الأقسامالكافيكتاب الحجة
الكافي · رقم ٤

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ زَيْدٍ النَّيْسَابُورِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهَاشِمِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَسِيدِ بْنِ صَفْوَانَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَالَ لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ- أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)ارْتَجَّ الْمَوْضِعُ بِالْبُكَاءِ وَ دَهِشَ النَّاسُ كَيَوْمَ قُبِضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم على ألوان أهل الشام الحمرة و على أموالهم الذهب، انتهى. و أقول: يظهر من بعض الأخبار أن قصور المدائن كانت بيضا و قصور الشام كانت حمرا، كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في الاحتجاج أن النبي سقط من بطن أمه واضعا يده اليسرى على الأرض رافعا يده اليمنى إلى السماء و يحرك شفتيه بالتوحيد و بدا من فيه نور رأى أهل مكة منه قصور بصري من الشام و ما يليها، و القصور الحمر من أرض اليمن و ما يليها، و القصور البيض من اصطخر و ما يليها، الخبر. أقول: و قد أوردت في الكتاب الكبير الأخبار المشتملة على المعجزات ولادته (صلى الله عليه و آله و سلم)، و غرائبها ليس هذا الكتاب موضع ذكرها، و قال في العدد القوية: لما ولد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال أبو طالب لفاطمة بنت أسد: أي شيء خبرتك به آمنة أنها رأت حين ولدت هذا المولود؟ قالت: خبرتني أنها لما ولدته خرج معتمدا على يده اليمنى رافعا رأسه إلى السماء يصعد منه نور في الهواء حتى ملأ الأفق، فقال لها أبو طالب: استري هذا و لا تعلمي به أحدا، أما إنك ستلدين مولودا يكون وصيه. الحديث الرابع: مجهول. و المراد بالبرقي هنا محمد لا ابنه أحمد، و أسيد بفتح الهمزة و كسر السين" و صاحب" أما نعت أسيد أو صفوان" ارتج الموضع" الارتجاج و الرجرجة و الترجرج الاضطراب و المراد بالموضع الكوفة أو باب بيته (صلوات الله عليه)" و دهش" على بناء المجهول أو المعلوم من باب علم، أي تحير في القاموس: دهش كفرح تحير أو ذهب عقله من وَ جَاءَ رَجُلٌ بَاكِياً وَ هُوَ مُسْرِعٌ مُسْتَرْجِعٌ وَ هُوَ يَقُولُ الْيَوْمَ انْقَطَعَتْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)فَقَالَ ذهل أو وله، و دهش كعني فهو مدهوش. قوله" مسترجع" أي قائل إنا لله و إنا إليه راجعون، و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنا لله إقرار على أنفسنا بالملك، و إنا إليه راجعون إقرار على أنفسنا بالهلك، و سيأتي الكلام فيه في الجنائز إنشاء الله. " انقطعت خلافة النبوة" أي استيلاء خلفاء الحق" كنت أول القوم إسلاما" القوم عبارة عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أو عن المدعين للخلافة منهم. و سبق إسلامه (عليه السلام) مما تواترت به الروايات من طرق الخاصة و العامة، و لم يخالف في ذلك إلا شرذمة قليلة من المتعصبين حتى أن الشارح الجديد للتجريد مع شدة تعصبه لم ينكر ذلك و قال عند قول المحقق المصنف (قدس سره): و أقدمهم إيمانا، يدل على ذلك ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: بعثت يوم الاثنين و أسلم علي يوم الثلاثاء، و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): أولكم إسلاما علي بن أبي طالب و ما روي عن علي (عليه السلام) أنه كان يقول: أنا أول من صلى و أول من آمن بالله و رسوله، و لا يسبقني إلى الصلاة إلا نبي الله، و كان قوله (عليه السلام) هذا مشهورا بين الصحابة و لم ينكر عليه منكر فدل على صدقه. و إذا ثبت أنه أقدم إيمانا كان أفضل منهم، لقوله تعالى:" وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ" و روي أنه (عليه السلام) قال يوما على المنبر بمشهد من الصحابة: أنا الصديق الأكبر آمنت قبل إيمان أبي بكر، و أسلمت قبل أن يسلم، و لم ينكر عليه منكر، انتهى. و لم يتصد لرد هذا الكلام. و قال القاضي الأموي الشافعي في كتاب لباب الأربعين: سبق إسلام علي (عليه السلام) أقرب إلى العقل، لأنه كان ابن عم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و في داره، مختصا به، فالأقرب رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ كُنْتَ أَوَّلَ الْقَوْمِ إِسْلَاماً عرض هذه المهمات العظيمة على الأقارب المختصين به، و لذلك قال تعالى:" وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" انتهى. و قال أبي الصلاح في كتابه في أصول الحديث، قال الحاكم أبو عبد الله: لا أعلم خلافا بين أصحاب التواريخ أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أو لهم إسلاما. و قال ابن أبي الحديد من عظماء علمائهم في شرح نهج البلاغة، حيث قال (عليه السلام) ولدت على الفطرة و سبقت إلى الإيمان و الهجرة، فإن قيل: كيف قال سبقت إلى الإيمان و قد قال من الناس أن أبا بكر أسبق؟ و قد قال قوم أن زيد بن حارثة سبقه؟ و الجواب أن أكثر أهل الحديث و أكثر المحققين من أهل السيرة رووا أنه (عليه السلام) أول من أسلم، ثم ذكر من كتاب الاستيعاب لابن عبد البر أخبارا كثيرة عن جماعة شتى من الصحابة في ذلك، ثم قال: فهذه الأخبار و الروايات كلها ذكرها أبو عمرو يوسف بن عبد البر في الكتاب المذكور، و هو كما تراها تكاد تكون إجماعا، و قال أبو عمرو: إنما الاختلاف في كمية سنة يوم أسلم، فمنهم من روي أنه كان حين أسلم ابن ثمان سنين و قيل: ابن خمس عشرة سنين، و قيل: ابن ست عشرة و قيل: ابن ثلاث عشرة و قيل: ابن عشر. ثم قال ابن أبي الحديد: و اعلم أن شيوخنا المتكلمين لا يكادون يختلفون في أن أول الناس إسلاما علي بن أبي طالب إلا من عساه خالف في ذلك من أوائل البصريين، فأما الذي تقررت المقالة عليه الآن فهو القول بأنه أسبق الناس إلى الإيمان لا تكاد تجد اليوم في تصانيفهم و عند متكلميهم و المحققين منهم خلافا في ذلك، و اعلم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ما زال يدعي ذلك لنفسه و يفتخر به و يجعله حجة في أفضليته و يصرح بذلك، و قد قال غير مرة: إنا الصديق الأكبر، و الفاروق الأول أسلمت قبل إسلام أبي بكر، و صليت قبل صلاته، و روي عنه هذا الكلام بعينه أبو محمد بن قتيبة في هذا المعنى الأبيات التي أولها: محمد النبي أخي و صنوي و حمزة سيد الشهداء عمي و من جملتها: سبقتكم إلى الإسلام طرا غلاما ما بلغت أوان حلمي. و الأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة جدا لا يتسع هذا الكتاب لذكرها، و من تأمل كتب السير و التواريخ عرف من ذلك ما قلناه، فأما الذاهبون إلى أن أبا بكر أقدمها إسلاما فنفس قليلون، انتهى. و قال شيخنا المفيد (قدس الله روحه) في كتاب الفصول: أجمعت الأمة على أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أول ذكر أجاب الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و لم يختلف في ذلك أحد من أهل العلم إلا أن العثمانية طعنت في أيمان أمير المؤمنين (عليه السلام) بصغر سنة في حال الإجابة و قالوا: إنه لم يكن (عليه السلام) في تلك الحال بالغا فيقع إيمانه على وجه المعرفة و أن أيمان أبي بكر حصل منه مع الكمال فكان على اليقين و المعرفة، و الإقرار من جهة التلقين و التقليد غير مساو للإقرار بالمعلوم المعروف بالدلالة، لأنه (عليه السلام) كان يومئذ ابن سبع سنين و من كانت هذه سنه لم يكن كامل العقل و لا مكلفا، فإنه يقال لهم: إنكم قد جهلتم في ادعائكم أنه كان وقت مبعث النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ابن سبع سنين، و ذلك أن جمهور الروايات جاءت بأنه (عليه السلام) قبض و له خمس و ستون سنة و جاء في بعضها أن سنة كانت عند وفاته ثلاثا و ستين سنة، و أما ما سوى هاتين الروايتين فشاذ مطرح، فإذا حكمنا في سنه على خمس و ستين كانت سنه عند المبعث اثنتي عشرة سنة، و إن حكمنا على ثلاث و ستين كانت سنة حينئذ عشر سنين. ثم ذكر (ره) أخبارا كثيرة دالة على أن سنة (عليه السلام) كان عند ذلك أكثر من عشر سنين، ثم قال: على أنا لو سلمنا لخصومنا أنه كان حينئذ ابن سبع سنين لم يدل ذلك على صحة ما ذهبوا إليه، و ذلك أن صغر السن لا ينافي كمال العقل، و ليس دليل وجوب التكليف بلوغ الحلم فيراعى ذلك هذا باتفاق أهل النظر و العقول، و إنما يراعي بلوغ الحلم في الأحكام الشرعية دون العقلية، و قد قال سبحانه في قصة يحيى (عليه السلام)" وَ آتَيْنٰاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا" و في قصة عيسى" فَأَشٰارَتْ إِلَيْهِ قٰالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كٰانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا" الآيات فلم ينف صغر سن هذين النبيين كمال عقلهما، و الحكمة التي آتاهما الله سبحانه و لو كانت العقول تحيل ذلك لإحالته في كل أحد و على كل حال، و قد أجمع أهل التفسير إلا من شذ عنهم في قوله تعالى:" وَ شَهِدَ شٰاهِدٌ مِنْ أَهْلِهٰا" الآية أنه كان طفلا صغيرا في المهد، أنطقه الله حتى برأ يوسف من الفحشاء و أزال عنه التهمة، و الناصبة إذا سمعت هذا الاحتجاج قالت: إن هذا الذي ذكرتموه فيمن عددتموه كان معجزا لخرقه العادة و دلالة لنبي من أنبياء الله عز و جل فلو كان أمير المؤمنين (عليه السلام) مشاركا لمن وصفتموه في خرق العادة لكان معجزا له (عليه السلام) أو للنبي (صلى الله عليه و آله)، و ليس يجوز أن يكون المعجز له، و لو كان للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لجعله في معجزاته و احتج به في جملة بيناته و لجعله المسلمون من آياته، فلما لم يجعله رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لنفسه علما و لا عده المسلمون في معجزاته علمنا أنه لم يجز فيه الأمر على ما ذكرتموه؟ فيقال لهم: ليس كل ما خرق الله به العادة وجب أن يكون علما و لا لزم أن يكون معجزا و لا شاع علمه في العالم، و لا عرف من صحة الاضطرار و إنما المعجز العلم هو خرق العادة عند دعوة داع أو براءة معروف يجري براءته مجرى التصديق له في مقاله، بل هي تصديق في المعنى و إن لم يك تصديقا بنفس اللفظ و القول. و كلام عيسى (عليه السلام) إنما كان معجزا لتصديقه له في قوله:" إِنِّي عَبْدُ اللّٰهِ آتٰانِيَ الْكِتٰابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا" مع كونه خرق العادة و شاهدا لبراءة أمه من الفاحشة، و لصدقها فيما ادعته من الطهارة، و كانت حكمة يحيى (عليه السلام) في حال صغره تصديقا له في دعوته في الحال، و لدعوة أبيه زكريا (عليه السلام) فصارت مع كونها خرق العادة دليلا و معجزا، و كلام الطفل في براءة يوسف إنما كان معجزا لخرق العادة بشهادته ليوسف (عليه السلام) بالصدق في براءة ساحته و يوسف (عليه السلام) نبي مرسل فثبت أن الأمر على ما ذكرناه، و لم يكن كمال عقل أمير المؤمنين (عليه السلام) شاهدا في شيء مما ادعاه و لا استشهد هو (عليه السلام) به فيكون مع كونه خرقا للعادة معجزا و لو استشهد به (عليه السلام) أو شهد على حد ما شهد الطفل ليوسف و كلام عيسى (عليه السلام) له و لأمه، و كلام يحيى (عليه السلام) لأبيه بما يكون في المستقبل و الحال، لكان لخصومنا وجه للمطالبة بذكر ذلك في المعجزات بما يكون في المتقبل و الحال، لكان لخصومنا وجه للمطالبة بذكر ذلك في المعجزات لكن لا وجه له على ما بيناه. على أن كمال عقل أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن ظاهرا للحواس و لا معلوما بالاضطرار فيجري مجرى كلام المسيح و حكمة يحيى و كلام شاهد يوسف (عليه السلام) فيمكن الاعتماد عليه في المعجزات و إنما كان طريق العلم به مقال الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و الاستدلال الشاق بالنظر الثاقب، و السر الحالة (صلى الله عليه و آله و سلم) و على مرور الأوقات بسماع كلامه و التأمل لاستدلالاته و النظر فيما يؤدي إلى معرفته و فطنته، ثم لا يحصل ذلك إلا لخاص من الناس و من عرف وجوه الاستنباطات و ما جرى هذا المجرى فارق حكمه حكم ما سلف للأنبياء من المعجزات، و ما كان لنبينا (عليه السلام) من الإعلام، إذ تلك بظواهرها تقدح في القلوب أسباب اليقين و تشترك الجميع في علم الحال الظاهرة منها المبينة عن خرق العادات دون أن تكون مقصودة على ما ذكرناه من البحث الطويل، و الاستبراء للأحوال على مرور الأوقات أو الرجوع فيه إلى نفس قول الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) الذي يحتاج في العلم به إلى النظر في معجز غيره و الاعتماد على ما سواه من البينات فلا ينكر أن الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) إنما عدل عن ذكر ذلك و احتجاجه به في جملة آياته لما وصفناه. و شيء آخر و هو أنه لا ينكر أن يكون الله سبحانه علم من مصلحة خلقه الكف من رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن الاحتجاج بذلك، و الدعاء إلى النظر فيه، و أن اعتماده على ما ظاهره خرق العادة أولى في مصلحة الدين، و شيء آخر و هو أن الرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و إن لم يحتج به على التفصيل و التعيين فقد فعل ما يقوم مقام الاحتجاج به على البصيرة و اليقين، فابتدأ عليا بالدعوة قبل الذكور كلهم ممن ظاهره البلوغ و افتتح بدعوته قبل أداء رسالته و اعتمد عليه في إيداعه سره، و أودعه ما كان خائفا من ظهوره عنه فدل باختصاصه بذلك على ما يقوم مقام قوله (عليه السلام) أنه معجز له، و أن بلوغ عقله علم على صدقه ثم جعل ذلك من مفاخره و جليل مناقبه، و عظيم فضائله و نوه بذكره و شهره بين أصحابه و احتج له به في اختصاصه، و كذلك فعل أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في ادعائه له فاحتج به على خصوصه و تمدح به بين أوليائه و أعدائه، و فخر به على جميع أهل زمانه و ذلك هو معنى النطق بالشهادة بالمعجز له، بل هو الحجة في كونه نائبا في القوم بما خصه الله تعالى منه، و نفس الاحتجاج بعلمه و دليل الله و برهانه و هذا يسقط ما اعتمدوه. و مما يدل على أن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) كان عند بعثة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بالغا مكلفا و أن إيمانه به كان بالمعرفة و الاستدلال، و أنه وقع على أفضل الوجوه و آكدها في استحقاق عظيم الثواب: أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) مدحه به و جعله من فضائله و ذكره في مناقبه، و لم يك بالذي يفضل بما ليس بفضل و يجعل في المناقب ما لا يدخل في جملتها و يمدح على ما لا يستحق عليه الثواب، فلما مدح رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أمير المؤمنين (عليه السلام) بتقدمه الإيمان بقوله لفاطمة (عليهما السلام) أ ما ترضين أني زوجتك أقدمهم سلما و قوله في رواية سلمان: أول هذه الأمة ورودا على نبيها الحوض أولها إسلاما علي بن أبي طالب، و قوله: لقد صلت الملائكة علي و على علي سبع سنين، و ذلك أنه لم يكن من الرجال أحد يصلي غيري و غيره، و إذا كان الأمر على ما وصفناه فقد ثبت أن إيمانه (عليه السلام) وقع بالمعرفة و اليقين دون التقليد و التلقين، لا سيما و قد سماه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إيمانا و إسلاما و ما يقع من الصبيان على وجه التلقين لا يسمى على الإطلاق الديني إيمانا و إسلاما. و يدل على ذلك أيضا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد تمدح به و جعله من مفاخره، و احتج به على أعدائه، و كرره في غير مقام من مقاماته، حيث يقول: اللهم إني لا أعرف عبدا لك من هذه الأمة عبدك قبلي، و قوله (عليه السلام): أنا الصديق الأكبر قبل أن يؤمن أبو بكر، و أسلمت قبل أن يسلم، و قوله (صلوات الله عليه) لعثمان: أنا خير منك و منهما عبدت الله قبلهما، و عبدت الله بعدهما، و قوله: أنا أول ذكر صلى، و قوله (عليه السلام): على من أكذب؟ أ على الله فأنا أول من آمن به و عبده، فلو كان إيمانه على ما ذهب إليه الناصبة من جهة التلقين و لم يكن له معرفة و لا علم بالتوحيد لما جاز منه (عليه السلام) أن يتمدح بذلك و لا يسميه عبادة، و لا أن يفخر به على القوم و لا أن يجعله تفضيلا له على أبي بكر و عمر و لو أنه فعل من ذلك ما لا يجوز لرده عليه مخالفوه و اعترضه فيه مضادوه و حاجة في بطلانه مخاصموه. و في عدول القوم عن الاعتراض عليه في ذلك و تسليم الجماعة له ذلك دليل على ما ذكرناه و برهان على فساد قول الناصبة الذي حكيناه، و ليس يمكن أن يدفع ما رويناه في هذا الباب من الأخبار لشهرتها، و إجماع الفريقين من الناصبة و الشيعة على روايتها، و من تعرض للطعن فيها مع ما شرحناه لم يمكنه الاعتماد علي تصحيح خبر وقع في تأويله الاختلاف، و في ذلك إبطال جمهور الأخبار و إفساد عامة الآثار. وهب من لا يعرف الحديث و لا خالط أهل العلم يقدم على إنكار بعض ما رويناه أو يعاند فيه بعض العارفين و يغتنم الفرصة بكونه خاصة في أهل العلم كيف يمكن دفع شعر أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك، و قد شاع من شهرته على حد يرتفع فيه الخلاف و انتشر حتى صار مسموعا من العامة فضلا عن الخواص في قوله (عليه السلام) محمد النبي أخي و صنوي و حمزة سيد الشهداء عمي و جعفر الذي يضحي و يمسي يطير مع الملائكة ابن أمي و بنت محمد سكنى و عرسي مساط لحمها بدمي و لحمي و سبطا أحمد ولداي منها فمن فيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الإسلام طرأ على ما كان من فهمي و علمي و أوجب لي الولا معا عليكم خليلي يوم دوح غدير خم و في هذا الشعر كفاية في البيان عن تقدم إيمانه (عليه السلام)، و أنه وقع مع المعرفة بالحجة و البيان، و فيه أيضا أنه كان الإمام بعد الرسول (عليه السلام) بدليل المقال الظاهر في اليوم الغدير، الموجب للاستخلاف. و مما يؤيد ما ذكرناه ما رواه عبد الله بن الأسود البكري عن محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) صلى يوم الاثنين، و صلت خديجة معه، و دعا عليها (عليه السلام) إلى الصلاة معه يوم الثلاثاء، فقال له: أنظرني حتى ألقى أبا طالب، فقال له النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): إنها أمانة، فقال علي (عليه السلام): فإن كانت أمانة فقد أسلمت لك، فصلى معه و هو ثاني يوم البعث و روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله، و قال في حديثه: إن هذا دين يخالف دين أبي حتى أنظر فيه و أشاور أبا طالب فقال له النبي (عليه السلام): انظر و اكتم قال: فمكث هنيئة ثم قال: بلى أجبتك و أصدق بك، فصدقه و صلى معه. و روي هذا المعنى بعينه و هذا المقال من أمير المؤمنين على اختلاف في اللفظ و اتفاق في المعنى كثير من حملة الآثار و هو يدل على أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان مكلفا عارفا في تلك الحال بتوقفه و استدلاله و تمييزه بين الإقدام على القبول و الطاعة للرسول من غير فكرة و لا تأمل، ثم خوفه إن ألقى ذلك إلى أبيه أن يمنعه مع أنه حق، فيكون قد صد عن الحق فعدل عن ذلك إلى القبول و علم من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مع أمانته و ما كان يعرفه من صدق مقاله و ما سمعه من القرآن الذي أنزل عليه و أراد أنه من برهانه أنه رسول محق فآمن به و صدقه، و هذا بعد أن ميز بين الأمانة و غيرها، و عرف حقها و كره أن يفشي سر الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و قد ائتمنه عليه، و هذا لا يقع باتفاق من صبي لا عقل له، و لا يحصل ممن لا تميز معه. و يؤيد أيضا ما ذكرناه أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بدأ به في الدعوة قبل الذكور كلهم و إنما أرسله الله تعالى إلى المكلفين، فلو لم يعلم أنه عاقل مكلف لما افتتح به أداء رسالته و قدمه في الدعوة على جميع من بعث إليه، لأنه لو كان الأمر على ما ادعته الناصبة لكان (عليه السلام) قد عدل عن الأولى، و تشاغل بما لم يكلفه عن أداء ما كلفه، و وضع فعله في غير موضعه، و رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يجل عن ذلك. و شيء آخر و هو أنه دعا عليا (عليه السلام) في حال كان مستترا فيها بدينه، كاتما لأمره خائفا أن شاع من عدوه، فلا يخلو أن يكون قد كان واثقا من أمير المؤمنين بكتم سره و حفظ وصيته و امتثال أمره و حمله من الدين ما حمله، أو لم يكن واثقا، و إن كان واثقا فلم يثق به (عليه السلام) إلا و هو في نهاية كمال العقل و على غاية الأمانة و صلاح السريرة و العصمة و الحكمة و حسن التدبير، لأنه الثقة بما وصفناه دليل جميع ما شرحناه على الحال التي قدمنا وصفها، و إن كان غير واثق من أمير المؤمنين (عليه السلام) بحفظ سره و غير آمن من تضييعه و إذاعة أمره فوضعه عنده من التفريط و ضد الحزم و الحكمة و التدبير، حاشى الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) من ذلك و من كل صفة نقص و قد أعلى الله عز و جل رتبته و أكذب مقال من ادعى ذلك فيه، و إذا كان الأمر على ما بيناه فما ترى الناصبة قصدت بالطعن في أيمان أمير المؤمنين (عليه السلام) إلا عيب الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و الذم لأفعاله و وصفه بالعبث و التفريط، و وضع الأشياء غير مواضعها، و الإزراء عليه في تدبيراته، و ما أراد مشايخ القوم و من ألقى هذا المذهب إليهم إلا ما ذكرناه و الله متم نوره و لو كره الكافرون، انتهى كلامه (قدس سره). وَ أَخْلَصَهُمْ إِيمَاناً وَ أَشَدَّهُمْ يَقِيناً وَ أَخْوَفَهُمْ لِلَّهِ وَ أَعْظَمَهُمْ عَنَاءً وَ أَحْوَطَهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ آمَنَهُمْ عَلَى أَصْحَابِهِ و قد أشبعنا الكلام في ذلك الباب في كتابنا الكبير. " و أخلصهم إيمانا" أي لم يكن إيمانه (عليه السلام) مشوبا برياء و لا سمعة، و لا شيء من الأغراض الدنيوية، و لما كان الإيمان ليس محض المعرفة بل مع الطوع القلبي و الظاهري، فيوصف بالإخلاص و عدمه. " و أشدهم يقينا" المشهور أن اليقين هو الاعتماد الجازم المطابق للواقع، و يظهر من بعض الأخبار أنه العلم الذي يترتب عليه العمل، و قد يخص فيها بالعلم بأمور الآخرة، و بالعلم بالقضاء و القدر، و على أي وجه يدل على أن اليقين يقبل الشدة و الضعف كما هو ظاهر كثير من الآيات و الأخبار، و من قال بأنه لا يقبل الشدة و الضعف يقول أشديته بضم الأعمال إليه، و سيأتي تحقيق جميع ذلك في كتاب الإيمان و الكفر. " و أخوفهم لله" لأنه كان أعلمهم و كثرة العلم موجبة لكثرة الخوف، و قال تعالى: " إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ". " و أعظمهم عناءا" العناء بالفتح و المد التعب، و شدة تعبه (عليه السلام) في الجهاد و العبادات و الرياضات و مكابدة الشدة من الأعداء أشهر من أن يخفى" و أحوطهم على رسول الله" أي أشدهم له حفظا و حياطة، و تعديته بعلى لتضمين معنى الإشفاق، و في النهاية: حاطه يحوطه حاطا و حياطة: حفظه و صانه و ذب عنه و توفر على مصالحه" و آمنهم على أصحابه" الضمير للرسول أو له (عليه السلام)، و كان التعدية لتضمين معنى المحافظة، و قد قال تعالى:" هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلّٰا كَمٰا أَمِنْتُكُمْ عَلىٰ أَخِيهِ" أي كان اعتماده عليك في رعاية الصحابة و هدايتهم و حفظهم أكثر من غيرك، و المناقب: المفاخر و الخصال الشريفة. وَ أَفْضَلَهُمْ مَنَاقِبَ وَ أَكْرَمَهُمْ سَوَابِقَ وَ أَرْفَعَهُمْ دَرَجَةً وَ أَقْرَبَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ أَشْبَهَهُمْ بِهِ هَدْياً وَ خَلْقاً وَ سَمْتاً وَ فِعْلًا وَ أَشْرَفَهُمْ مَنْزِلَةً وَ أَكْرَمَهُمْ عَلَيْهِ فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَ عَنْ رَسُولِهِ وَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً و أكثرية مناقبه (عليه السلام) بالنسبة إلى سائر الصحابة مما اعترف به المخالفون أيضا، قال القاضي عياض: لعلي رضي الله عنه من الشجاعة و العلم و الحلم و الزهد و الورع و كرم الأخلاق و غير ذلك من المناقب ما لا يسعه كتاب. و قال الآمدي: لا يخفى أن عليا (عليه السلام) كان مستجمعا لخلال شريفة و مناقب منيفة كان بعضها كافيا في استحقاق الإمامة، و قد اجتمع فيه من حميد الصفات و أنواع الكمالات ما لا نعرف في غيره من الصحابة حتى أنه كان من أشجع الصحابة و أعلمهم و أزهدهم و أفصحهم و أسبقهم إيمانا و أكثرهم جهادا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و أقربهم نسبا منه، كان معدودا في أول الجريدة و سابقا إلى كل فضيلة، و قد قال ابن عباس فيه: رباني هذه الأمة. " و أكرمهم سوابق" أي أكرمهم على الله و على رسوله من جهة سبقته إلى كل فضيلة و منقبة، أو المعنى أن سوابقه و فضائله كانت أكرم و أعلى من سوابق غيره" و أرفعهم درجة" عند الله و عند الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) في الدنيا و الآخرة، لوفور مناقبه و فضائله" و أقربهم من رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)" ذاتا و طينة و نسبا و منزلة، فإنهما كانا من نور واحد و من طينة واحدة، و العباس و إن كان عما لكن ابن العم من الأب و الأم أقرب من العم من جهة الأب في الميراث، مع أنه لم يكن له تلك الجهات الأخر، و في النهاية: الهدى السيرة و الهيئة و الطريقة و في المغرب: السمت الطريق و يستعار لهيئة أهل الخير. " و أشرفهم منزلة" لديه كما قال (صلى الله عليه و آله و سلم): أنت مني بمنزلة هارون من موسى و بمنزلة روحي من جسدي، و أمثال ذلك كثيرة، و كونه (عليه السلام) أكرم الناس عليه (صلى الله عليه و آله و سلم) لا يحتاج إلى البيان. قَوِيتَ حِينَ ضَعُفَ أَصْحَابُهُ وَ بَرَزْتَ حِينَ اسْتَكَانُوا وَ نَهَضْتَ حِينَ وَهَنُوا وَ لَزِمْتَ مِنْهَاجَ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِذْ هَمَّ أَصْحَابُهُ وَ كُنْتَ خَلِيفَتَهُ حَقّاً لَمْ تُنَازَعْ وَ لَمْ تَضْرَعْ " قويت" أي في جميع أمور الدين من الجهاد و غيره" حين ضعف أصحابه" عنها، و حذف المتعلق فيهما للتعميم" و برزت" إلى الجهاد حيث طلبوا المبارزة" حين استكانوا" أي خضعوا و جنبوا" و نهضت" أي قمت بالجهاد أو بإعلان الحق و العمل به و دفع شبهات المنكرين" حين وهنوا" و ضعفوا عن ذلك" و لزمت منهاج رسول الله" أي طريقته و شريعته" إذ هم أصحابه" العدول عنه و قصدوا إحداث البدع في الدين كما كان في يوم الشورى حيث عرض عبد الرحمن بن عوف عليه لزوم سيرة أبي بكر و عمر ليبايعه فأبى إلا منهاج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم). " لم تنازع" على بناء الفاعل لعدم الأعوان و للمصلحة، و لم يكن لإذعان خلافتهم و الظاهر لم تنازع على بناء المجهول فيحتمل وجوها: الأول: أن المراد ما كان ينبغي النزاع فيها لظهور الأمر. الثاني: أن يكون المراد عدم النزاع في أصل خلافته فإنها مما اتفقت عليه الأمة، و إنما النزاع في أنه هل تقدم عليه أحد فيها أم لا؟ الثالث: أن يكون المعنى لم تنازع في استحقاق الخلافة و كونك أحق بها من غيرك. الرابع: أن يكون المعنى لم ينازعك أحد في أن النبي (صلى الله عليه و آله) استخلفك و نص عليك و إنما تمسكوا في رفع ذلك بالبيعة. الخامس: أن يكون مخصوصا بأيام خلافته الظاهرة فإنه لم ينازع فيها أحد و إنما نازع معاوية في طلب قتلة عثمان و هذا أقرب من الثاني، و الفقرات الآتية بهذا الوجه أنسب. " و لم تضرع" في القاموس ضرع إليه- و يثلث- ضرعا محركة و ضراعة: خضع و ذل و استكان، أو كفرح و منع تذلل، و ككرم: ضعف، و مهر ضرع- محركة- لم يقو بِرَغْمِ الْمُنَافِقِينَ وَ غَيْظِ الْكَافِرِينَ وَ كُرْهِ الْحَاسِدِينَ وَ صِغَرِ الْفَاسِقِينَ فَقُمْتَ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا وَ نَطَقْتَ حِينَ تَتَعْتَعُوا وَ مَضَيْتَ بِنُورِ اللَّهِ إِذْ وَقَفُوا على العدو، و أضرع فلانا أذله. و أقول: المعنى أنه متى قدرت على نهي المنكر و إعلاء الدين لم تذلل لأحد و لم تخضع لمنافق، بل بذلت جهدك في إقامة الحق ما قدرت عليه، أو المعنى- لا سيما على الوجه الأول في الفقرة السابقة- لم يكن تركك للخلافة و الجهاد في إقامتها ضراعة و تذللا، بل كان لا طاعة أمر الله و رسوله، و الأول أظهر. " برغم المنافقين" يقال: أرغم الله أنفه أي ألصقه بالرغام و هو التراب، هذا هو الأصل ثم شاع استعماله في الذل و العجز، و الظرف في موضع النصب على أنه حال من فاعل تضرع أو كنت، و قيل: لعل المراد بالمنافقين من وافقه من أصحابه ظاهرا لا باطنا، فإن كثيرا من أصحابه كانوا على صفة النفاق، و بالكافرين من خالفه و قاتله كمعاوية و أضرابه، و الحاسدين الخلفاء الماضين و بالفاسقين أتباعهم، مع احتمال أن يراد بالجميع من خالفه ظاهرا أو باطنا أو فيهما قاتله أم لا، و التكرار باعتبار تعدد صفاتهم أعني النفاق و الكفر و الحسد و الفسق، فإن كل من …

الكافي — كتاب الحجة · بَابُ مَوْلِدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.