" سبقت رحمتي غضبي" لك و لذريتك، و في النهاية في حديث الدعاء. سبوح قدوس يرويان بالضم و الفتح و الفتح أقيس و الضم أكثر استعمالا، و هو من أبنية المبالغة، و المراد بها التنزيه من النقائص، و قال أيضا: في أسماء الله تعالى: القدوس هو الطاهر المنزه عن العيوب و النقائص، و فعول بالضم من أبنية المبالغة و قد تفتح القاف و ليس قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنىٰ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَصِيرٍ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا قٰابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنىٰ قَالَ مَا بَيْنَ بالكثير و لم يجيء منه القدوس و سبوح و ذروح، انتهى. و هما هنا خبران لمبتدء محذوف، أي أنا سبوح، أو قوله أنا مبتدأ و رب منصوب باختصاص و قد مضى تفسير الروح مرارا" عفوك" منصوب بفعل محذوف أي أسأل أو أطلب أو مرفوع و خبره محذوف، أي مطلوبي و نحوه و التكرير للتأكيد" كما قال الله" أي في سورة النجم حيث قال:" عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوىٰ" قال البيضاوي: أي ملك شديد قواه و هو جبرئيل (عليه السلام)" ذُو مِرَّةٍ" أي حصافة في عقله و رأيه" فَاسْتَوىٰ" فاستقام علي صورته الحقيقة التي خلقه الله عليها، و قيل: استولى بقوته على ما جعل له من الأمر" وَ هُوَ" أي جبرئيل" بِالْأُفُقِ الْأَعْلىٰ" أفق السماء" ثُمَّ دَنٰا" من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)" فَتَدَلّٰى" فتعلق به، و هو تمثيل لعروجه بالرسول، و قيل: ثم تدلى من الأفق الأعلى فدنا من الرسول، فيكون إشعارا بأنه عرج به غير منفصل عن محله و تقريرا لشدة قوته، فإن التدلي استرسال مع تعلق" فَكٰانَ" جبرئيل من محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)" قٰابَ قَوْسَيْنِ" مقدارهما" أَوْ أَدْنىٰ" على تقدير كم بل كقوله: أو يزيدون، و المقصود تمثيل ملكة الاتصال و تحقيق استماعه لما أوحى إليه بنفي البعد الملبس" فَأَوْحىٰ" جبرئيل" إِلىٰ عَبْدِهِ" أي عبد الله و إضماره قبل الذكر لكونه معلوما" مٰا أَوْحىٰ" جبرئيل، و فيه تفخيم للموحى به أو الله إليه، و قيل: الضمائر كلها لله تعالى و هو المعنى بشديد القوي كما في قوله تعالى" هُوَ الرَّزّٰاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ" و دنوة منه برفع مكانته، و تدليه جذبه بشراشره إلى جناب القدس، انتهى. و قال الجوهري: تقول: بينهما قاب قوس، و قيب قوس، و قاد قوس، و قيد قوس أي قدر قوس، و القاب ما بين المقبض و السية و لكل قوس قابان، و قال بعضهم في قوله تعالى:" فَكٰانَ قٰابَ قَوْسَيْنِ" أراد قابي قوس فقلبه، و قال: سية القوس ما عطف من طرفيها و الجمع سيات و الهاء عوض من الواو، انتهى. سِيَتِهَا إِلَى رَأْسِهَا فَقَالَ كَانَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ يَتَلَأْلَأُ يَخْفِقُ وَ لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا وَ قَدْ قَالَ زَبَرْجَدٌ و ظاهر الخبر إرجاع الضمائر إلى الله تعالى، و في تفسير: قاب قوسين بما بين سيتها إلى رأسها خفاء إذ لا يوافق ما مر من التفاسير، و لعله كان إلى وسطها أو إلى مقبضها و حمله على أن المراد ابتداء السية إلى رأسها، أو حمل السية على محل العطف فقط فيكون تفسيرا للأدنى بعيد، و يمكن أن يقرأ رئاسها بكسر الراء ثم الهمزة ثم الألف فيكون بمعنى المقبض قال في القاموس: رئاس السيف بالكسر مقبضه أو قبيعته، انتهى. فيكون استعماله في القوس على التوسع إذ ظاهر الفيروزآبادي اختصاصه بالسيف و ضمير بينهما له (صلى الله عليه و آله و سلم) و للموضع الذي كان يسمع منه النداء أو له و لله سبحانه باعتبار أن سماع الصوت الذي يخلقه من هذا المكان أو المراد بالحجاب الحجاب المعنوي الذي بين الممكن و الواجب، يمنع الوصول إلى كنهه تعالى فما يعرفه من ذلك بوجه يناسب قابليته و استعداده كأنه حجاب بينه و بين الرب تعالى يقربه منه، لكن يمنع الوصول إلى كنه حقيقته فكأنه شعاع يحير أبصار القلوب كالبرق الخاطف يتلألأ. " يخفق" أي يتحرك و يضطرب قال في القاموس: خفقت الراية تخفق و تخفق اضطربت و تحركت و كذا السراب، و خفق النجم يخفق غاب، و فلان حرك رأسه إذا نعس، انتهى. " و لا أعلمه إلا و قد قال" الضمير لأبي عبد الله (عليه السلام) و الاستثناء مفرغ، و الواو حالية و الحاصل أني أظنه ذكر الزبرجد إما بدلا من الحجاب أو بعده بأن قال: بينهما حجاب زبرجد، لأن معرفة الممكن لما كان علما مخلوطا بنوع من الجهل فكأنه نور مخلوط بظلمة، و منهما يحصل اللون الزبرجدي، و بعبارة أخرى لما كان الوجوه المتصورة منه تعالى لغيره واجبا محفوفا باللوازم الإمكانية فهو كالزجاجة التي خلفها نور فيرى زبرجديا لكن يتلألأ أنوار المعرفة مع تزلزل و اضطراب و اختلاف أحوال فقد يزيد و قد ينقص و قد يغيب و قد يطلع إشارة إلى اختلاف أحوال المقربين في معرفته فَنَظَرَ فِي مِثْلِ سَمِّ الْإِبْرَةِ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ نُورِ الْعَظَمَةِ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَا مُحَمَّدُ قَالَ لَبَّيْكَ رَبِّي قَالَ مَنْ لِأُمَّتِكَ مِنْ بَعْدِكَ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ وَ قَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ قَالَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع- لِأَبِي بَصِيرٍ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ وَ اللَّهِ مَا جَاءَتْ وَلَايَةُ عَلِيٍّ(عليه السلام)مِنَ الْأَرْضِ وَ لَكِنْ جَاءَتْ مِنَ السَّمَاءِ مُشَافَهَةً سبحانه و قربهم و بعدهم و هجرهم و وصلهم. و" سم الإبرة" ثقبها، و هذا أيضا كأنه كناية عن قلة ما ظهر له (صلى الله عليه و آله و سلم) من معرفة ذاته و صفاته بالنسبة إليه سبحانه، و إن كان غاية طوق البشر كما أشار إليه بقوله: إلى ما شاء الله، و إن احتمل أن يكون المراد ظاهره بأن يكون الرب تعالى كشف من ذلك الحجاب له شيئا يسيرا حتى نظر إلى ما ورائه من أنوار العرش و الحجب و غرائب إسرارها، و الله يعلم و حججه (عليهم السلام) غرائب حكمهم و غوامض علومهم و أسرارهم. و القائد: الهادي في الدنيا إلى الحق و في الآخرة إلى الجنة، و قال في النهاية: المحجل: هو الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد و يجاوز الأرساغ و لا يجاوز الركبتين لأنها مواضع الأحجال و هي الخلاخيل و القيود، و لا يكون التحجيل باليد و اليدين ما لم يكن معها رجل أو رجلان، و منه الحديث: أمتي الغر المحجلون أي بيض مواضع الوضوء من الأيدي و الأقدام، استعار أثر الوضوء في الوجه و اليدين و الرجلين للإنسان من البياض الذي يكون في وجه الفرس و يديه و رجليه، انتهى. " مشافهة" أي بدون توسط ملك. فائدة مهمة اعلم أن هذين الخبرين من الأخبار الدلالة على معراج النبي (صلى الله عليه و آله) و الآيات المتكثرة و الأخبار المتواترة من طرق الخاصة و العامة دالة عليه، و قد روي عن الصادق (عليه السلام): ليس من شيعتنا من أنكر أربعة أشياء: المعراج، و المساءلة في القبر، و خلق الجنة و النار، و الشفاعة، و عن الرضا (عليه السلام): من كذب بالمعراج فقد كذب رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و الآيات مع الأخبار تدل على عروجه (صلى الله عليه و آله) إلى بيت المقدس ثم منه إلى السماء في ليلة واحدة بجسده الشريف، و إنكار ذلك أو تأويله بالمعراج الروحاني أو بكونه في المنام ينشأ إما من قلة التتبع في آثار الأئمة الطاهرين أو من فقد التدين و ضعف اليقين، أو الانخداع بتسويلات المتفلسفين، و الأخبار الواردة في هذا المطلب لا أظن مثلها ورد في شيء من أصول المذهب، فما أدري ما الباعث على قبول تلك الأصول و ادعاء العلم فيها و التوقف في هذا المقصد الأسنى، فبالحري أن يقال لهم: أ فتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض؟! أما اعتذارهم بعدم قبول الفلك للخرق و الالتئام فلا يخفى على أولي الأفهام أن ما تمسكوا به في ذلك ليس إلا من شبهات الأوهام، مع أن شبهتهم على تقدير كونها برهانا إنما يدل على عدم جوازهما في الفلك المحيط بجميع الأجسام و القول بالمعراج لا يستلزمه، و لو كانت أمثال تلك الشكوك و الشبهات مانعة عن قبول ما ثبت بالمتواترات لجاز التوقف في جميع ما صار في الدين من الضروريات و إني لأعجب من بعض متأخري أصحابنا كيف أصابهم الوهن في أمثال ذلك مع أن مخالفيهم مع قلة أخبارهم و ندرة آثارهم بالنظر إليهم و عدم تدينهم لم يجوزوا ردها و لم يرخصوا في تأويلها، و هم مع كونهم من أتباع الأئمة الأطهار و عندهم أضعاف ما عند مخالفيهم من صحيح الآثار يقتفون آثار شر ذمة من سفهاء المخالفين و يذكرون أقوالهم بين أقوال الشيعة المتدينين، أعاذنا الله و سائر المؤمنين من تسويلات المضلين. قال شارح المقاصد: قد ثبت معراج النبي (صلى الله عليه و آله) بالكتاب و السنة و إجماع الأمة إلا أن الخلاف في أنه في المنام أو في اليقظة، و بالروح فقط أو الجسد، و إلى المسجد الأقصى فقط أو إلى السماء، و الحق أنه في اليقظة بالجسد إلى المسجد الأقصى بشهادة الكتاب و إجماع القرن الثاني، و من بعده إلى السماء بالأحاديث المشهورة و المنكر مبتدع، ثم إلى الجنة و العرش أو إلى طرف العالم على اختلاف الآراء بخبر الواحد و قد اشتهر أنه نعت لقريش المسجد الأقصى على ما هو عليه، و أخبرهم بحال عيرهم فكان على ما أخبر، و بما رأي في السماء من العجائب و بما شاهد من أحوال الأنبياء على ما هو مذكور في كتب الحديث. لنا أنه أمر ممكن أخبر به الصادق، و دليل الإمكان تماثل الأجسام فيجوز الخرق على السماء كالأرض و عروج الإنسان، و أما عدم دليل الامتناع فإنه لا يلزم من فرض وقوعه محال، و أيضا لو كان دعوى النبي (صلى الله عليه و آله) المعراج في المنام أو بالروح لما أنكره الكفرة غاية الإنكار، و لم يرتد بعض من أسلم ترددا منه في صدق النبي (صلى الله عليه و آله و سلم). و تمسك المخالف بما روي عن عائشة أنها قالت: و الله ما فقد جسد محمد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و عن معاوية أنها كانت رؤيا صالحة، و أنت خبير بأنه على تقدير صحته لا يصلح حجة في مقابلة ما ورد من الأحاديث و أقوال كبار الصحابة و إجماع القرون اللاحقة انتهى. و بالغ إمامهم الرازي في تفسيره في إثبات إمكانه بدلائل، منها: أن الفلك الأعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدور، و قد ثبت في الهندسة أن نسبة القطر إلى الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة و سبع، فيلزم أن يكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور كذلك، و بتقدير أن يقال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم فهو لم يتحرك إلا مقدار نصف القطر، فلما حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور كان حصول الحركة بمقدار نصف القطر أولى بالإمكان، فهذا برهان قاطع على أن الارتفاع من مكة إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث الليل أمر ممكن في نفسه، و إذا كان كذلك كان حصوله في كل الليل أولى بالإمكان، و أيضا قد ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة و ستين مرة و كذا مرة، ثم أنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع، و ذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه، و أيضا كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان القول بمراجعة في الليلة الواحدة ممتنعا في العقول كان القول بنزول جبرئيل فإن كان القول بمعراجه في الليلة الواحدة ممتنعا في العقول كان القول بنزول جبرئيل من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا، و لو حكمنا بهذا الامتناع كان طعنا في نبوة جميع الأنبياء (عليهم السلام) و القول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة، فلما كانت هذه الحركة ممكنة الوجود في نفسها وجب أن لا يكون حصولها في جسد محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) ممتنعا، لأنا قد بينا أن الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها، فلما صح حصول مثل الحركة في حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام. فيلزم من مجموع هذه المقدمات أن هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه، أقصى ما في الباب أنه يبقى التعجب، إلا أن هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام بل هو حاصل في جميع المعجزات، كانقلاب العصا ثعبانا يبتلع سبعين ألف حبل من الحبال و العصي، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب، و كذا سائر المعجزات. و أما وقوعه فقد قال أهل التحقيق: الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و جسده من مكة إلى المسجد الأقصى القرآن و الخبر، أما القرآن فهو قوله تعالى:" سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى" و العبد اسم للجسد و الروح، فيجب أن يكون الإسراء حاصلا بجميع الجسد و الروح و أما الخبر فهو الحديث المروي في الصحاح و هو مشهور، و هو يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس، ثم منه إلى السماوات، انتهى ملخص كلامه. و قال شيخ الطائفة (قدس الله روحه) في التبيان: و عند أصحابنا و عند أكثر أهل التأويل و ذكر الجبائي أيضا أنه عرج به في تلك الليلة إلى السماوات حتى بلغ سدرة المنتهى في السماء السابعة، و أراه الله من آيات السماوات و الأرض ما ازداد به معرفة
الكافي — كتاب الحجة · بَابُ مَوْلِدِ النَّبِيِّ(ص)وَ وَفَاتِهِ