عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ جَمِيعاً عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ قُلْتُ لَهُ أَخْبِرْنِي عَنْ حَدِّ و قوله" هذا." دليل كلام المؤلف (قدس سره). باب حد الوجه الذي يغسل و الذراعين و كيف يغسل الحديث الأول: كالصحيح. قوله (عليه السلام)" عن حد الوجه" الحد في اللغة المنع، و الفصل بين الشيئين، و المراد هنا الثاني. و القصاص مثلثة القاف منتهى شعر الرأس حيث يؤخذ بالمقص من مقدمه و مؤخره، و قيل: هو منتهى منبته من مقدمه. و المراد هنا المقدم الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَضَّأَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ الْوَجْهُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِغَسْلِهِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ وَ لَا يَنْقُصَ مِنْهُ إِنْ زَادَ عَلَيْهِ حواه يحويه حيا أي جمعه و احتواه مثله، و احتوى على الشيء أي اشتمل عليه كما ذكره الجوهري. و قال الفيروزآبادي: حواه يحويه حيا و حواية و احتوى عليه و احتواه جمعه و أحرزه انتهى. و الصدغ هو المنخفض الذي بين أعلى الأذن و طرف الحاجب، و السبابة من الأصابع التي تلي الإبهام. و كل من الموصولين في قول زرارة، الذي قال الله عز و جل، و في قوله (عليه السلام) الذي لا ينبغي لأحد نعت بعد نعت للوجه، و جملة،" لا ينبغي لأحد"- إلى آخره- صلة- للذي- و جملة لا ينقص منه عطف على جملة" لا ينبغي" أو يكن عطفا على يزيد- و تكون لفظة لا نافية على الأول و زائدة لتأكيد النفي على الثاني، و يحتمل أن يكون لا ناهية و يكون حينئذ معطوفا على الموصول، و الجملة صفة للوجه بتقدير المقول في حقه، كما هو الشائع في تصحيح الجمل الإنشائية الواقعة حالا بعد حال أو صفة على ما قيل، و جملة الشرط و الجزاء في قوله (عليه السلام)" إن زاد عليه لم يؤجر" صلة بعد صلة له و قوله" و إن نقص منه أثم" عطف على إن زاد و الصلة بعد الصلة و إن لم تكن بين النحاة مشهورا، إلا أنه لا مانع منه، كالخبر و الحال. و قد جوز التفتازاني في حواشي الكشاف في قوله تعالى (فَاتَّقُوا النّٰارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ) كون جملة أعدت صلة ثانية للتي. و يحتمل أن يكون هذه الشرطية مع المعطوف عليها مفسرة لقوله" لا ينبغي لأحد"، و أن تكون معترضة بين المبتدأ و الخبر و الجار و المجرور. و في قوله (عليه السلام)" من قصاص" إما متعلق بقوله" دارت"، أو صفة مصدر محذوف، و إما حال عن الموصول الواقع خبرا عن لَمْ يُؤْجَرْ وَ إِنْ نَقَصَ مِنْهُ أَثِمَ مَا دَارَتْ عَلَيْهِ السَّبَّابَةُ وَ الْوُسْطَى وَ الْإِبْهَامُ مِنْ قُصَاصِ الوجه و هو لفظة" ما" إن جوزنا الحال عن الخبر، أو حال عن الضمير المجرور العائد إلى الموصول على تقدير أن تكون لفظة عليه موجودة في النسخ، و لفظة" من" فيه ابتدائية، و إلى الذقن مثل من القصاص على جميع التقادير. و لفظة" من" في قوله (عليه السلام)" و ما جرت عليه الإصبعان من الوجه" بيان" لما". و لفظة مستديرا إما حال من الوجه، أو عن ضمير عليه، أو عن الموصول إن جوزناه، و إما صفة مفعول مطلق محذوف، و يحتمل أن يكون تميزا عن نسبة جملة" جرت" إلى فاعلها، أي ما جرت الإصبعان عليه بالاستدارة، مثله في قولهم (لله درة فارسا)، و جملة" ما جرت" وقع تأكيد السابقة بأن تكون لفظة من في قوله" من قصاص" ابتدائية لتحديد الوجه على ما هو الظاهر من الكلام، أو يكون تأسيسا، و لفظة من ابتدائية للغسل على ما قيل، و ضمائر" منه" و" عليه" في كلامه كلها راجعة إلى الوجه. تبصرة اعلم أن المسؤول في كلام زرارة، هو أبو جعفر محمد بن علي الباقر (صلوات الله عليه) كما صرح به الصدوق في الفقيه و غيره من أصحابنا، و قال الشهيد في الذكرى، و في الفقيه قال زرارة لأبي جعفر (عليه السلام) أخبرني عن حد الوجه الحديث بعينه، و هو دليل على أن المضمر، هناك هو الباقر (عليه السلام) كما رواه ابن الجنيد، و الشيخ في الخلاف أسنده عن حريز عن أحدهما (عليهما السلام) و تبعه في المعتبر انتهى. و لا يستر عليك أن في كل نسخ التهذيب و الكافي التي عندنا عبارة الحديث" ما دارت السبابة و الوسطى و الإبهام" و في بعض نسخ هذا الكتاب بزيادة لفظة" عليه" لكن في كل نسخ الفقيه" ما دارت عليه الوسطى و الإبهام" بدون الرَّأْسِ إِلَى الذَّقَنِ وَ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ الْإِصْبَعَانِ مِنَ الْوَجْهِ مُسْتَدِيراً فَهُوَ مِنَ الْوَجْهِ وَ مَا سِوَى ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الْوَجْهِ قُلْتُ الصُّدْغُ لَيْسَ مِنَ الْوَجْهِ قَالَ لَا لفظة السبابة و لعله الصواب لأن زيادة السبابة ليست فيها فائدة ظاهرا، و يمكن أن يتكلف بأن يقال: يمكن أن يكون المراد التخيير بين ما دارت عليه السبابة و الوسطى و الإبهام، أو يكون مما دارت عليه الثلاثة الحد الطولي و العرضي، فالطولي ما دارت عليه السبابة و الإبهام، لأن ما بين القصاص إلى الذقن بقدره غالبا، و العرضي ما دارت عليه الوسطى، و الإبهام، و حينئذ يكون قوله (عليه السلام)" من قصاص شعر الرأس إلى الذقن" تماما للحدين معا، و يمكن توجيهات أخر غير ما ذكر كما لا يخفى على المتأمل، و الله أعلم بحقيقة المراد. ثم اعلم أن قوله (عليه السلام)" لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه" مع قوله" إن زاد عليه لم يؤجر" يحتمل معان: أحدهما: أن يكون المراد من لا ينبغي الكراهة، كما هو الظاهر من إطلاقه في الأخبار مع قرينة- إن زاد عليه لم يؤجر- لأن التعبير بهذه العبارة غالبا في المستحبات و المكروهات باعتبار أنه أتى بالمأمور به مع زيادة لغو، أو يحمل على أنه ليس فعله الزيادة لقصد كونه مأمورا به، و إلا لكان تشريعا حراما إما الفعل أو القصد، على ما فصله الأصحاب في زبرهم. و ثانيها: أن يكون المراد منه الحرمة و يحمل على إن فعله الزيادة بقصد كونه مأمورا به، فيكون تشريعا حراما، و على هذا يكون هذا مؤيدا لحرمة الفعل أيضا مع القصد. و ثالثها: أن يكون المراد أعم من الحرمة و الكراهة باعتبار الفردين اللذين ذكرا. و كذا قوله (عليه السلام)" إن نقص عنه أثم" يحتمل وجوها: الأول: أن يكون الإثم و العقاب باعتبار الاكتفاء بذلك الوضوء الذي ترك فيه المأمور به لكون وضوئه و صلاته باطلين و اكتفى بهما فيأثم و يعاقب على تركهما. و الثاني: أن يكون باعتبار أن هذا الوضوء و الصلاة تشريع حرام، فيأثم على فعلهما و إن لم يكتف بهما. هذا إذا اعتقد و قصد شرعيته، و هذا أيضا كسابقه فلا تغفل. و الثالث: أن يكون أعم منهما فتأمل. فائدة اعلم أنه لا خلاف بين علماء الإسلام في وجوب غسل الوجه في الوضوء، و كذا لا خلاف بينهم سوى الزهري في أن ما يجب غسله في الوضوء من الوجه ليس خارجا عن المسافة التي هي من قصاص شعر الرأس إلى طرف الذقن طولا و من وتد الأذن إلى وتد الأذن عرضا، لكنهم اختلفوا في حده، فمنهم من حده بأنه من قصاص شعر الرأس إلى الذقن طولا، و ما دارت عليه الإبهام و الوسطى عرضا، و هذا هو المشهور بين الأصحاب بل كاد أن يكون إجماعا. و ادعى العلامة في المنتهى، و المحقق في المعتبر، أنه مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ثم قال العلامة: و به قال مالك، و قال الشافعي، و أبو حنيفة، و أحمد: ما بين العذار و الأذن من الوجه، و ذهب الزهري إلى أن الأذنين من الوجه يغسلان معه، و قال الشعبي، و الحسن البصري، و إسحاق يغسل ما أقبل و يمسح ما أدبر، ثم اختلف الشافعي و أبو حنيفة فقال الشافعي: المستحب استئناف ماء جديد لهما، و قال أبو حنيفة يمسحهما بماء الرؤوس، و اتفق أهل العلم على أن مسحهما غير واجب إلا ما يحكى عن إسحاق بن راهويه من إيجاب مسحهما، و قال أيضا و نقل شارح الطحاوي، عن أبي يوسف، أنه روي عنه إذا نبتت اللحية زال العذار عن حد الوجه. و قال بعض الحنابلة الصدغان من الوجه انتهى كلامه أعلى الله مقامه. و من جملة ما استدل على المذهب المشهور بين الأصحاب هذه الرواية، لكنهم اختلفوا في معنى هذا الخبر، فمعناه على ما فهمه أكثر الأصحاب أن قوله (عليه السلام): " ما دارت عليه الإبهام و الوسطى" بيان لعرض الوجه و قوله (عليه السلام)" من قصاص شعر الرأس إلى الذقن" لطوله و قوله (عليه السلام):" و ما جرت عليه الإصبعان" تأكيد لبيان العرض، و حملها المحقق البهائي طاب ثراه على معنى آخر، و ادعى في بعض حواشيه أن هذا يستفاد من كلام بعض أصحابنا المتقدمين، فإنهم حددوا الوجه بما حواه الإبهام و الوسطى و لم يخصوا ذلك بالعرض كما فعل المتأخرون، و نقل في المختلف مثله عن ابن الجنيد، و المعنى الذي حمل عليه الخبر هو أن كلا من طول الوجه و عرضه ما اشتمل عليه الإبهام و الوسطى، بمعنى أن الخط الواصل من القصاص إلى طرف الذقن و هو مقدار الإصبعين غالبا إذا فرض ثبات وسطه و أدير على نفسه فيحصل شبه دائرة فذلك القدر هو الذي يجب غسله. و قال في الحبل المتين: و ذلك لأن الجار و المجرور في قوله (عليه السلام)" من قصاص شعر الرأس" إما متعلق بقوله دارت، أو صفة مصدر محذوف و المعنى أن الدوران يبتدئ من القصاص منهيا إلى الذقن، و إما حال من الموصول الواقع خبرا عن الوجه و هو لفظة" ما" إن جوزنا الحال عن الخبر، و المعنى أن الوجه هو القدر الذي دارت عليه الإصبعان حال كونه من القصاص إلى الذقن، فإذا وضع طرف الوسطى مثلا على قصاص الناصية و طرف الإبهام على آخر الذقن، ثم أثبت وسط انفراجهما و دار طرف الوسطى مثلا على الجانب الأيسر إلى أسفل و دار طرف الإبهام على الجانب الأيمن إلى فوق تمت الدائرة المستفادة من قوله (عليه السلام) مستديرا و تحقق ما نطق به قوله (عليه السلام):" ما جرت عليه الإصبعان مستديرا" فهو من الوجه انتهى كلامه أعلى الله مقامه. أقول: و أنت خبير بأنه و إن دقق في إبداء هذا الوجه لكن الظاهر أن حمل الرواية عليه بعيد جدا كما لا يخفى، و ما استدل به على عدم صحة توجيه القوم فسيجيء تفصيل القول فيه إن شاء الله تعالى. ثم اعلم أن أصحابنا (رضوان الله عليهم) بعد اتفاقهم ظاهرا في تحديد الوجه بأنه من قصاص شعر الرأس إلى الذقن طولا و ما جرت عليه الإبهام و الوسطى عرضا، اختلفوا فيه اختلافا كثيرا فمن ذلك ما اختلفوا في أن الصدغ هل هو من الوجه الذي أمر الله عز و جل بغسله أم لا، ذهب أصحابنا إلى أنه ليس من الوجه و لا يجب غسله، إلا الراوندي على ما نقل عنه في الذكرى حيث قال: و ظاهر الراوندي في الأحكام غسل الصدغين و الرواية تنفيه، انتهى. و كذا العامة إلا بعض الحنابلة على ما نقلنا عنهم من المنتهى. و قال شيخنا البهائي: بعد ما نقلنا عنه و بهذا يظهر أن كلا من طول الوجه و عرضه قطر من أقطار تلك الدائرة من غير تفاوت، و يتضح خروج النزعتين و الصدغين عن الوجه و عدم دخولها في التحديد المذكور فإن أغلب الناس إذا طبق انفراج الإصبعين على ما بين قصاص الناصية إلى طرف ذقنه، و أدارهما على ما قلناه، ليحصل شبه دائرة وقعت النزعتان و الصدغان خارجة عنها، و كذلك يقع العذاران و مواضع التحذيف كما يشهد به الاستقراء و التتبع، و أما العارضان فيقع بعضها داخلها و البعض خارجا عنها فيغسل ما دخل و يترك ما خرج على ما يستفاد من الرواية، و حينئذ يستقيم التحديد المذكور فيها، و يسلم عن القصور، و لا يدخل فيه ما هو خارج و لا يخرج ما هو داخل فتأمل انتهى. و قال طاب ثراه، قبل ذلك: و الذي استفاده الأصحاب (رضوان الله عليهم) من هذه الرواية أن الحد الطولي من القصاص إلى طرف الذقن، و الحد العرضي ما حواه الإبهام و الوسطى، و هذا التحديد يقتضي بظاهره دخول النزعتين و الصدغين و العارضين و موضع التحذيف في الوجه و خروج العذارين، لكن النزعتان و إن كانتا تحت القصاص فهما خارجان عن الوجه عند علمائنا و لذلك اعتبروا قصاص الناصية و ما على سمته من الجانبين في عرض الرأس، و أما الصدغان فهما و إن كانا تحت الخط العرضي المار بقصاص الناصية و يحويهما الإصبعان غالبا إلا أنهما خرجا بالنص. و أما العارضان فقد قطع العلامة في المنتهى بخروجهما و شيخنا الشهيد في الذكرى بدخولهما و ربما يستدل بالدخول بشمول الإصبعين لهما و أما مواضع التحذيف فقد أدخلها بعضهم لاشتمال الإصبعين عليها غالبا و وقوعها تحت ما يسامت قصاص الناصية و أخرجها آخرون لنبات الشعر عليها متصلا بشعر الرأس و به قطع العلامة في التذكرة. و أما العذاران فقد أدخلهما بعض المتأخرين و قطع المحقق و العلامة بخروجهما، للأصل و لعدم اشتمال الإصبعين عليهما غالبا و عدم المواجهة بهما، و إذا تقرر هذا ظهر لك أن ما فهمه الأصحاب رضي الله عنهم من هذه الرواية يقتضي خروج بعض الأجزاء عن حد الوجه مع دخوله في التحديد الذي عينه (عليه السلام) فيها و دخول البعض فيه مع خروجه عن التحديد المذكور، و كيف يصدر مثل هذا التحديد الظاهر القصور الموجب لهذا الاختلاف عن الإمام (عليه السلام) فلا بد من إمعان النظر في هذا المقام انتهى كلامه أعلى الله مقامه. و أقول: أما عدم دخول الصدغ في القدر الواجب غسله فلم نعرف فيه خلافا، سوى ما ذكره الشهيد في الذكرى، من أن ظاهر الراوندي في الأحكام غسل الصدغين و يدل عليه صريحا الرواية المتقدمة، و دخوله تحت التحديد المذكور لشمول الإصبعين له غالبا ليس بظاهر بعد ورود النص بخروجه، و قد قيل: إن التحديد المذكور إنما يعتبر في وسط التدوير من الوجه خاصة مع أن في شمول الإصبعين له أيضا تأمل و كذا في دخوله في الوجه، و هذا من جملة ما ذكره المحقق البهائي أنه داخل في التحديد و خارج عن الحد و قد عرفت الحال فيه مع أن الوجه الذي ذكره أيضا قريب مما ذكره القوم في هذا المعنى، إذ على ذلك الوجه أيضا يدخل بعض الصدغ فيما يدار عليه الإصبعان. ثم إنك قد عرفت فيما سبق أن الصدغ قد يطلق و يراد به كل ما بين العين و الأذن، و قد يطلق و يراد به الموضع الذي عليه الشعر، و هو ما فوق العذار، و يمكن أن يحمل الصدغ الذي وقع في كلام زرارة و كلامه (عليه السلام) على المعنى الثاني و حينئذ لا يحتاج إلى القيل و القال لأن الإصبعين لا يحويهما و لا بعضا منهما على جميع التقادير قطعا و يصير مطابقا لما عرفه العلامة و الشهيد نور الله مرقدهما به، و الصدغ الذي في كلام الراوندي على البعض الذي لا شعر عليه و يشملهما الإصبعان لئلا يكون مخالفا للرواية و إجماع الأصحاب، و يمكن أن يكون الصدغ الذي وقع في الرواية بالمعنى الأول و يكون نفيه (عليه السلام) رفعا للإيجاب الكلي أي ليس كل الصدغ من الوجه بل بعضه خارج و بعضه داخل و الأول أظهر و الله تعالى يعلم. و من ذلك ما اختلفوا في أن العذار هل هو من الوجه الذي أمر الله عز و جل بغسله أم لا، فالظاهر من كلام الشيخ في المبسوط و الخلاف و كذا من كلام ابن الجنيد دخوله في الوجه، و يلوح أيضا من كلام ابن أبي عقيل على ما نقل الشهيد (ره) في الذكرى عنهم، و كذا ذهب العلامة إلى الخروج في المنتهى حيث قال: لا يجب غسل ما خرج عما حددناه و لا يستحب كالعذار، و كذا في جملة من كتبه بل ظاهر كلامه في التذكرة دعوى الإجماع منا عليه، و كذا المحقق في المعتبر، و بهذا يشعر أيضا كلام الشيخ (ره) في التهذيب و كذا الشهيد في الدروس حيث قال: و ليس الصدغ و العذاران منه و إن غسلها كان أحوط. و التحقيق، أنه لا نزاع بينهم في الحقيقة بل القائلون بالدخول إنما يريدون به دخول بعض منه مما يشمله الإصبعان و القائلون بالخروج يريدون خروج البعض الأخر كما يشعر به تتبع كلماتهم، و بالجملة ما يقتضيه الدليل ظاهرا هذا التفصيل للرواية السابقة فمن ذهب إلى خلافه إما بإدخال القدر الخارج مما بين الإصبعين، أو بإخراج القدر الداخل فلا يعتد بقوله، أما الثاني فظاهر لمنافاته للرواية بل للاية أيضا لأن الوجه إنما يشمله ظاهرا و أما الأول فلمنافاته للرواية. و ما يقال: إن الوجه إنما يصدق عليه فإخراجه بالرواية مشكل لأنه من باب تخصيص الكتاب بالخبر، و أيضا التكليف اليقيني لا بد فيه من البراءة اليقينية. ففيه: أولا: أن ظهور صدق الوجه على القدر الزائد ممنوع بل غاية الأمر الاحتمال و الرواية مبينة، و هذا مما لا مجال للتوقف في صحته و لو سلم الظهور أيضا فنقول الظاهر إن تخصيص الكتاب بالخبر جائز و ما ذكروا في عدم جوازه مدخول، و موضعه في الأصول، و القول بأن التكليف اليقيني لا بد له من البراءة اليقينية و لا بد في امتثاله من الإتيان بالأفراد المشكوكة أيضا حتى يخرج عن العهدة بيقين، مما يعسر إثباته بل القدر الثابت أن الإتيان بالقدر اليقيني أو الظني كاف في الامتثال. و ما يقال أيضا إن غسله واجب من باب المقدمة، و إن العارض يجب غسله مع اتصاله به و عدم مفصل يقف الغسل عليه دون العذار فيجب غسله أيضا- فضعفه ظاهر لكن الاحتياط في غسله بل في غسل الصدغ أيضا و هذا أيضا من جملة ما ذكره الشيخ البهائي (ره) أنه خارج عن التحديد و داخل في الحد عند بعض المتأخرين. و أنت خبير بما فيه بل نقول يظهر من كتب اللغة و من الأصحاب (رضوان الله عليهم) إن العذار هو الشعر المتصل بالإذن كما أنه في الدابة موضع السير الذي هو متصل بإذنه و لا ريب في أن هذا الموضع لا يحويهما الإصبعان على جميع التقادير كما لاحظناه مرارا من أكثر الناس الذين خلقتهم مستوية، و ما يحويهما من بعض الشعرات التي هي محاذية لشحمتي الأذن مما يلي الخد فظاهر أنها ليست من العذار كما لا يخفى على المتأمل في كلام القوم. و من ذلك ما اختلفوا في العارض هل هو من الوجه الذي أمر الله عز و جل بغسله أم لا فذهب الشهيد طاب ثراه في الذكرى، و الدروس إلى أنه من الوجه قطعا، و كذا الشهيد الثاني (قدس سره) بل ظاهر كلامه دعوى الإجماع عليه، و ذهب العلامة في المنتهى إلى عدم وجوب غسله و لا استحبابه من غير ذكر خلاف فيه، و قال في النهاية و العارض و هو ما ينحط عن القدر المحاذي للأذن لا يجب غسل ما ما خرج عن حد الإصبعين منهما لخروجهما عن اسم الوجه و الظاهر أن مراده (رحمه الله) مما ذكر في المنتهى ذلك و الكلام في هذه المسألة أيضا كالكلام في سابقتها من أن الظاهر فيها أيضا التفصيل السابق. قوله (عليه السلام)" و ما جرت عليه الإصبعان من الوجه" و من ذلك النزعتان هل هما من الوجه أم لا فقد صرح اللغويون بأنهما من الرأس، و الظاهر أنه لا خلاف بينهم في ذلك و أكثر علمائنا أيضا قد صرحوا بذلك، مثل العلامة في المنتهى، و الشهيد (ره) في الذكرى حيث قال: لا يجب غسل النزعتين و هما البياضان المكتنفان للناصية أعلى الجبين كما لا يجب غسل الناصية و لأن القصاص غالبا في حد التسطيح الذي ينفصل به الوجه عن الرأس لأن ميل الرأس إلى التدوير و النزعتان و الناصية في محل التدوير. و كذا في الدروس حيث قال: و لا يجب غسل النزعتين و هما البياضان المكتنفان للناصية في أعلى الجبين. و قال السيد المحقق صاحب المدارك: أما النزعتان، و هما البياضان المحيطان بالناصية فلا يجب غسلهما كما لا يجب غسل الناصية و كذا غيرهم من الأصحاب و الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في ذلك حيث إنهم لم ينقلوا الخلاف فيها كما لا ينقلوا الإجماع، بل الظاهر أن المسلمين متفقون في ذلك حيث لم ينقل الخلاف من أحد منهم و الله تعالى يعلم و خلفاؤه. و من ذلك ما اختلفوا في مواضع التحذيف فالظاهر من كلام السيد المدقق صاحب المدارك وجوب غسله و كونه من الوجه حيث قال: و يستفاد من تحديد الوجه من أعلاه بمنابت شعر الرأس وجوب غسل مواضع التحذيف فالأحوط أنها من الوجه لاشتمال الإصبعين على طرفها غالبا و لوقوعها في التسطيح و المواجهة. و ذهب العلامة (ره) في المنتهى إلى العدم و كذا في التذكرة حيث قال: إنه ليس من الوجه لنبات الشعر عليه فهو من الرأس، و للشافعي وجهان، أحدهما أنه من الوجه و لذلك تعتاد النساء إزالة الشعر عنه و به سمي موضع التحذيف و الأولى أن لا يحذفه من حيث دخوله في التسطيح و التحديد، و كونه منبت الشعر ليس بضائر لعدم القطع بأنه مما يعد من شعر الرأس لكن لما كان يشك في كونه شعر الرأس و قد علمت أن القدر المشكوك لا دليل على وجوب الإتيان به في التكاليف اليقينية، فالظاهر ههنا أيضا عدم الوجوب، لكن الأولى الأخذ بالاحتياط التام و عدم ترك غسله خروجا عن الخلاف. و من ذلك البياضان الواقعان بين الأذن و العذار فلا خلاف بين أصحابنا في عدم الدخول و لا يشملها الإصبعان قطعا و لا يحصل بهما المواجهة، فلا وجوب فيه، و لا احتياط، و ممن صرح بذلك السيد المدقق صاحب المدارك، و العلامة (ره) في المنتهى، و التذكرة حيث قال: لا يجب غسل ما بين الأذنين و العذار من البياض عندنا، و به قال مالك لأنه ليس من الوجه، و قال الشافعي يجب على الأمرد، و الملتحي، و قال أبو يوسف يجب على الأمرد خاصة، انتهى.
الكافي — كتاب الطهارة · بَابُ حَدِّ الْوَجْهِ الَّذِي يُغْسَلُ وَ الذِّرَاعَيْنِ وَ كَيْفَ يُغْسَلُ