الأقسامالكافيكتاب الحجة
الكافي · رقم ٢٥

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام لَمَّا أَنْ وَجَّهَ صَاحِبُ الْحَبَشَةِ بِالْخَيْلِ وَ مَعَهُمُ الْفِيلُ لِيَهْدِمَ الْبَيْتَ مَرُّوا بِإِبِلٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَسَاقُوهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فَأَتَى صَاحِبَ الْحَبَشَةِ فَدَخَلَ الْآذِنُ فَقَالَ هَذَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ وَ مَا يَشَاءُ قَالَ التَّرْجُمَانُ جَاءَ فِي إِبِلٍ لَهُ سَاقُوهَا يَسْأَلُكَ رَدَّهَا فَقَالَ مَلِكُ الْحَبَشَةِ لِأَصْحَابِهِ هَذَا رَئِيسُ قَوْمٍ وَ زَعِيمُهُمْ جِئْتُ إِلَى بَيْتِهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ لِأَهْدِمَهُ وَ هُوَ يَسْأَلُنِي إِطْلَاقَ إِبِلِهِ أَمَا لَوْ سَأَلَنِيَ الْإِمْسَاكَ عَنْ هَدْمِهِ لَفَعَلْتُ رُدُّوا عَلَيْهِ إِبِلَهُ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِتَرْجُمَانِهِ مَا قَالَ لَكَ الْمَلِكُ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ وَ لِهَذَا الْبَيْتِ رَبٌّ يَمْنَعُهُ فَرُدَّتْ إِلَيْهِ إِبِلُهُ وَ انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ نَحْوَ مَنْزِلِهِ فَمَرَّ بِالْفِيلِ فِي مُنْصَرَفِهِ فَقَالَ لِلْفِيلِ يَا مَحْمُودُ فَحَرَّكَ الْفِيلُ رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ أَ تَدْرِي لِمَ جَاءُوا بِكَ فَقَالَ الْفِيلُ بِرَأْسِهِ لَا فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ جَاءُوا بِكَ لِتَهْدِمَ بَيْتَ رَبِّكَ أَ فَتُرَاكَ فَاعِلَ ذَلِكَ فَقَالَ بِرَأْسِهِ لَا فَانْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا بِهِ الحديث الخامس و العشرون: مجهول. " لما أن وجه" قيل: أن زائدة لتأكيد اتصال جواب لما بمدخولها، أي أمر بالتوجه، و الحبشة جنس من السودان، و يطلق على بلادهم أيضا" بالخيل" أي الفرسان و الباء زائدة، أو المفعول مقدر أي وجه قائدا و هو ابن الصباح بالخيل فالباء للمصاحبة و يمكن أن يقرأ وجه على بناء المجهول، فالمراد بصاحب الحبشة أبرهة" ليهدم" أي الفيل أو الصاحب، و الإبل اسم الجمع، و على المشهور كانت مائتين" فدخل الآذن" أي الحاجب الذي يطلب الإذن للناس و يأذنهم للدخول، و في القاموس: الترجمان كعنفوان و زعفران و ريهقان المفسر للسان، و قال: الزعيم الكفيل، و سيد القوم و رئيسهم، أو المتكلم عنهم، و الزعامة الشرف و الرئاسة" في إبل" كلمة في للتعليل. " في منصرفه" مصدر ميمي أو اسم مكان، و محمود: اسم الفيل و حركة الرأس إجابة" غدوا به" أي بكروا، و الباء للتعدية أو للمصاحبة، و الضمير للفيل" أجمع" لِدُخُولِ الْحَرَمِ فَأَبَى وَ امْتَنَعَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِبَعْضِ مَوَالِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ اعْلُ الْجَبَلَ فَانْظُرْ تَرَى شَيْئاً فَقَالَ أَرَى سَوَاداً مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ فَقَالَ لَهُ يُصِيبُهُ بَصَرُكَ أَجْمَعَ فَقَالَ لَهُ لَا وَ لَأَوْشَكَ أَنْ يُصِيبَ فَلَمَّا أَنْ قَرُبَ قَالَ هُوَ طَيْرٌ كَثِيرٌ وَ لَا أَعْرِفُهُ يَحْمِلُ كُلُّ طَيْرٍ فِي مِنْقَارِهِ حَصَاةً مِثْلَ حَصَاةِ الْخَذْفِ أَوْ دُونَ حَصَاةِ الْخَذْفِ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ رَبِّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَا تُرِيدُ إِلَّا الْقَوْمَ حَتَّى لَمَّا صَارُوا فَوْقَ رُءُوسِهِمْ أَجْمَعَ أَلْقَتِ الْحَصَاةَ فَوَقَعَتْ كُلُّ حَصَاةٍ عَلَى هَامَةِ رَجُلٍ فَخَرَجَتْ مِنْ دُبُرِهِ فَقَتَلَتْهُ فَمَا انْفَلَتَ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ يُخْبِرُ النَّاسَ فَلَمَّا أَنْ أَخْبَرَهُمْ أَلْقَتْ عَلَيْهِ حَصَاةً فَقَتَلَتْهُ تأكيد لضمير يصيبه. " و لا أعرفه" أي لا أعرف أي جنس هو من أجناس الطير لأنه لم يكن من جنس الطيور المعروفة، و الخذف: رمي الحصاة و نحوها بطرفي إصبعين و" أو" للترديد لعدم تبينه لبعد المسافة أو للتقسيم أي بعضها هكذا و بعضها هكذا،" ألقت" أي الطير و التأنيث باعتبار الجمعية، و قد يذكر و قد يؤنث و في القاموس: الطير جمع طائر و قد يقع على الواحد، و قال في المصباح: الطير جمع الطائر كصاحب و صحب، و جمع الطير طيور و أطيار، و قال أبو عبيدة و قطرب: يقع الطير على الواحد و الجمع، و قال ابن الأنباري: الطير جماعة و تأنيثها أكثر من التذكير، و الناس عبارة عن صاحب الحبشة و أصحابه و قيل: ضمير ألقت للطير نظير" فَنٰادَتْهُ الْمَلٰائِكَةُ" مع أن المنادي واحد. أقول: و قال الطبرسي (ره) في مجمع البيان: أجمعت الرواة على أن مالك اليمن الذي قصد هدم الكعبة هو أبرهة بن الصباح، و قيل: أن كنيته أبو يكسوم قال الواقدي: هو صاحب النجاشي جد النجاشي الذي كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و قال محمد بن إسحاق: أقبل تبع حتى نزل على المدينة فنزل بوادي قبا، فحفر بها بئرا تدعى اليوم ببئر الملك، قال: و بالمدينة إذ ذاك يهود الأوس و الخزرج، فقاتلوه و جعلوا يقاتلونه بالنهار فإذا أمسى أرسلوا إليه بالضيافة، فاستحيى و أراد صلحهم فخرج إليه رجل من الأوس يقال له: أحيحة بن الجلاح و خرج إليه من اليهود بنيامين القرطبي فقال له أحيحة: أيها الملك نحن قومك، و قال له بنيامين: هذه بلدة لا تقدر أن تدخلها و لو جهدت، قال: و لم؟ قال: لأنها منزل نبي من الأنبياء يبعثه الله من قريش. قال: ثم خرج يسير حتى إذا كان من مكة على ليلتين بعث الله عليه ريحا قصفت يديه و رجليه و شنجت جسده فأرسل إلى من معه من اليهود فقال: ويحكم ما هذا الذي أصابني؟ قالوا: حدثت نفسك بشيء؟ قال: نعم، و ذكر ما أجمع عليه من هدم البيت و إصابة ما فيه قالوا: ذاك بيت الله الحرام، و من أراده هلك، قال: ويحكم و ما المخرج مما دخلت فيه؟ قالوا: تحدث نفسك بأن تطوف و تكسوه و تهدي له، فحدث نفسه بذلك فأطلقه الله، ثم سار حتى دخل مكة فطاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة و كسى البيت. و ذكر الحديث في نحره بمكة و إطعامه الناس ثم رجوعه إلى اليمن و قتله و خروج ابنه إلى قيصر و استعانته به فيما فعل قومه بأبيه، و أن قيصرا كتب له إلى النجاشي ملك الحبشة و أن النجاشي بعث معه ستين ألفا و استعمل عليهم روزبه حتى قاتلوا حمير قتلة أبيه، و دخلوا صنعاء فملكوها و ملكوا اليمن، و كان في أصحاب روزبه رجل يقال له أبرهة و هو أبو يكسوم، فقال لروزبه: أنا أولى بهذا الأمر منك و قتله مكرا و أرضى النجاشي. ثم أنه بني كعبة باليمين و جعل فيها قبابا من ذهب و أمر أهل مملكته بالحج إليها يضاهي بذلك البيت الحرام، و أن رجلا من بني كناية خرج حتى قدم اليمن فنظر إليها ثم قعد فيها يعني لحاجة الإنسان فدخلها أبرهة، فوجد تلك العذرة فيها فقال: من اجترأ علي بهذا؟ و نصرانيتي لأهدمن ذلك البيت حتى لا يحجه حاج أبدا، فدعا بالفيل و أذن في قومه بالخروج و من اتبعه من أهل اليمن و كان أكثر من تبعه منهم عك و الأشعريون و خثعم. قال: ثم خرج يسير حتى إذا كان ببعض طريقه بعث رجلا من بني سليم ليدعو الناس إلى حج بيته الذي بناه فتلقاه رجل من الحمس من بني كنانة فقتله فازداد بذلك حنقا و أحث السير و الانطلاق، و طلب من أهل الطائف دليلا فبعثوا معه رجلا من هذيل يقال له نفيل، فخرج بهم يهديهم حتى إذا كانوا بالمغمس نزلوا و هو من مكة على ستة أميال، فبعثوا مقدماتهم إلى مكة فخرجت قريش عباديد في رؤوس الجبال و قالوا: لا طاقة لنا اليوم بقتال هؤلاء القوم، و لم يبق بمكة غير عبد المطلب بن هاشم أقام على سقايته و غير شيبة بن عثمان بن عبد الدار أقام على حجابة البيت، فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادتي الباب ثم يقول: لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك لا يغلبوا بصليبهم و محالهم عدوا محالك إن يغلبوا البيت الحرام إذا فأمر ما بدا لك ثم إن مقدمات أبرهة أصابت نعما لقريش فأصابت فيها مائتي بعير لعبد المطلب ابن هاشم، فلما بلغه ذلك خرج حتى أتى القوم و كان حاجب أبرهة رجلا من الأشعريين و كانت له بعبد المطلب معرفة، فاستأذن له على الملك و قال له: أيها الملك جاءك سيد قريش الذي يطعم أنسها في الحي و وحشها في الجبل، فقال: ائذن له، و كان عبد المطلب رجلا جسميا جميلا، فلما رآه أبو يكسوم أجله أن يجلسه تحته و كره أن يجلسه معه على سريره، فنزل من سريره فجلس على الأرض و أجلس عبد المطلب معه ثم قال: ما حاجتك؟ قال: حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدمتك، فقال أبو يكسوم: و الله لقد رأيتك فأعجبتني، ثم تكلمت فزهدت فيك فقال: و لم أيها الملك قال: لأني جئت إلى بيت عزكم و منعتكم من العرب و فضلكم في الناس و شرفكم عليهم و دينكم الذي تعبدون، فجئت لأكسره و أصيبت لك مائتا بعير فسألتك عن حاجتك فكلمتني في إبلك و لم تطلب إلى في بيتكم؟ فقال عبد المطلب: أيها الملك إنما أكلمك فيما لي و لهذا البيت رب هو يمنعه، لست أنا منه في شيء، فراع ذلك أبا يكسوم و أمر برد إبل عبد المطلب عليه. ثم رجع و أمست ليلتهم تلك الليلة كالحة نجومها كأنها تكلمهم كلاما لاقترابها منهم، فأحست نفوسهم بالعذاب، و خرج دليلهم حتى دخل الحرم و تركهم و قام الأشعريون و خثعم و كسروا رماحهم و سيوفهم و برأوا إلى الله أن يعينوا على هدم البيت فباتوا كذلك بأخبث ليلة، ثم أدلجوا بسحر فبعثوا فيلهم يريدون أن يصبحوا بمكة فوجهوه إلى مكة فربض فضربوه فتمرغ فلم يزالوا كذلك حتى كادوا أن يصبحوا، ثم إنهم أقبلوا على الفيل فقالوا: لك الله أن لا نوجهك إلى مكة فانبعث فوجهوه إلى اليمن راجعا فتوجه يهرول فعطفوه حين رأوه منطلقا حتى إذا ردوه إلى مكانه الأول ربض، فلما رأوا ذلك عادوا إلى القسم فلم يزالوا كذلك يعالجونه حتى إذا كان مع طلوع الشمس طلعت عليهم الطير معها الحجارة فجعلت ترميهم، و كل طائر في منقاره حجر و في رجليه حجران و إذا رمت بتلك مضت و طلعت أخرى فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطن إلا خرقه و لا عظم إلا أوهاه و ثقبه و ثاب أبو يكسوم راجعا قد أصابته بعض الحجارة، فجعل كلما قدم أرضا انقطع له فيها إرب حتى إذا انتهى إلى اليمن لم يبق شيء إلا أباده فلما قدمها انصدع صدره و انشق بطنه فهلك، و لم يصب من خثعم و الأشعريين أحد. قال و كان عبد المطلب يرتجز و يدعو على الحبشة يقول: يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع عنهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا إنهم لم يقهروا قواكا قال: و لم تصب تلك الحجارة أحدا إلا هلك، و ليس كل القوم أصابت و خرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا و يسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق. و قال مقاتل: السبب الذي جر أصحاب الفيل إلى مكة هو أن فئة من قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي، فساروا حتى دنوا من ساحل البحر و في حقف من أحقافها بيعة للنصارى تسميها قريش الهيكل و يسميها النجاشي و أهل أرضه ماسرخشان، فنزل القوم فجمعوا حطبا ثم أججوا نارا فاشتووا لحما فلما ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف، فذهبت الرياح بالنار فاضطرم الهيكل نارا، فغضب النجاشي لذلك فبعث أبرهة لهدم الكعبة. و روي العياشي بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أرسل الله على أهل الفيل طيرا مثل الخطاف أو نحوه، في منقاره حجر مثل العدسة فكان يحاذي برأس الرجل فيرميه بالحجر، فيخرج من دبره، فلم تنزل بهم حتى أتت عليهم، قال: فأفلت رجل منهم فجعل يخبر الناس بالقصة فبينا هو يخبرهم إذ أبصر طيرا منها فقال: مثل هذا هو منها، قال: فحاذى به فطرحه على رأسه فخرج من دبره. و قال عبيد بن عمير: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا نشأت من البحر كأنها الخطاطيف، كل طير منها معه ثلاثة أحجار، ثم جاءت حتى صفت على رؤوسهم ثم صاحت و ألقت ما في أرجلها و مناقيرها، فما من حجر وقع منها على رجل إلا خرج من الجانب الآخر، إن وقع على رأسه خرج من دبره و إن وقع على شيء من جسده خرج من الجانب الآخر. و عن ابن عباس قال: دعا الله الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سودا عليها الطين فلما حاذت بهم رمتهم فما بقي أحد منهم إلا أخذته الحكة فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه، قال: و كانت الطير نشأت من قبل البحر لها خراطيم الطيور و رؤوس السباع، لم تر قبل ذلك و لا بعده. و روي الشيخ المفيد (ره) في مجالسه بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: لما قصد أبرهة بن الصباح ملك الحبشة لهدم البيت تسرعت الحبشة فأغاروا عليها فأخذوا سرحا لعبد المطلب بن هاشم، فجاء عبد المطلب إلى الملك فاستأذن عليه فأذن له و هو في قبة ديباج على سرير له، فسلم عليه فرد أبرهة السلام و جعل ينظر في وجهه، فراقه حسنه و جماله و هيئته، فقال له: هل كان في آبائك مثل هذا النور الذي أراه لك و الجمال؟ قال: نعم أيها الملك كل آبائي كان لهم هذا الجمال و النور و البهاء، فقال له أبرهة: لقد فقتم فخرا و شرفا و يحق لك أن تكون سيد قومك ثم أجلسه معه على سريره و قال لسائس فيله الأعظم- و كان فيلا أبيضا عظيم الخلق، له نابان مرصعان بأنواع الدر و الجواهر، و كان الملك يباهي به ملوك الأرض- ائتني به، فجاء به سائسه و قد زين بكل زينة حسنة فحين قابل وجه عبد المطلب سجد له و لم يكن يسجد لملكه، و أطلق الله لسانه بالعربية فسلم على عبد المطلب، فلما رأى الملك ذلك ارتاع له و ظنه سحرا فقال: ردوا الفيل إلى مكانه، ثم قال لعبد المطلب: فيم جئت فقد بلغني سخاؤك و كرمك و فضلك؟ و رأيت من هيبتك و جمالك و جلالك ما يقتضي أن أنظر في حاجتك فسلني ما شئت، و هو يرى أنه يسأله في الرجوع عن مكة، فقال عبد المطلب: إن أصحابك عدوا على سرح لي فذهبوا به، فمرهم برده علي، قال: فتغيظ الحبشي من ذلك و قال لعبد المطلب: لقد سقطت من عيني، جئتني تسألني في سرحك و أنا قد جئت لهدم شرفك و شرف قومك و مكرمتكم التي تتميزون بها من كل جيل، و هو البيت الذي يحج إليه من كل صقع في الأرض، فتركت مسألتي في ذلك و سألتني في سرحك؟ فقال له عبد المطلب: لست برب البيت الذي قصدت لهدمه، و أنا رب سرحي الذي أخذه أصحابك فجئت أسألك فيما أنا ربه و للبيت رب هو أمنع له من الخلق كلهم و أولى به منهم، فقال الملك: ردوا عليه سرحه و انصرف إلى مكة و أتبعه الملك بالفيل الأعظم مع الجيش لهدم البيت، فكانوا إذا حملوه على دخول الحرم أناخ، و إذا تركوه رجع مهرولا، فقال عبد المطلب لغلمانه: ادعوا لي ابني فجيء بالعباس، فقال: ليس هذا أريد، ادعوا لي ابني فجيء بأبي طالب، فقال: ليس هذا أريد ادعوا لي ابني فجيء بعبد الله أب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، فلما أقبل إليه قال: اذهب يا بني حتى تصعد أبا قبيس ثم اضرب ببصرك ناحية البحر فانظر أي شيء يجيء من هناك و خبرني به قال: فصعد عبد الله أبا قبيس فما لبث أن جاء طير أبابيل مثل السيل و الليل، فسقط على أبي قبيس ثم صار إلى البيت فطاف سبعا ثم صار إلى الصفا و المروة فطاف بهما سبعا. فجاء عبد الله إلى أبيه فأخبره الخبر فقال: انظر يا بني ما يكون من أمرها بعد فأخبرني به، فنظرها فإذا هي قد أخذت نحو عسكر الحبشة فأخبر عبد المطلب بذلك، فخرج عبد المطلب و هو يقول: يا أهل مكة اخرجوا إلى العسكر فخذوا غنائمكم. قال: فأتوا العسكر و هم أمثال الخشب النخرة و ليس من الطير إلا ما معه ثلاثة أحجار في منقاره و يديه يقتل بكل حصاة منها واحدا من القوم، فلما أتوا على جميعهم انصرف الطير فلم ير قبل ذلك اليوم و لا بعده، فلما أهلك القوم بأجمعهم جاء عبد المطلب إلى البيت فتعلق بأستاره و قال: يا حابس الفيل بذي المغمس حبسته كأنه مكوس في مجلس تزهق فيه الأنفس فانصرف و هو يقول في فرار قريش و جزعهم من الحبشة: طارت قريش إذ رأت خميسا فظلت فردا لا أرى أنيسا و لا أحس منهم حسيسا إلا أخا لي ماجدا نفسيا مسودا في أهله رئيسا و روي الشيخ أبو الفتح الكراجكي (قدس سره) في كنز الفوائد بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام): قال لما ظهرت الحبشة باليمن وجه يكسوم ملك الحبشة بقائدين من قوادة يقال لأحدهما أبرهة و الآخر أرباط في عشرة من الفيلة كل فيل في عشرة آلاف لهدم بيت الله الحرام، فلما صاروا ببعض الطريق وقع بأسهم بينهم و اختلفوا، فقتل أبرهة أرباط و استولى على الجيش فلما قارب مكة طرد أصحابه عير عبد المطلب بن هاشم فصار عبد المطلب إلى أبرهة و المستولي عليه ابن داية لعبد المطلب، فقال الترجمان لأبرهة: هذا سيد العرب و ديانها فأجله و أعظمه ثم قال لكاتبه: سله ما حاجته؟ فسأله فقال: إن أصحاب الملك طردوا لي نعما، فأمر بردها ثم أقبل على الترجمان فقال قل له: عجبا لقوم سودوك و رأسوك عليهم حيث جئت تسألني في عيرك و قد جئت لأهدم شرفك و مجدك، و لو سألتني الرجوع عنه لفعلت فقال: أيها الملك إن هذه العير لي و أنا ربها فسألتك إطلاقها و إن لهذه البنية ربا يدفع عنها، قال: فإني غاد لهدمها حتى أنظر ما ذا يفعل، فلما انصرف عبد المطلب رحل أبرهة بجيشه فإذا هاتف يهتف في السحر الأكبر: يا أهل مكة أتاكم أهل عكة بجحفل جرار يملأ الاندار ملء الجفار فعليهم لعنة الجبار، فأنشأ عبد المطلب يقول: أيها الداعي لقد أسمعتني كل ما قلت و مآبي من صمم إن للبيت لربا مانعا من يرده بآثام يصطلم رامه تبع في أجناده حمير و الحي من آل إرم هلكت بالبغي فيهم جرهم بعد طسم و جديس و حشم و كذلك الأمر في من كاده ليس أمر الله بالأمر الأمم نحن آل الله فيما قد خلا لم يزل ذاك على عهد أبرهم نعرف الله و فينا شيمة صلة الرحم و نوفي بالذمم لم يزل لله فينا حجة يدفع الله بها عنها النقم و لنا في كل دور كرة نعرف الدين و طورا في العجم

الكافي — كتاب الحجة · بَابُ مَوْلِدِ النَّبِيِّ(ص)وَ وَفَاتِهِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.