الأقسامالكافيكتاب الحج
الكافي · رقم ٢

وَ رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَالَ فِي خُطْبَةٍ لَهُ وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ وَ مَعَادِنَ الْعِقْيَانِ وَ مَغَارِسَ الْجِنَانِ قوله (عليه السلام):" استوخم الحق" أي وجده وخيما ثقيلا و لم يسهل عليه إساغته و قوله (عليه السلام):" لم يستعذبه" أي لم يجده عذبا و هما كنايتان عن ثقل قبول الحق عليه و" المنهل" الشرب. و في القاموس:" الصدر" الرجوع، و قد صدر غيره و أصدره و صدره فصدر و قال استوى اعتدل. قال الوالد العلامة: رفع الله مقامه، نصبه على استواء الكمال: هو جعل كل فعل من أفعاله سببا لرفع رذيلة من الرذائل النفسانية و موجبا لحصول فضيلة من الفضائل القلبية، أو المراد به الكمالات المعنوية للكعبة التي يفهمها أرباب القلوب و يؤيده قوله" و مجتمع العظمة و الجلال" فإن عظمته و جلالته معنويتان، أو التعظيم الذي في قوله تعالى" بَيْتِيَ" بإضافة الاختصاص و تعظيم أنبيائه له حتى صار معظما في قلوب المؤمنين و يقاسون الشدائد العظيمة في الوصول إليه. قوله (عليه السلام):" فأحق" هو مبتدأ و الجلالة خبره. الحديث الثاني: مرسل. و هي من جملة الخطبة التي تسمى القاصعة. قوله (عليه السلام):" كنوز الذهبان" هو بالضم جمع ذهب و في النهج و معادن العقيان. وَ أَنْ يَحْشُرَ طَيْرَ السَّمَاءِ وَ وَحْشَ الْأَرْضِ مَعَهُمْ لَفَعَلَ وَ لَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَاءُ وَ بَطَلَ الْجَزَاءُ وَ اضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ وَ لَمَا وَجَبَ لِلْقَائِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلَيْنَ وَ لَا لَحِقَ الْمُؤْمِنِينَ ثَوَابُ الْمُحْسِنِينَ وَ لَا لَزِمَتِ الْأَسْمَاءُ أَهَالِيَهَا عَلَى مَعْنًى مُبِينٍ وَ لِذَلِكَ لَوْ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمٰاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنٰاقُهُمْ لَهٰا خٰاضِعِينَ وَ لَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلْوَى عَنِ النَّاسِ أَجْمَعِينَ وَ لَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِ نِيَّاتِهِمْ وَ ضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالاتِهِمْ مِنْ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَ الْعُيُونَ غَنَاؤُهُ وَ خَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الْأَسْمَاعَ وَ الْأَبْصَارَ أَذَاؤُهُ وَ لَوْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ وَ عِزَّةٍ لَا تُضَامُ وَ مُلْكٍ يُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ وَ يُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ قوله (عليه السلام):" و اضمحلت الإنباء" في النهج و" اضمحل الإنباء" أي تلاشت و فنيت و بطلت الإنباء بالوعد و الوعيد و قوله" و لما وجب للقائين" أي للحق. قوله (عليه السلام):" و لا لزمت الأسماء" كالمؤمن و المتقي و الزاهد و العابد و في النهج و لا لزمت الأسماء معانيها و ليس فيه على معنى مبين. قوله (عليه السلام):" و لذلك" إشارة إلى قوله تعالى" إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمٰاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنٰاقُهُمْ لَهٰا خٰاضِعِينَ" و يمكن توجيهه بوجهين. الأول: أن يكون المعنى لأجل ما ذكرنا من بطلان الجزاء و سقوط البلاء قال الله تعالى: على وجه الإنكار" إن نشأ نزل" فأقام (عليه السلام) كلمة لو مكان أن للإشعار بأن المراد بالآية: الإنكار، و عدم كون المصلحة في ذلك فلذا لم يفعل. و الثاني: أن يكون الظرف متعلقا بقوله ظلت أي و لما ذكرنا من سقوط البلاء و نظائره ظلت أعناقهم خاضعين على تقديم نزول البلاء و لا يخفى بعده، و قوله من قناعة في النهج: مع قناعة و فيه غنى مكان غناؤه و الخصاصة الفقر. قوله (عليه السلام):" أذاه" في بعض النسخ أداؤه بالمهملة و في بعضها بالمعجمة و في النهج أذى و يظهر من القاموس الأذاء يجيء ممدودا و بالمهملة يحتاج إلى تكلف و التذكير للمصدرية و يقال ضامه حقه و استضامه انتقصه، و الضيم الظلم. قوله (عليه السلام):" تمد نحوه" أي يؤمله المؤملون فكل من أمل شيئا طمح الرِّحَالِ لَكَانَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الِاخْتِبَارِ وَ أَبْعَدَ لَهُمْ فِي الِاسْتِكْبَارِ وَ لآَمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً وَ الْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً وَ لَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الِاتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ وَ التَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ وَ الْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ وَ الِاسْتِكَانَةُ لِأَمْرِهِ وَ الِاسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً لَا تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ وَ كُلَّمَا كَانَتِ الْبَلْوَى وَ الِاخْتِبَارُ أَعْظَمَ كَانَتِ الْمَثُوبَةُ وَ الْجَزَاءُ أَجْزَلَ أَ لَا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اخْتَبَرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنِ آدَمَ إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ بِأَحْجَارٍ لَا تَضُرُّ وَ لَا تَنْفَعُ وَ لَا تُبْصِرُ إليه بصره و مد إليه عنقه و سافر رغبة إليه. قوله (عليه السلام):" فكانت النيات مشتركة" أي يكون المكلف قد فعل الإيمان لكلا الأمرين فلم يكن نياتهم في أيمانهم و لا حسناتهم خالصة لله بل مشتركة و مقتسمة بعضها له و بعضها للرغبة و بعضها للرهبة كذا ذكره ابن أبي الحديد، و ابن ميثم. و قيل يحتمل أن يقال: لو كانت الأنبياء أهل قوة و عزة و ملك لا من بهم و سلم لأمرهم جميع أهل الأرض عن رغبة و رهبة فكانت النيات و الحسنات مشتركة مقتسمة بين الناس و لم يتميز المطيع عن العاصي و المؤمن عن الكافر و لم يتميز من عمل لله خالصة عن من فعل الحسنات لأغراض أخر فلم يكن الاستلام و الخشوع لله خاصة لكن لا- يخفى أن الأول أظهر و ربما بعده أنسب فتأمل. و قال ابن ميثم: و يروي فكانت السيئات مشتركة أي كانت السيئات الصادرة منهم مشتركة بينهم و بين من فعلوها رهبة منه. قوله (عليه السلام):" و الجزاء أجزل" أي أعظم، و في النهج إلى الأخيرين معرفا باللام و فيه لا تضر قوله (عليه السلام):" جعله للناس قياما" إشارة إلى قوله تعالى" جَعَلَ اللّٰهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرٰامَ قِيٰاماً لِلنّٰاسِ" قال الطبرسي (ره) القيام مصدر كالصيام، أي: جعل الله حج الكعبة، أو نصب الكعبة" قِيٰاماً لِلنّٰاسِ" أي لمعايش الناس و مكاسبهم وَ لَا تَسْمَعُ فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً وَ أَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً وَ أَضْيَقِ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ مَعَاشاً وَ أَغْلَظِ مَحَالِّ الْمُسْلِمِينَ لما يحصل لهم في زيادتها من التجارة و أنواع البركة و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام). و قيل: معناه أنهم لو تركوه عاما واحدا لم يحجوه لما نوظروا إن أهلكهم الله رواه علي بن إبراهيم عنهم (عليهم السلام). أقول: و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما روي أن الكعبة و القرآن أمانان لله في الأرض فإذا رفعا إلى السماء نزل عليهم العذاب و قامت الساعة. قوله (عليه السلام):" ثم جعله" في النهج: ثم وضعه و قال في النهاية:" جبل وعر" أي غليظ حزن، يصعب الصعود إليه، و قال في النهاية: في حديث علي (عليه السلام)" أقل نتائق الدنيا مدرا" النتائق جمع نتيقة و هي فعيلة. بمعنى مفعوله، من النتق و هو أن يقلع الشيء فترفعه من مكانه لترمي به هذا هو الأصل و أراد بها هاهنا البلاد لرفع بنائها و شهرتها في موضعها. و قال ابن أبي الحديد: أصل هذه اللفظة من قولهم امرأة منتاق أي كثيرة الحبل و الولادة. و يقال: ضيعة منتاق: أي كثيرة الربع فجعل (عليه السلام) الضياع ذوات المدر التي يثأر للحرث نتائق و قال: إن مكة أقلها صلاحا للزرع لأن أرضها حجرية. و قال الفيروزآبادي: المدر: محركة قطع الطين النبق بالكسر و هو أرفع موضع في الجبل. قوله (عليه السلام):" معاشا" في النهج مكانه قطرا و هو بالضم الجانب. مِيَاهاً بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ وَ رِمَالٍ دَمِثَةٍ وَ عُيُونٍ وَشِلَةٍ وَ قُرًى مُنْقَطِعَةٍ وَ أَثَرٍ مِنْ مَوَاضِعِ قَطْرِ السَّمَاءِ دَاثِرٍ لَيْسَ يَزْكُو بِهِ خُفٌّ وَ لَا ظِلْفٌ وَ لَا حَافِرٌ ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ وَ وُلْدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ وَ غَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ قوله (عليه السلام):" دمثة" قال في النهاية" الدمث" الأرض السهلة الرخوة و الرمل الذي ليس بمتلبد. و قال ابن أبي الحديد: أي سهلة و كل ما كان الرمل أسهل كان أبعد من أن ينبت. و قال ابن ميثم: إنما ذكر الرمال اللينة في معرض الدم لأنها أيضا مما لا يزكوا بها الدواب لأن حافر الدواب يسوخ فيها و يتعب في المشي بها و لو شل بالتحريك الماء القليل. قوله (عليه السلام):" و أثر" ليست هذه الفقرة في النهج بل فيه هكذا و قرى منقطعة لا يزكو بها خف و لا حافر و لا ظلف، و قال الفيروزآبادي:" وثر يثره و وثره توثيرا" وطئه و قد وثر ككرم انتهى، أي بين آثار منطمسة من سيلان الأمطار قد خربت تلك القرى و ذهبت الأمطار بآثارها، و في بعض النسخ داثر مكان واثرة و على التقديرين لا يخلو من تكلف و لعله لهذا أسقطه السيد (ره) و المراد" بالخف و الظلف و الحافر" الجمل و الخيل و البقر و الغنم من قبيل إطلاق الجزء على الكل أو بحذف المضاف. قوله (عليه السلام):" أعطافهم" عطفا الرجل جانباه: أي يقصدوه و يحجوه و" يثنوا" أي يميلوا جوانبهم متوجهين إليه معرضين عن غيره و ليس من قبيل قوله تعالى" ثٰانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ" فإنه بمعنى أماله الجانب للإعراض أو التجبر على ما ذكره المفسرون. قوله (عليه السلام)" مثابة" قال الطبرسي: (ره) في قوله تعالى" وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثٰابَةً مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ مُتَّصِلَةٍ وَ جَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ وَ مَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلًا يُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ وَ يَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ قَدْ نَبَذُوا الْقُنُعَ وَ السَّرَابِيلَ لِلنّٰاسِ" المثابة هاهنا الموضع الذي يثاب إليه من ثاب يثوب مثابة و مثابا أي رجع. و قيل: إن الثاء فيه للمبالغة كما قالوا: نسابة. و قيل: إن معناهما واحد كما قالوا مقام و مقامة، و قوله تعالى" مَثٰابَةً لِلنّٰاسِ" ذكر فيه وجوه. فقيل: إن الناس يثوبون إليه كل عام أي: ليس هو مرة في الزمان فقط على الناس. و قيل: معناه أنه لا ينصرف عنه أحد و هو يرى أنه قد مضى منه وطرا فهم يعودون إليه. و قيل: معناه و يحجون إليه فيثابون عليه. و قيل: مثابة أي معاذا و ملجأ. و قيل: مجمعا و المعنى في الكل يؤول إلى أنهم يرجعون إليه مرة بعد مرة. و قال ابن أبي الحديد:" النجعة" طلب الكلام في الأصل ثم تسمى كل من قصد أمرا يروم النفع فيه منتجعا. قوله (عليه السلام):" ثمار الأفئدة" قال ابن أبي الحديد: ثمرة الفؤاد هي سويداء القلب، و منه قولهم للولد هو ثمرة الفؤاد. و أقول: الظاهر أنه إشارة إلى ما ورد في بعض الأخبار في قوله تعالى" وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرٰاتِ" أن المراد بها ثمرات القلوب. وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَ حَسَرُوا بِالشُّعُورِ حَلْقاً عَنْ رُءُوسِهِمُ ابْتِلَاءً عَظِيماً وَ اخْتِبَاراً كَبِيراً وَ امْتِحَاناً و" المفاوز" جمع مفاوزة و هي الفلاة سميت مفازة: إما لأنها مهلكة من قولهم فوز الرجل أي هلك، و إما تفاؤلا بالسلامة و الفوز. و قال ابن أبي الحديد: و الرواية المشهورة من مفاوز قفار بالإضافة. و قد روى قوم: من مفاوز بفتح الزاي لأنه لا ينصرف و لم يضيفوا و جعلوا قفار صفة. و في النهج: مكان متصلة سحيقة أي بعيدة. و" المهاوى" المساقط و" الفج" الطريق بين الجانبين. و قوله" حتى يهزوا" قال الجوهري: هزت الشيء هزا فاهتز، أي حركته فتحرك. و قال ابن أبي الحديد: أي يحركهم الشوق نحوه إلى أن يسافروا إليه فكني عن السفر: بهز المناكب. " و ذللا" حال إما منهم، أو من المناكب. و في النهج بعد ذلك يهلون لله حوله و يرملون على أقدامهم. و قال ابن أبي الحديد:" يهلون" أي يرفعون أصواتهم بالتلبية، و يروى يهللون انتهى. و يقال:" رمل" أي أسرع في المشي و على ما في الكتاب يرملوا معطوف على يهزوا و" الشعث" انتشار الأمر و المراد هنا انتشار الشعر و دخول بعضها في بعض بترك الترجيل. و الحاصل: إنهم لا يتعهدون شعورهم و لا ثيابهم و لا أبدانهم، و القنع بالضم جمع القناع و هو المقنعة و السلاح و ليس هذه اللفظة في النهج بل فيه قد نبذوا السرابيل و" السربال" القميص. قوله (عليه السلام):" و حسروا" يقال: حسرت كمي عن ذراعي [ذراعيه] كشفت، و في شَدِيداً وَ تَمْحِيصاً بَلِيغاً وَ قُنُوتاً مُبِيناً جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ وَ وُصْلَةً وَ وَسِيلَةً إِلَى جَنَّتِهِ وَ عِلَّةً لِمَغْفِرَتِهِ وَ ابْتِلَاءً لِلْخَلْقِ بِرَحْمَتِهِ وَ لَوْ كَانَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ وَ مَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ بَيْنَ جَنَّاتٍ وَ أَنْهَارٍ وَ سَهْلٍ وَ قَرَارٍ جَمَّ الْأَشْجَارِ دَانِيَ الثِّمَارِ مُلْتَفَّ النَّبَاتِ مُتَّصِلَ الْقُرَى مِنْ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ وَ رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ وَ أَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ وَ عِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ وَ زُرُوعٍ نَاضِرَةٍ وَ طُرُقٍ عَامِرَةٍ وَ حَدَائِقَ كَثِيرَةٍ لَكَانَ قَدْ صَغُرَ الْجَزَاءُ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلَاءِ ثُمَّ لَوْ كَانَتِ الْأَسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا وَ الْأَحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ النهج مكان هذه الفقرة و شوهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم. و قال: في النهاية" المحص" التلخيص و منه تمحيص الذنوب أي إزالتها و منه حديث علي (عليه السلام) و ذكر فتنة فقال:" يمحص الناس فيها كما يمحص الذهب المعدن" أي يخلصون بعضهم من بعض، كما يخلص ذهب المعدن من التراب. و قيل: يختبرون كما يختبر الذهب ليعرف جودته من رداءته. و في النهج هكذا ابتلاء عظيما و امتحانا شديدا و اختبارا مبينا و تمحيصا بليغا جعله الله سببا لرحمته و وصلة إلى جنته. قوله (عليه السلام):" و مشاعره" هو جمع مشعر أي محل العبادة و موضعها. قوله (عليه السلام):" و سهل" أي في مكان سهل يستقر فيه الناس و لا ينالهم من المقام به مشقة و الجم الكثير، و في النهج ملتف النبي أي مشيتك العمارة، و البرة الواحدة" البر" و هي الحنطة. و" الأرياف" جمع ريف و هو كل أرض فيها زرع و نخل. و قيل: هو ما قارب الماء من الأرض. و قال الفيروزآبادي:" حدقوا به" أطافوا كأحدقوا،" و الحديقة" الروضة ذات الشجر أو البستان من النخل و الشجر، و كلما أحاط به البناء أو القطعة من النخل و" أحدقت الروضة" صارت حديقة و قال: الغدق الماء الكثير، و أغدق المطر كثر وَ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَ نُورٍ وَ ضِيَاءٍ لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكِّ فِي الصُّدُورِ وَ لَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ الْقُلُوبِ وَ لَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ مِنَ النَّاسِ وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَخْتَبِرُ عَبِيدَهُ- بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ وَ يَتَعَبَّدُهُمْ بِأَلْوَانِ الْمَجَاهِدِ وَ يَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَ إِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ وَ أَسْبَاباً ذُلُلًا لِعَفْوِهِ وَ فِتْنَتِهِ كَمَا قَالَ الم. أَ حَسِبَ النّٰاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّٰا وَ هُمْ لٰا يُفْتَنُونَ. قطرة" و النضارة" الحسن، و في النهج قدر الجزاء و لو كانت. قوله (عليه السلام):" من مصارعة الشك" في بعض النسخ بالصاد المهملة أي منازعته و مجادلته، و في بعضها بالمعجمة أي مقاربة الشك و دنوة من النفس من مضارعة الشمس إذا دنت للمغيب و يقال: ضرع السبع من الشيء إذا دنا أو مشابهة الشك أي الأمر المشكوك فيه باليقين. قوله (عليه السلام):" مجاهدة إبليس" بالإضافة إلى الفاعل أو المفعول. قوله (عليه السلام):" معتلج الريب" قال في النهاية: هو من اعتلجت الأمواج إذا التطمت أو من اعتلجت الأرض إذا طال نباتها انتهى. و الأول أظهر و هو مصدر ميمي أي و لنفي اضطراب الشك. قوله (عليه السلام):" بألوان المجاهدة" في النهج بألوان المجاهد" جمع مجهدة و هي المشقة. قوله (عليه السلام):" في أنفسهم" في النهج في نفوسهم" و ليجعل ذلك أبوابا فتحا" بضمتين أي مفتوحة. قوله (عليه السلام):" ذللا" أي سهلة". قوله تعالى:" أَ حَسِبَ النّٰاسُ" أي أ حسب ما تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا؟ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّٰهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكٰاذِبِينَ

الكافي — كتاب الحج · بَابُ ابْتِلَاءِ الْخَلْقِ وَ اخْتِبَارِهِمْ بِالْكَعْبَةِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.