عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ دَخَلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)فَرَأَى عَلَيْهِ ثِيَابَ بِيضٍ كَأَنَّهَا غِرْقِئُ الْبَيْضِ فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَذَا اللِّبَاسَ لَيْسَ مِنْ لِبَاسِكَ فَقَالَ لَهُ اسْمَعْ مِنِّي وَ(عليه السلام)مَا أَقُولُ لَكَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ عَاجِلًا وَ آجِلًا إِنْ أَنْتَ مِتَّ عَلَى السُّنَّةِ وَ الْحَقِّ وَ لَمْ تَمُتْ عَلَى بِدْعَةٍ أُخْبِرُكَ أَنَّ كتاب المعيشة باب دخول الصوفية على أبي عبد الله (عليه السلام) و احتجاجه عليهم فيما ينهون الناس عنه من طلب الرزق الحديث الأول: ضعيف. قوله (عليه السلام):" غرقئ البيض"، في القاموس:" الغرقئ كزبرج" القشرة الملتزقة ببياض البيض. قوله (عليه السلام)،" إن أنت مت"، أي انتفاعك بما أقول آجلا إنما يكون إذا تركت البدع. رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)كَانَ فِي زَمَانٍ مُقْفِرٍ جَدْبٍ فَأَمَّا إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا فَأَحَقُّ أَهْلِهَا بِهَا أَبْرَارُهَا لَا فُجَّارُهَا وَ مُؤْمِنُوهَا لَا مُنَافِقُوهَا وَ مُسْلِمُوهَا لَا كُفَّارُهَا فَمَا أَنْكَرْتَ يَا ثَوْرِيُّ فَوَ اللَّهِ إِنَّنِي لَمَعَ مَا تَرَى مَا أَتَى عَلَيَّ مُذْ عَقَلْتُ صَبَاحٌ وَ لَا مَسَاءٌ وَ لِلَّهِ فِي مَالِي حَقٌّ أَمَرَنِي أَنْ أَضَعَهُ مَوْضِعاً إِلَّا وَضَعْتُهُ قَالَ فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِمَّنْ يُظْهِرُونَ الزُّهْدَ وَ يَدْعُونَ النَّاسَ أَنْ يَكُونُوا مَعَهُمْ عَلَى مِثْلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّقَشُّفِ فَقَالُوا لَهُ إِنَّ صَاحِبَنَا حَصِرَ عَنْ كَلَامِكَ وَ لَمْ تَحْضُرْهُ حُجَجُهُ- فَقَالَ لَهُمْ فَهَاتُوا حُجَجَكُمْ فَقَالُوا لَهُ إِنَّ حُجَجَنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُمْ فَأَدْلُوا بِهَا فَإِنَّهَا أَحَقُّ مَا اتُّبِعَ وَ عُمِلَ بِهِ فَقَالُوا يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مُخْبِراً عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ص- وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فَمَدَحَ فِعْلَهُمْ وَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَ يُطْعِمُونَ الطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً فَنَحْنُ نَكْتَفِي بِهَذَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْجُلَسَاءِ إِنَّا رَأَيْنَاكُمْ تَزْهَدُونَ فِي الْأَطْعِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَ مَعَ ذَلِكَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْخُرُوجِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَتَّى تَمَتَّعُوا أَنْتُمْ مِنْهَا قوله (عليه السلام):" في زمان مقفر"، قال الجوهري:" القفر" مفازة لا نبات فيها و لا ماء، و نزلنا ببني فلان فبتنا القفر: أي لم يقرونا، و" قفرت المرأة" بالكسر فهي قفرة أي: قليلة اللحم،" و القفار" بالفتح: الخبز بلا أدم،" و أقفرت الدار" خلت،" و أقفر فلان" إذا لم يبق عنده أدم، و قال الفيروزآبادي:" القشف": رثاثة الهيئة و سوء الحال و ضيق العيش،" و المتقشف" المتبلغ بقوت و مرقع. و الحصر: العي و يقال: أدلى بحجته أي احتج بها. قوله (عليه السلام):" وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ"، قال البيضاوي: يقدمون المهاجرين على أنفسهم" وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ" أي حاجة" وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ" حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال و بغض الإنفاق. قوله تعالى:" عَلىٰ حُبِّهِ" أي حب الله أو الطعام أو الإطعام، و كلمة" أو" في قولهم فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)دَعُوا عَنْكُمْ مَا لَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ أَخْبِرُونِي أَيُّهَا النَّفَرُ أَ لَكُمْ عِلْمٌ بِنَاسِخِ الْقُرْآنِ مِنْ مَنْسُوخِهِ وَ مُحْكَمِهِ مِنْ مُتَشَابِهِهِ الَّذِي فِي مِثْلِهِ ضَلَّ مَنْ ضَلَّ وَ هَلَكَ مَنْ هَلَكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَقَالُوا لَهُ أَوْ بَعْضِهِ فَأَمَّا كُلُّهُ فَلَا فَقَالَ لَهُمْ فَمِنْ هُنَا أُتِيتُمْ وَ كَذَلِكَ أَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ إِخْبَارِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِيَّانَا فِي كِتَابِهِ- عَنِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِحُسْنِ فِعَالِهِمْ فَقَدْ كَانَ مُبَاحاً جَائِزاً وَ لَمْ يَكُونُوا نُهُوا عَنْهُ وَ ثَوَابُهُمْ مِنْهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ أَمَرَ بِخِلَافِ مَا عَمِلُوا بِهِ فَصَارَ أَمْرُهُ نَاسِخاً لِفِعْلِهِمْ وَ كَانَ نَهَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رَحْمَةً مِنْهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ نَظَراً لِكَيْلَا يُضِرُّوا بِأَنْفُسِهِمْ وَ عِيَالاتِهِمْ مِنْهُمُ الضَّعَفَةُ الصِّغَارُ وَ الْوِلْدَانُ وَ الشَّيْخُ الْفَانِي وَ الْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ الَّذِينَ لَا يَصْبِرُونَ عَلَى الْجُوعِ فَإِنْ تَصَدَّقْتُ بِرَغِيفِي وَ لَا رَغِيفَ لِي غَيْرُهُ ضَاعُوا وَ هَلَكُوا جُوعاً فَمِنْ ثَمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)خَمْسُ تَمَرَاتٍ أَوْ خَمْسُ قُرَصٍ أَوْ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ يَمْلِكُهَا الْإِنْسَانُ وَ هُوَ يُرِيدُ أَنْ يُمْضِيَهَا فَأَفْضَلُهَا مَا أَنْفَقَهُ الْإِنْسَانُ عَلَى وَالِدَيْهِ ثُمَّ الثَّانِيَةُ عَلَى نَفْسِهِ وَ عِيَالِهِ ثُمَّ الثَّالِثَةُ عَلَى قَرَابَتِهِ الْفُقَرَاءِ ثُمَّ الرَّابِعَةُ عَلَى جِيرَانِهِ الْفُقَرَاءِ ثُمَّ الْخَامِسَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ هُوَ أَخَسُّهَا أَجْراً- وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)لِلْأَنْصَارِيِّ حِينَ أَعْتَقَ عِنْدَ مَوْتِهِ خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً مِنَ الرَّقِيقِ وَ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ وَ لَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ لَوْ أَعْلَمْتُمُونِي أَمْرَهُ مَا تَرَكْتُكُمْ تَدْفِنُوهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يَتْرُكُ صِبْيَةً " أو بعضه" بمعنى بل. و قال الفيروزآبادي:" أتى عليه الدهر": أهلكه، و أتي فلان- كعني-: أشرف عليه العدو. قوله (عليه السلام):" و كذلك" أي فيها ناسخ و منسوخ و محكم و متشابه و أنتم لا تعرفونها. قوله (عليه السلام):" فقد كان مباحا"، هذا لا ينافي ما ذكره (عليه السلام) في جواب الثوري فإنه علة لشرعية الحكم أولا و نسخة ثانيا. قوله (عليه السلام):" و ذلك" لعله تعليل لما فهم سابقا من عدم استمرار حكم الجواز و من عدم صحته استدلالهم بالآيتين. قوله (عليه السلام):" أن يمضيها" أي يذهبها و يفنيها. و قال الجزري:" استكف و تكفف" إذا أخذ ببطن كفه أو سأل كفا من الطعام أو ما يكف به الجوع، صِغَاراً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَالَ ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى ثُمَّ هَذَا مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ رَدّاً لِقَوْلِكُمْ وَ نَهْياً عَنْهُ مَفْرُوضاً مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ قَالَ وَ الَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً أَ فَلَا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ غَيْرَ مَا أَرَاكُمْ تَدْعُونَ النَّاسَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَثَرَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ سَمَّى مَنْ فَعَلَ مَا تَدْعُونَ النَّاسَ إِلَيْهِ مُسْرِفاً وَ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يَقُولُ- إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ فَنَهَاهُمْ عَنِ الْإِسْرَافِ وَ نَهَاهُمْ عَنِ التَّقْتِيرِ وَ لَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَا يُعْطِي جَمِيعَ مَا عِنْدَهُ ثُمَّ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَهُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِنَّ أَصْنَافاً مِنْ أُمَّتِي لَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ دُعَاؤُهُمْ رَجُلٌ يَدْعُو عَلَى وَالِدَيْهِ وَ رَجُلٌ يَدْعُو عَلَى غَرِيمٍ ذَهَبَ لَهُ بِمَالٍ فَلَمْ يَكْتُبْ عَلَيْهِ وَ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ وَ رَجُلٌ يَدْعُو عَلَى امْرَأَتِهِ وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ تَخْلِيَةَ سَبِيلِهَا بِيَدِهِ وَ رَجُلٌ يَقْعُدُ فِي بَيْتِهِ وَ يَقُولُ رَبِّ ارْزُقْنِي وَ لَا يَخْرُجُ وَ لَا يَطْلُبُ الرِّزْقَ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ عَبْدِي أَ لَمْ أَجْعَلْ لَكَ السَّبِيلَ إِلَى الطَّلَبِ وَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ بِجَوَارِحَ صَحِيحَةٍ فَتَكُونَ قَدْ أَعْذَرْتَ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكَ فِي الطَّلَبِ لِاتِّبَاعِ أَمْرِي وَ لِكَيْلَا تَكُونَ كَلًّا عَلَى أَهْلِكَ فَإِنْ شِئْتُ رَزَقْتُكَ وَ إِنْ شِئْتُ قَتَّرْتُ عَلَيْكَ وَ أَنْتَ غَيْرُ مَعْذُورٍ عِنْدِي وَ رَجُلٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا كَثِيراً فَأَنْفَقَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ يَدْعُو يَا رَبِّ ارْزُقْنِي فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَ لَمْ أَرْزُقْكَ رِزْقاً وَاسِعاً فَهَلَّا اقْتَصَدْتَ فِيهِ كَمَا أَمَرْتُكَ وَ لِمَ تُسْرِفُ وَ قَدْ نَهَيْتُكَ عَنِ الْإِسْرَافِ وَ رَجُلٌ يَدْعُو فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ ثُمَّ عَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نَبِيَّهُ(صلى الله عليه وآله وسلم)كَيْفَ يُنْفِقُ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ أُوقِيَّةٌ مِنَ الذَّهَبِ فَكَرِهَ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهُ فَتَصَدَّقَ بِهَا فَأَصْبَحَ وَ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ وَ جَاءَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُعْطِيهِ فَلَامَهُ السَّائِلُ وَ اغْتَمَّ هُوَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُعْطِيهِ وَ كَانَ رَحِيماً رَقِيقاً و منه الحديث أنه قال لسعد:" خير من أنه تتركهم عالة يتكففون الناس" أي: يمدون أكفهم إليهم يسألونهم و قال البيضاوي:" وَ لَمْ يَقْتُرُوا" أي لم يضيقوا" وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً" أي وسطا و عدلا، سمي به لاستقامة الطرفين. و قال الفيروزآبادي:" الكل" الثقيل لا خير فيه و العيال. و قال في مجمع البيان في قوله فَأَدَّبَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ(صلى الله عليه وآله وسلم)بِأَمْرِهِ فَقَالَ وَ لٰا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ وَ لٰا تَبْسُطْهٰا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً يَقُولُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ يَسْأَلُونَكَ وَ لَا يَعْذِرُونَكَ فَإِذَا أَعْطَيْتَ جَمِيعَ مَا عِنْدَكَ مِنَ الْمَالِ كُنْتَ قَدْ حَسَرْتَ مِنَ الْمَالِ فَهَذِهِ أَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)يُصَدِّقُهَا الْكِتَابُ وَ الْكِتَابُ يُصَدِّقُهُ أَهْلُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ مَوْتِهِ حَيْثُ قِيلَ لَهُ أَوْصِ فَقَالَ أُوصِي بِالْخُمُسِ وَ الْخُمُسُ كَثِيرٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ رَضِيَ بِالْخُمُسِ فَأَوْصَى بِالْخُمُسِ وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ الثُّلُثَ عِنْدَ مَوْتِهِ وَ لَوْ عَلِمَ أَنَّ الثُّلُثَ خَيْرٌ لَهُ أَوْصَى بِهِ ثُمَّ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ بَعْدَهُ فِي فَضْلِهِ وَ زُهْدِهِ- سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَأَمَّا سَلْمَانُ فَكَانَ إِذَا أَخَذَ عَطَاهُ رَفَعَ مِنْهُ قُوتَهُ لِسَنَتِهِ حَتَّى يَحْضُرَ عَطَاؤُهُ مِنْ قَابِلٍ فَقِيلَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنْتَ فِي زُهْدِكَ تَصْنَعُ هَذَا وَ أَنْتَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ تَمُوتُ الْيَوْمَ أَوْ غَداً فَكَانَ جَوَابَهُ أَنْ قَالَ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِيَ الْبَقَاءَ كَمَا خِفْتُمْ عَلَيَّ الْفَنَاءَ أَ مَا عَلِمْتُمْ يَا جَهَلَةُ أَنَّ النَّفْسَ قَدْ تَلْتَاثُ عَلَى صَاحِبِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنَ الْعَيْشِ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فَإِذَا هِيَ أَحْرَزَتْ تعالى:" وَ لٰا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ": أي لا تكن ممن لا يعطي شيئا فتكون بمنزلة من يده مغلولة إلى عنقه لا يقدر على الإعطاء و البذل، و هذا مبالغة في النهي عن الشح و الإمساك" وَ لٰا تَبْسُطْهٰا كُلَّ الْبَسْطِ" و لا تعط أيضا جميع ما عندك فتكون بمنزلة من بسط يده حتى لا يستقر بها شيء، و هذا كناية عن الإسراف" فَتَقْعُدَ مَلُوماً" نفسك و تلام" مَحْسُوراً" منقطعا بك ليس عندك شيء، و قيل: عاجزا نادما، و قيل: محسورا من الثياب،" و المحسور: العريان" عن أبي عبد الله (عليه السلام). قوله (عليه السلام):" قد حسرت"، قال الفيروزآبادي:" حسرة يحسره و يحسره حسرا": كشفه" و الشيء حسورا: انكشف،" و البصر يحسر حسورا": كل" و الغصن" قشره" و البعير" ساقه حتى أعياه" و البيت": كنسه، و كفرح- عليه حسرة: تلهف، و كضرب و فرح: أعيا" و الحاسر": من لا مغفر له و لا درع أو لا جنة له. قوله (عليه السلام):" قد تلتاث على صاحبها" أي تبطئ و تحابس عن الطاعات أو مَعِيشَتَهَا اطْمَأَنَّتْ وَ أَمَّا أَبُو ذَرٍّ فَكَانَتْ لَهُ نُوَيْقَاتٌ- وَ شُوَيْهَاتٌ يَحْلُبُهَا وَ يَذْبَحُ مِنْهَا إِذَا اشْتَهَى أَهْلُهُ اللَّحْمَ أَوْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ أَوْ رَأَى بِأَهْلِ الْمَاءِ الَّذِينَ هُمْ مَعَهُ خَصَاصَةً نَحَرَ لَهُمُ الْجَزُورَ أَوْ مِنَ الشِّيَاهِ عَلَى قَدْرِ مَا يَذْهَبُ عَنْهُمْ بِقَرَمِ اللَّحْمِ فَيَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ وَ يَأْخُذُ هُوَ كَنَصِيبِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ وَ مَنْ أَزْهَدُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَ قَدْ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)مَا قَالَ وَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ أَمْرِهِمَا أَنْ صَارَا لَا يَمْلِكَانِ شَيْئاً الْبَتَّةَ كَمَا تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِإِلْقَاءِ أَمْتِعَتِهِمْ وَ شَيْئِهِمْ وَ يُؤْثِرُونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ عِيَالاتِهِمْ وَ اعْلَمُوا أَيُّهَا النَّفَرُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبِي يَرْوِي عَنْ آبَائِهِ(عليهم السلام)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَالَ يَوْماً مَا عَجِبْتُ مِنْ شَيْءٍ كَعَجَبِي مِنَ الْمُؤْمِنِ إِنَّهُ إِنْ قُرِّضَ جَسَدُهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ كَانَ خَيْراً لَهُ وَ إِنْ مَلَكَ مَا بَيْنَ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبِهَا كَانَ خَيْراً لَهُ وَ كُلُّ مَا يَصْنَعُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ فَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ يَحِيقُ فِيكُمْ مَا قَدْ شَرَحْتُ لَكُمْ مُنْذُ الْيَوْمِ أَمْ أَزِيدُكُمْ أَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ فَرَضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ أَنْ يُقَاتِلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَشَرَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ وَجْهَهُ عَنْهُمْ وَ مَنْ وَلَّاهُمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ فَقَدْ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ثُمَّ حَوَّلَهُمْ عَنْ حَالِهِمْ رَحْمَةً مِنْهُ لَهُمْ فَصَارَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاتِلَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تَخْفِيفاً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ فَنَسَخَ الرَّجُلَانِ الْعَشَرَةَ وَ أَخْبِرُونِي أَيْضاً عَنِ الْقُضَاةِ أَ جَوَرَةٌ هُمْ تسترخي و تضعف عنها أو تقوى و تشجع على صاحبها و لا تطيعه: قال الفيروزآبادي: " اللوث": القوة و الشر و البطء في الأمر" و اللوثة" بالضم: الاسترخاء و البطوء و الحمق و الهيج و مس الجنون و الضعف، و الالتياث: الاختلاط و الالتفات و الإبطاء و القوة و السمن و الحبس." و النويقات" جمع" نويقة" تصغير" الناقة"." و الشويهات" جمع" شويهة" تصغير" الشاة"." و القرم": محركة: شهوة اللحم. قوله (عليه السلام):" هل يحق فيكم"، أي يثبت و يستقر فيكم و يعتقدونه حقا قال الفيروزآبادي:" حق الأمر: وجب و وقع بلا شك، لازم و معتد، انتهى. و في بعض النسخ:" يحيق" أي: يحيط بكم و يلزمكم، من قوله:" حاق به" أي: أحاط به" و حاق بهم الأمر": لزمهم و وجب عليهم، و تعديته بفي" بتضمين"، و هو تصحيف حَيْثُ يَقْضُونَ عَلَى الرَّجُلِ مِنْكُمْ نَفَقَةَ امْرَأَتِهِ إِذَا قَالَ إِنِّي زَاهِدٌ وَ إِنِّي لَا شَيْءَ لِي فَإِنْ قُلْتُمْ جَوَرَةٌ ظَلَّمَكُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَ إِنْ قُلْتُمْ بَلْ عُدُولٌ خَصَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ حَيْثُ تَرُدُّونَ صَدَقَةَ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ عِنْدَ الْمَوْتِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ أَخْبِرُونِي لَوْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ كَالَّذِينَ تُرِيدُونَ زُهَّاداً لَا حَاجَةَ لَهُمْ فِي مَتَاعِ غَيْرِهِمْ فَعَلَى مَنْ كَانَ يُتَصَدَّقُ بِكَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ وَ النُّذُورِ وَ الصَّدَقَاتِ مِنْ فَرْضِ الزَّكَاةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ التَّمْرِ وَ الزَّبِيبِ وَ سَائِرِ مَا وَجَبَ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الْإِبِلِ وَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْبِسَ شَيْئاً مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا إِلَّا قَدَّمَهُ وَ إِنْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ فَبِئْسَمَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ وَ حَمَلْتُمُ النَّاسَ عَلَيْهِ مِنَ الْجَهْلِ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ أَحَادِيثِهِ الَّتِي يُصَدِّقُهَا الْكِتَابُ الْمُنْزَلُ وَ رَدِّكُمْ إِيَّاهَا بِجَهَالَتِكُمْ وَ تَرْكِكُمُ النَّظَرَ فِي غَرَائِبِ الْقُرْآنِ مِنَ التَّفْسِيرِ بِالنَّاسِخِ مِنَ الْمَنْسُوخِ وَ الْمُحْكَمِ وَ الْمُتَشَابِهِ وَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ أَخْبِرُونِي أَيْنَ أَنْتُمْ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ(عليه السلام)حَيْثُ سَأَلَ اللَّهَ مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ ذَلِكَ وَ كَانَ يَقُولُ الْحَقَّ وَ يَعْمَلُ بِهِ ثُمَّ لَمْ نَجِدِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- عَابَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَ لَا أَحَداً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ دَاوُدَ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَبْلَهُ فِي مُلْكِهِ وَ شِدَّةِ سُلْطَانِهِ ثُمَّ يُوسُفَ النَّبِيِّ(عليه السلام)حَيْثُ قَالَ لِمَلِكِ مِصْرَ- اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ كما لا يخفى. قوله (عليه السلام):" ظلمكم" على بناء التفعيل أي: نسبكم أهل الإسلام إلى الظلم و الجور، قال الفيروزآبادي:" ظلمه تظليما": نسبه إلى الظلم، و في بعض النسخ: " ظلمتم" و لعله أظهر. قوله (عليه السلام):" إذا كان الأمر" لعله وجه آخر لبطلان قولهم، و هو أنه لو كان يجب الخروج من الأموال لم يجب على أحد الزكاة، أو هو تتمة للوجه الأول أي: لو كان وجب الخروج لكان عدم الأخذ أيضا لازما بطريق أولى، و الأول أظهر. قوله (عليه السلام):" من التفسير" بيان للغرائب: أي: غرائب القرآن هو تفسير ناسخه و العمل به بدلا من المنسوخ، ف" من" للبدل، و من غرائب القرآن محكمه و متشابهه و أمره و نهيه. فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ الَّذِي كَانَ أَنِ اخْتَارَ مَمْلَكَةَ الْمَلِكِ وَ مَا حَوْلَهَا إِلَى الْيَمَنِ وَ كَانُوا يَمْتَارُونَ الطَّعَامَ مِنْ عِنْدِهِ لِمَجَاعَةٍ أَصَابَتْهُمْ وَ كَانَ يَقُولُ الْحَقَّ وَ يَعْمَلُ بِهِ فَلَمْ نَجِدْ أَحَداً عَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ثُمَّ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَبْدٌ أَحَبَّ اللَّهَ فَأَحَبَّهُ اللَّهُ وَ طَوَى لَهُ الْأَسْبَابَ وَ مَلَّكَهُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا وَ كَانَ يَقُولُ الْحَقَّ وَ يَعْمَلُ بِهِ ثُمَّ لَمْ نَجِدْ أَحَداً عَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَتَأَدَّبُوا أَيُّهَا النَّفَرُ بِآدَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اقْتَصِرُوا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ وَ نَهْيِهِ وَ دَعُوا عَنْكُمْ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْكُمْ مِمَّا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ وَ رُدُّوا الْعِلْمَ إِلَى أَهْلِهِ تُوجَرُوا وَ تُعْذَرُوا عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ كُونُوا فِي طَلَبِ عِلْمِ نَاسِخِ الْقُرْآنِ مِنْ مَنْسُوخِهِ وَ مُحْكَمِهِ مِنْ مُتَشَابِهِهِ وَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِيهِ مِمَّا حَرَّمَ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ أَبْعَدُ لَكُمْ مِنَ الْجَهْلِ وَ دَعُوا الْجَهَالَةَ لِأَهْلِهَا- فَإِنَّ أَهْلَ الْجَهْلِ كَثِيرٌ وَ أَهْلَ الْعِلْمِ قَلِيلٌ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
الكافي — كتاب المعيشة · بَابُ دُخُولِ الصُّوفِيَّةِ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ احْتِجَاجِهِمْ عَلَيْهِ فِيمَا يَنْهَوْنَ النَّاسَ عَنْهُ مِنْ طَلَبِ الرِّزْقِ