عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(عليه السلام)أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي السَّنَةِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا هَارُونُ يُرِيدُ الْحَجَّ فَانْتَهَى إِلَى جَبَلٍ و" بعد" مبني على الضم أي إلى الآن، و الغلام مفعول معه أو عطف على الضمير على القول بجوازه، و الوسادة بتثليث الواو المتكإ و المخدة، و في القاموس: الطائف العسس" أصبت" أي الرشاد" و أصاب الله بك" الباء للتعدية" قربت" بضم الراء" أنست" بتثليث النون" يلوح" أي يتلألأ" ما عرفت" بالتشديد أو التخفيف" ماله على" ما استفهامية أو موصولة" وليه" أي من جعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم. الحديث الخامس: مرسل. و في القاموس: الفارع: العالي المرتفع، الهيء الحسن، و حصن بالمدينة، و قرية بوادي السراب قرب سابه، و موضع بالطائف، انتهى. عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ وَ أَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ- فَارِعٌ فَنَظَرَ إِلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ ثُمَّ قَالَ بَانِي فَارِعٍ وَ هَادِمُهُ يُقَطَّعُ إِرْباً إِرْباً فَلَمْ نَدْرِ مَا مَعْنَى ذَلِكَ فَلَمَّا وَلَّى وَافَى هَارُونُ وَ نَزَلَ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ صَعِدَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى ذَلِكَ الْجَبَلَ وَ أَمَرَ أَنْ يُبْنَى لَهُ ثَمَّ و إضافة الباني إلى الفارع على الاتساع من قبيل مالك يوم الدين، و التقدير الباني في الفارع، و كذا هادمه أو ضمير هادمه راجع إلى البناء المستفاد من الباني، و الإرب بالكسر العضو" فلما ولى" أي ذهب أبو الحسن" وافى" أي جاء، و جعفر هو البرمكي المشهور، و البرامكة كانوا وزراء هارون و لهم دولة عظيمة معروفة و كان سبب انقراضهم واقعا سعيهم في حبس الكاظم (عليه السلام) و قتله، و ظاهرا من جهة العباسة. و ملخص القصة ما ذكره المسعودي في مروج الذهب قال: ذكر ذو معرفة بإخبار البرامكة أنه لما بلغ يحيى بن خالد بن برمك و ابناه جعفر و الفضل و غيرهم من آل برمك ما بلغوا في الملك و تناهوا إليه من الرئاسة و استقامت لهم الأمور حتى قيل أيامهم عرس و سرور دائم لا يزول، قال الرشيد لجعفر بن يحيى: ويحك إنه ليس في الأرض طلعة أنا بها آنس و إليها أميل و بها أشد استمتاعا و أنسا مني برؤيتك، و إن للعباسة أختي موقعا مني ليس بدون ذلك و قد نظرت في أمري معكما فوجدتني لا أصبر عنك و لا عنها، و قد رأيت شيئا يجتمع لي به السرور، و تتكاثف به اللذة و الأنس فقال: وفقك الله يا أمير المؤمنين و عزم لك على الرشد في أمورك فقال: قد زوجتكما تزويجا يحل لك مجالستها و النظر إليها و الاجتماع في مجلس أنا معكما فيه، لا سوى ذلك. فزوجه بعد امتناع كان من جعفر و أشهد له من حضر من مواليه و خدمه و أخذ عليه عهد الله و ميثاقه و غليظ إيمانه أن لا يجالسها و لا يخلو معها و لا يظله و إياها سقف بيت إلا و هارون ثالثهما، فحلف له جعفر على هذه الحال و جعفر في ذلك صارف بصره عنها مزور بوجهه هيبة للرشيد و وفاء بعهده و أيمانه على ما فارقه عليه. مَجْلِسٌ فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ صَعِدَ إِلَيْهِ فَأَمَرَ بِهَدْمِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْعِرَاقِ قُطِّعَ إِرْباً إِرْباً فكتبت إليه في ذلك رقعة فزبر رسولها و تهدده فعادت فعاد جعفر لذلك فلما استحكم يأسها منه قصدت لأمه و لم تكن بالحازمة فاستمالتها بالهدايا و الألطاف و نفيس الجواهر و ما أشبه ذلك من ألطاف الملوك حتى إذا علمت أنها في الطاعة كالأمة و في النصيحة و الإشفاق كالأم ألقت إليها طرفا من الأمر الذي تريده و أعلمتها ما لها في ذلك من جميل العاقبة و ما لابنها من الفخر و الشرف بمصاهرة أمير المؤمنين و أوهمتها أن هذا الأمر إذا وقع كان به أمانها و أمان ولدها من زوال النعمة أو سقوط مرتبته فاستجابت لها أم جعفر و وعدتها إعمال الحيلة في ذلك. فأقبلت على جعفر يوما فقالت له: يا بني قد وصفت لي جارية في بعض القصور من تربية الملوك قد بلغت من الأدب و المعرفة و الظرف و الحلاوة مع الجمال الرائع و القد البارع و الخصال المحمودة ما لم ير مثلها، و قد عزمت على شرائها لك و قرب الأمر بيني و بين مالكها فاستقبل جعفر كلامها بالقبول و علق بذلك قلبه و تطلعت إليه نفسه و جعلت تمطله حتى اشتد شوقه و قويت شهوته و هو في ذلك يلح عليها، فلما علمت أنه قد عجز عن الصبر و اشتد به القلق قال له: أنا مهديتها لك ليلة و بعثت إلى العباسة و أعلمتها بذلك فتأهبت بمثل ما يتأهب به مثلها و صارت إليه في تلك الليلة فانصرف جعفر في تلك الليلة من عند الرشيد و قد بقي في نفسه من الشرب فضلة لما قد عزم عليه، فدخل منزله و سأل عن الجارية فخبر بمكانها فأدخلت على فتى سكران لم يكن بصورتها عالما و لا على خلقتها واقفا فقام إليها فواقعها فلما قضى حاجته منها قالت له: كيف رأيت حيل بنات الملوك؟ قال: و أي بنات الملوك تعنين؟ و هو يرى أنها من بعض بنات الروم. قالت له: أنا مولاتك العباسة بنت المهدي، فوثب فزعا قد زال عنه سكره و رجع إليه عقله و أقبل على أمه فقال لها: لقد بعتني بالثمن الخسيس و حملتني على المركب الوعر فانظري إلى ما يؤول إليه حالي. و انصرفت العباسة مشتملة على حمل ثم ولدت غلاما فوكلت به خادما من خدمها يقال له رياش، و حاضنة لها تسمى قرة فلما خافت ظهور الخبر و انتشاره وجهت بالصبي إلى مكة مع الخادمين و أمرتهما بتربيته و طالت المدة حتى احتوى هو و أخوه و أبوه على أمر المملكة. و كانت زبيدة أم جعفر زوجة الرشيد منه بالمنزلة التي لا يتقدمها أحد من نظرائها و كان يحيى بن برمك لا يزال يتفقد حرم الرشيد و يمنعهن من خدمة الخدم، فشكت ذلك زبيدة إلى الرشيد فقال ليحيى: يا أبة ما بال أم جعفر تشكوك؟ فقال: يا أمير المؤمنين أ متهم أنا في حرمك و تدبير قصرك عندك؟ قال: لا و الله قال: فلا تقبل قولها في، قال الرشيد: فلست عائدا فازداد يحيى لها منعا و عليها في ذلك غلظة، و كان يأمر بإقفال باب الخدم بالليل و يمضي بالمفاتيح إلى منزله. فبلغ ذلك من أم جعفر كل مبلغ، فدخلت ذات يوم على الرشيد فقالت يا أمير المؤمنين ما يحمل يحيى على ما لا يزال يفعله بي من منعه إياي من خدمي و وضعه إياي في غير موضعي؟ فقال لها الرشيد: يحيى عندي غير متهم في حرمي، فقالت: لو كان كذلك لحفظ ابنه عما ارتكبه! قال: و ما ذلك؟ فخبرته الخبر و قصت عليه قصة العباسة مع جعفر، فأسقط في يده و قال: هل على ذلك دليل أو شاهد؟ قالت: و أي دليل أدل عن الولد، قال: و أين الولد؟ قالت: كان هيهنا فلما خافت ظهور أمره وجهته إلى مكة، قال: فعلم ذلك أحد غيرك؟ قالت: ما في قصرك جارية إلا و قد علمت بذلك. فأمسك عن ذلك و طوى عليه كشحا و أظهر أنه يريد الحج فخرج هو و جعفر فكتبت العباسة إلى الخادم و الحاضنة أن يخرجا بالصبي إلى اليمن، فلما صار الرشيد إلى مكة و كل من يثق به بالفحص عن أمر الصبي و الداية و الخادم، فوجد الأمر و وضح. فلما قضى حجه و رجع أضمر في البرامكة إزالة النعمة عنهم و الإيقاع بهم، فأقام ببغداد مدة ثم خرج إلى الأنبار فلما كان في اليوم الذي عزم فيه على قتل جعفر دعا بالسندي بن شاهك فأمره بالمضي إلى مدينة السلام و التوكيل بدور البرامكة و دور كتابهم و نسابهم و قراباتهم و أن يجعل ذلك سرا من حيث لا يعلم به أحد حتى يصل إلى بغداد، ثم يفضي بذلك إلى من يثق به من أهله و أعوانه، فامتثل السندي ذلك و قعد الرشيد و جعفر عنده في موضع بالأنبار يعرف بالغمر فأقاما يومهما بأحسن هيئة و أطيب عيش، فلما انصرف جعفر من عنده خرج الرشيد معه مشيعا له حتى ركب، ثم رجع الرشيد فجلس على كرسي و أمر بما كان بين يديه فرفع و مضى جعفر إلى منزله و فيه فضلة من الشراب و دعا بأبي بكار الأعمى الطنبوري و ابن أبي نجيح كاتبه و مدت الستور و جلست جواريه خلفها يضربن و يتغنين و أبو بكار يغنيه: ما يريد الناس منا ما ينام الناس عنا إنما همتهم أن يظهر و أما قد دفنا و دعا الرشيد من ساعته ياسر الخادم فقال له: يا ياسر إني ندبتك لأمر لم أر محمدا و لا عبد الله و لا القاسم أهلا له و لا موضعا و رأيتك به مستقلا ناهضا فحقق ظني و احذر أن تخالف أمري فيكون ذلك سبب لسقوط منزلتك عندي، فقال: يا أمير المؤمنين لو أمرتني أن أدخل السيف في بطني و أخرجه من ظهري بين يديك لفعلت، فمرني بأمرك تجدني و الله إليه مسرعا، فقال: تعرف جعفر بن يحيى البرمكي؟ قال: يا أمير المؤمنين و هل أعرف سواه و ينكر مثلي جعفرا، قال: أ لم تر تشييعي له عند خروجه؟ فقال: بلى قال: فامض إليه الساعة فائتني برأسه على أي حال تجده عليها. فأرتج على ياسر الخادم الكلام و استقبلته رعدة و وقف لا يحير جوابا: فقال: يا ياسر أ لم أتقدم إليك بترك الخلاف علي؟ قال: بلى و الله لكن الخطب أجل من ذلك و الأمر الذي ندبني إليه أمير المؤمنين وددت أني أكون مت قبل أن يجري على يدي منه شيء، قال: دع عنك هذا و أنهض لما أمرتك به، فمضى ياسر حتى دخل على جعفر و هو على حال لهوه فقال له: إن أمير المؤمنين قد أمرني فيك بكيت و كيت فقال له جعفر: إن أمير المؤمنين يمازحني بأصناف من المزاح فأحسب أن هذا جنس من ذلك قال: و الله ما رأيته إلا جدا قال: فإن يكن الأمر كما قلت فهو إذن سكران، قال: لا و الله ما فقد من عقله شيئا و لا ظننته شرب نبيذا في يومه مع ما رأيت من عبارته، قال له: فإن لي عليك حقوقا لن تجد لها مكافأة وقتا من الأوقات إلا هذا الوقت، قال تجدني إلى ذلك سريعا إلا ما خالف أمر أمير المؤمنين قال: فارجع إليه و أعلمه أنك أنفذت ما أمر به، فإن أصبح نادما كانت حياتي على يديك جارية، و كانت لك عندي نعم مجددة، و إن أصبح على مثل هذا الرأي أنفذت ما أمرك به في غد قال: ليس إلى ذلك سبيل، قال: فأسير معك إلى مضرب أمير المؤمنين حتى أقف بحيث أسمع كلامه و مراجعتك إياه، فإذا أبليت بيني و بينك عذرا فإن لم يقنع إلا بمصيرك إليه برأسي خرجت فأخذت رأسي من قرب، قال له: أما هذا فنعم. فصارا جميعا إلى مضرب الرشيد فدخل عليه ياسر فقال له: قد أخذت رأسه يا أمير المؤمنين و ها هو بالحضرة قال: ائتني به و إلا و الله عجلتك قبله، فخرج و قال له: سمعت الكلام؟ قال: نعم فشأنك و ما أمرت به، و أخرج جعفر من كمه منديلا صغيرا فعصب به عينيه و مد عنقه فضربها و أدخل رأسه إلى الرشيد، فلما وضعه بين يده أقبل عليه و جعل يذكره بذنوبه ثم قال: يا ياسر ائتني بفلان و فلان، فلما أتاه بهم قال اضربوا عنق ياسر فإني لا أقدر أن أنظر إلى قاتل جعفر. قال المسعودي: و كانت مدة دولة البرامكة و سلطانهم و أيامهم النظرة الحسنة
الكافي — كتاب الحجة · بَابُ مَوْلِدِ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع)