عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ رِفَاعَةَ فإذا ما بلغ الدور إلى منتهى الوقت أتى الطين فدم بكتاب فصلت آياته فيه تبيان أحاديث الأمم فلما أصبح عبد المطلب جمع بينه و أرسل الحارث ابنه الأكبر إلى أعلى أبي قبيس فقال: انظر يا بني ما ذا يأتيك من قبل البحر فرجع فلم ير شيئا فأرسل واحدا بعد واحد من ولده و لم يأته أحد منهم عن البحر بخبر، فدعا عبد الله و إنه لغلام حين أيفع و عليه ذؤابة تضرب إلى عجزه، فقال: اذهب فداك أبي و أمي، فاعل أبا قبيس فانظر ما ذا ترى يجيء من البحر، فنزل مسرعا فقال: يا سيد النادي رأيت سحابا من قبل البحر مقبلا يستفل تارة و يرتفع أخرى، إن قلت غيما قلته، و إن قلت جهاما خلته يرتفع تارة و ينحدر أخرى، فنادى عبد المطلب: يا معشر قريش ادخلوا منازلكم فقد أتاكم الله بالنصر من عنده، فأقبلت الطير الأبابيل في منقار كل طائر حجر و في رجليه حجران، فكان الطائر الواحد يقتل ثلاثة من أصحاب أبرهة كان يلقي الحجر في قمة رأس الرجل فيخرج من دبره. و قد قص الله تبارك و تعالى نبأهم في كتابه فقال سبحانه:" أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحٰابِ الْفِيلِ" السورة. الحديث السادس و العشرون حسن كالصحيح و في القاموس فناء الدار ككساء: ما اتسع من أمامها و غيره إما منصوب بالاستثناء أو مجرور بالنعت لأنه لا يكسب التعريف بالإضافة، و في المصباح: درج الصبي دروجا من باب فقد: مشى قليلا في أول عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يُفْرَشُ لَهُ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ لَا يُفْرَشُ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ وَ كَانَ لَهُ وُلْدٌ يَقُومُونَ عَلَى رَأْسِهِ فَيَمْنَعُونَ مَنْ دَنَا مِنْهُ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ هُوَ طِفْلٌ يَدْرِجُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى فَخِذَيْهِ فَأَهْوَى بَعْضُهُمْ إِلَيْهِ لِيُنَحِّيَهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ دَعِ ابْنِي فَإِنَّ الْمَلَكَ قَدْ أَتَاهُ ما يمشي، و قال: هوى يهوي من باب ضرب هويا بضم الهاء و فتحها: سقط من أعلى إلى أسفل و أهوى إلى الشيء بيده مدها ليأخذه إذا كان عن قرب فإن كان من بعد قيل هوى إليه من غير ألف، انتهى. " فإن الملك قد أتاه" الظاهر أن الملك بالتحريك و المراد إما الإتيان حقيقة في ذلك الزمان، فالمراد غير جبرئيل (عليه السلام) فإنه قد دلت الأخبار على نزول روح القدس و الملائكة عليه قبل بعثته و في صباه أو مجازا تنزيلا للأمر المتيقن الوقوع منزلة الواقع و ربما يقرأ أتاه على بناء التفعيل أو بناء الأفعال، أي الملك حمله و جاء به هنا، و لم يأت بنفسه و لا يخفى بعده، و يمكن أن يقرأ الملك بالضم أي سيصير ملكا في منزلة الدين و الدنيا يطيعه أهل الشرق و الغرب، أو حقيقة في ذلك الوقت أيضا كما عرفت. و قد يقال: أنه على الوجه الأول إشارة إلى ما روي في الكتب الخاصة و العامة من نزول الملائكة عليه (صلى الله عليه و آله) في صباه و شق صدره و غسل قلبه و أمثال ذلك مما أوردته في الكتاب الكبير و تكلمنا فيه نفيا و إثباتا. قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى:" أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ" و قيل: إنه إشارة إلى ما روي أن جبرئيل أتى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في صباه أو يوم الميثاق فاستخرج قلبه و غسله ثم ملأه إيمانا و علما، انتهى. و أقول: لا حاجة إلى حمله على ذلك، إذ الأخبار في نزول الملائكة عليه من عند ولادته إلى بعثته كثيرة. و في نهج البلاغة قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف الرسول: و لقد قرن الله به من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم و محاسن أخلاق العالم ليله و نهاره. و عندي أنه (صلى الله عليه و آله) كان نبيا مذ ولد، و كان يوحى إليه و يعمل بشريعة نفسه، و إنما كانت رسالته و بعثته على الناس بعد أربعين سنة، و لو كان تابعا لشريعة غيره لكان رعية لذلك الرسول، و كان ذلك الرسول أفضل منه، و أيضا لو لم يكن وحي أو إلهام من الله تعالى كيف كان يعلم شريعة غيره حتى يعمل بها، لأنه (صلى الله عليه و آله) كان أميا و لم يختلف إلى عالم، و لم يأخذ من أحد علما و كان هذا من أقوى معجزاته (صلى الله عليه و آله) فإذا علم ذلك بالوحي كان شريعته و إن وافق شريعة غيره، و قد بسطنا القول في ذلك في الكتاب الكبير بما لا يبقى معه شبهة للفطن الخبير. و يؤيد بعض الوجوه المتقدمة ما رواه الصدوق (ره) في إكمال الدين بإسناده عن ابن عباس قال: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه إلا هو إجلالا له، و كان بنوه يجلسون حوله حتى يخرج عبد المطلب، فكان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يخرج و هو غلام صبي فيجيء حتى يجلس على الفراش فيعظم ذلك أعمامه و يأخذونه فيقول لهم عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني فو الله إن له لشأنا عظيما إني أراني أنه سيأتي عليكم يوم و هو سيدكم، إني أرى غرته غرة تسود الناس، ثم يحمله فيجلسه معه و يمسح ظهره و يقبله و يقول: ما رأيت قبلة أطيب منه و لا أطهر قط و لا جسدا ألين منه و لا أطيب، ثم يلتفت إلى أبي طالب، و ذلك أن عبد الله و أبا طالب لأم واحدة فيقول: يا أبا طالب إن لهذا الغلام لشأنا عظيما فاحفظه و استمسك به، فإنه فرد وحيد و كن له كالأم لا يصل إليه شيء يكرهه، ثم يحمله على عنقه فيطوف به أسبوعا و كان عبد المطلب قد علم أنه يكره اللات و العزى فلا يدخله عليهما فلما تمت له ست سنين ماتت أمه آمنة بالأبواء بين مكة و المدينة، و كانت قدمت به على أخواله من بني عدي فيبقى رسول الله يتيما لا أب له و لا أم فازداد عبد المطلب له رقة و حفظا، و كانت هذه حاله حتى أدرك عبد المطلب الوفاة، فبعث إلى أبي طالب و محمد على صدره و هو في غمرات الموت و هو يبكي
الكافي — كتاب الحجة · بَابُ مَوْلِدِ النَّبِيِّ(ص)وَ وَفَاتِهِ