الأقسامالكافيكتاب الروضة
الكافي · رقم ١٦

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ عَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ بَزِيعٍ وَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ جَعَلْنٰاهُمْ حَصِيداً" مثل الحصيد و هو النبت المحصود، و لذلك لم يجمع" خٰامِدِينَ ميتين من خمدت النار، و هو مع حصيدا بمنزلة المفعول الثاني، كقولك: جعلته حلوا حامضا إذ المعنى جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد، و الخمود أو صفة له أو حال من ضميره. قوله:" يسألهم الكنوز" أي الأموال التي كنزوها و دفنوها في الأرض مع أنه أعلم بتلك الكنوز، لكن يسألهم ليكون أشد عليهم. قوله:" و هو سعيد بن عبد الملك" الظاهر أن قوله:" و هو سعيد" إلخ كان مكتوبا على الهامش لبيان نسب سعد الخير، و كان سعدا فصحف السعيد أو كان اسمه سعيدا، و سعد الخير لقيه فأدخلته النساخ في المتن كما سيأتي ذكره من كتاب الاختصاص، و على تقدير كونه جزء الخبر فالظاهر أن الضمير راجع إلى الهارب إلى الشام أعني رئيس الهاربين. رسالة أبي جعفر (عليه السلام) إلى سعد الخير الحديث السادس عشر: السعد الأول: صحيح على الظاهر، لتوثيق العلامة لحمزة بن بزيع، و إن كان ما يظن أن يكون مأخذه ضعيفا، لكن في رواية حمزة عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) عَبْدِ اللَّهِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ كَتَبَ أَبُو جَعْفَرٍ(عليه السلام)إِلَى سَعْدٍ الْخَيْرِ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّ فِيهَا السَّلَامَةَ مِنَ التَّلَفِ وَ الْغَنِيمَةَ فِي الْمُنْقَلَبِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقِي بِالتَّقْوَى عَنِ الْعَبْدِ مَا عَزَبَ عَنْهُ عَقْلُهُ وَ يُجْلِي بِالتَّقْوَى عَنْهُ عَمَاهُ وَ جَهْلَهُ وَ بِالتَّقْوَى نَجَا نُوحٌ وَ مَنْ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ وَ صَالِحٌ وَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّاعِقَةِ وَ بِالتَّقْوَى فَازَ الصَّابِرُونَ وَ نَجَتْ تِلْكَ الْعُصَبُ مِنَ الْمَهَالِكِ وَ لَهُمْ إِخْوَانٌ عَلَى تِلْكَ الطَّرِيقَةِ يَلْتَمِسُونَ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ نَبَذُوا طُغْيَانَهُمْ مِنَ الْإِيرَادِ بِالشَّهَوَاتِ لِمَا بَلَغَهُمْ فِي الْكِتَابِ مِنَ الْمَثُلَاتِ حَمِدُوا رَبَّهُمْ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ وَ هُوَ أَهْلُ إشكال، لأن الشيخ في الرجال عده من رجال الرضا (عليه السلام)، و لم يذكر روايته عن الجواد (عليه السلام)، و روى الكشي ما يدل على أنه لم يدرك زمانه (عليه السلام) حيث قال: ذكر بين يدي الرضا حمزة بن بزيع فترحم عليه، فقيل له: كان يقول بموسى فترحم عليه ساعة الخبر، فيحتمل أن يكون أبو جعفر هو الأول (عليه السلام) ففي هذا السند أيضا إرسال و يؤيده ما رواه المفيد (ره) في كتاب الاختصاص بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: دخل سعد بن عبد الملك- و كان أبو جعفر (عليه السلام) يسميه سعد الخير، و هو من ولد عبد العزيز بن مروان- على أبي جعفر (عليه السلام) فبينا ينشج كما تنشج النساء قال فقال له أبو جعفر: ما يبكيك يا سعد؟ قال: و كيف لا أبكي و أنا من الشجرة الملعونة في القرآن فقال له: لست منهم أنت أموي منا أهل البيت أما سمعت قول الله عز و جل يحكي عن إبراهيم:" فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي" و السند الثاني: مرسل قوله (عليه السلام):" ما عزب عنه عقله" قال الجوهري: عزب عني فلان يعزب، و يعزب أي بعد و غاب و عزب عن فلان حلمه. قوله (عليه السلام):" و نجت تلك العصب" هي جمع عصبة بالضم، و هي من الرجال و الخيل، و الطير ما بين العشرة إلى الأربعين. قوله (عليه السلام):" و لهم إخوان" أي في هذه الأمة أو في هذا الزمان. قوله (عليه السلام):" من الالتذاذ بالشهوات" الظاهر أن لفظة" من" بيانية، و يحتمل الْحَمْدِ وَ ذَمُّوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَا فَرَّطُوا وَ هُمْ أَهْلُ الذَّمِّ وَ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْحَلِيمَ الْعَلِيمَ إِنَّمَا غَضَبُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ رِضَاهُ وَ إِنَّمَا يَمْنَعُ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ عَطَاهُ وَ إِنَّمَا يُضِلُّ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ هُدَاهُ ثُمَّ أَمْكَنَ أَهْلَ السَّيِّئَاتِ مِنَ التَّوْبَةِ بِتَبْدِيلِ الْحَسَنَاتِ دَعَا عِبَادَهُ فِي الْكِتَابِ إِلَى ذَلِكَ بِصَوْتٍ رَفِيعٍ لَمْ يَنْقَطِعْ وَ لَمْ يَمْنَعْ دُعَاءَ عِبَادِهِ- فَلَعَنَ اللَّهُ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ كَتَبَ عَلىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ فَسَبَقَتْ قَبْلَ الْغَضَبِ فَتَمَّتْ صِدْقاً الابتدائية، أي الطغيان الحاصل من الالتذاذ، و في بعض النسخ" من الإيراد بالشهوات" و لعل المراد إيراد الأنفس على المهالك بسبب الشهوات. قوله:" من المثلات" بفتح الميم و ضم الثاء أي العقوبات قوله" رضاه" أي ما يرضيه من الطاعات. قوله (عليه السلام):" من التوبة بتبديل الحسنات" الظاهر أن الباء تعليلية أي جعل أهل السيئات قادرين على التوبة، متمكنين منها، لأن يبدلوا بها سيئاتهم حسنات أو لأن يبدل الله سيئاتهم حسنات، و يحتمل أن تكون" من" سببية، و الباء بمعنى من أي مكنهم من تبديل سيئاتهم بالتوبة، و هو إشارة إلى قوله تعالى" فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ" و التبديل إما بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة، و يثبت مكانها لواحق طاعاتهم أو يبدل ملكة المعصية في النفس، بملكة الطاعة، و قيل: بأن يوفقه لأضداد ما سلف منه أو بأن يثبت له مكان كل سيئة حسنة، و بهذا المعنى الأخير ورد بعض أخبارنا. قوله (عليه السلام):" و لم يمنع دعاء عباده" أي يمنعهم عن الدعاء. قوله (عليه السلام):" فلعن الله الذين يكتمون ما أنزل الله" لعل المراد المجبرة المنكرين لما تقدم. قوله (عليه السلام):" كَتَبَ عَلىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ" أي ألزمها على نفسه. قوله:" فتمت" أي الرحمة أي كتابتها و الوعد بها و تقديرها كما قال" وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ" و فسرت بتقديرات الله تعالى و مواعيده. وَ عَدْلًا فَلَيْسَ يَبْتَدِئُ الْعِبَادَ بِالْغَضَبِ قَبْلَ أَنْ يُغْضِبُوهُ وَ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ وَ عِلْمِ التَّقْوَى وَ كُلُّ أُمَّةٍ قَدْ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ عِلْمَ الْكِتَابِ حِينَ نَبَذُوهُ وَ وَلَّاهُمْ عَدُوَّهُمْ حِينَ تَوَلَّوْهُ وَ كَانَ مِنْ نَبْذِهِمُ الْكِتَابَ أَنْ أَقَامُوا حُرُوفَهُ وَ حَرَّفُوا حُدُودَهُ فَهُمْ يَرْوُونَهُ وَ لَا يَرْعَوْنَهُ وَ الْجُهَّالُ يُعْجِبُهُمْ حِفْظُهُمْ لِلرِّوَايَةِ وَ الْعُلَمَاءُ يَحْزُنُهُمْ تَرْكُهُمْ لِلرِّعَايَةِ وَ كَانَ مِنْ نَبْذِهِمُ الْكِتَابَ أَنْ وَلَّوْهُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ فَأَوْرَدُوهُمُ الْهَوَى وَ أَصْدَرُوهُمْ إِلَى الرَّدَى وَ غَيَّرُوا عُرَى قوله (عليه السلام):" و ذلك من علم اليقين" من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة أي ما سبق من العلم بعدله تعالى و رأفته و رحمته، هو من العلم المتيقن الذي لا شك فيه، و هو علم التقوى، أي علم يتقى به من عذاب الله إذ من لم يقل به فهو كافر مستحق لعذابه تعالى، أو هو العلم الذي يبعث النفس على التقوى، أو يحصل من التقوى، قوله" و كل أمة" مبتدأ و قوله" قد رفع الله" خبره. قوله (عليه السلام):" و ولاهم عدوهم حين تولوه" الضمير المنصوب في قوله" تولوه" راجع إلى العدو يقال ولاه: أي جعله واليا، و تولاه أي اتخذوه وليا. أي سلط عليهم عدوهم، حين اتخذوه وليهم، و خلي بينه و بينهم كما أنهم بايعوا بعد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في صدر الإسلام من ليس بأهله، و من هو عدوهم في الدنيا و الآخرة فوكلهم الله إليهم و خلي بينهم، و بين هؤلاء المضلين، و فيه إشارة إلى قوله تعالى" وَ مَنْ يُشٰاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدىٰ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى" أي نجعله واليا لما تولى من الضلال. و نخلي بينه و بين ما اختاره" وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً". قوله (عليه السلام):" و حرفوا حدوده" أي أحكامه و أولوها بآرائهم. قوله:" و كان من نبذهم الكتاب أن ولوه" إلخ. أي جعلوا ولي الكتاب و القيم عليه، و الحاكم به الذين لا يعلمونه. قوله:" فأوردوهم الهوى" أي ما يحكم به أهواؤهم" و صدورهم" أي أرجعوهم إلى الردى و الهلاك. قوله:" و غيروا عرى الدين" أي ما يتمسك به من أحكام الدين و شرائعه. الدِّينِ ثُمَّ وَرَّثُوهُ فِي السَّفَهِ وَ الصِّبَا فَالْأُمَّةُ يَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِ النَّاسِ بَعْدَ أَمْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ عَلَيْهِ يُرَدُّونَ فَ بِئْسَ لِلظّٰالِمِينَ بَدَلًا وَلَايَةُ النَّاسِ بَعْدَ وَلَايَةِ اللَّهِ وَ ثَوَابُ النَّاسِ بَعْدَ ثَوَابِ اللَّهِ وَ رِضَا النَّاسِ بَعْدَ رِضَا اللَّهِ فَأَصْبَحَتِ الْأُمَّةُ كَذَلِكَ وَ فِيهِمُ الْمُجْتَهِدُونَ فِي الْعِبَادَةِ عَلَى تِلْكَ الضَّلَالَةِ مُعْجَبُونَ مَفْتُونُونَ فَعِبَادَتُهُمْ فِتْنَةٌ لَهُمْ وَ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِمْ وَ قَدْ كَانَ فِي الرُّسُلِ ذِكْرىٰ لِلْعٰابِدِينَ إِنَّ نَبِيّاً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ يَسْتَكْمِلُ الطَّاعَةَ ثُمَّ يَعْصِي اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي الْبَابِ الْوَاحِدِ فَخَرَجَ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَ يُنْبَذُ بِهِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثُمَّ لَا يُنَجِّيهِ إِلَّا الِاعْتِرَافُ وَ التَّوْبَةُ فَاعْرِفْ أَشْبَاهَ الْأَحْبَارِ وَ الرُّهْبَانِ الَّذِينَ سَارُوا بِكِتْمَانِ الْكِتَابِ وَ تَحْرِيفِهِ فَمٰا رَبِحَتْ تِجٰارَتُهُمْ وَ مٰا كٰانُوا مُهْتَدِينَ ثُمَّ اعْرِفْ قوله (عليه السلام):" ثم ورثوه" أي جعلوه ميراثا يرثه كل سفيه جاهل، أو صبي غير عاقل، قال الجوهري: يقال: صبي بين الصبا و الصباء، إذا فتحت الصاد مددت و إذا كسرت قصرت. قوله (عليه السلام):" بعد أمر الله" أي صدوره أو الاطلاع عليه أو تركه، و الورود و الصدور كنايتان عن الإتيان، للسؤال و الأخذ و الرجوع بالقبول. قوله (عليه السلام):" ولاية الناس" هو المخصوص بالذم. قوله (عليه السلام):" معجبون" بفتح الجيم أي يعجبهم أعمالهم. قوله (عليه السلام):" ثم يعصي الله" أي يترك الأولى و الأفضل و إطلاق العصيان عليه مجاز لكونه في درجة كمالهم، بمنزلة العصيان. قوله (عليه السلام):" فاعرف أشباه الأحبار و الرهبان" أي الذين كانوا يتشبهون بالأحبار و الرهبان من الأمم السالفة، و لم يكونوا منهم ضالين مبتدعين كتموا الكتاب و أحكامه و حرفوه و أولوه بآرائهم. قوله (عليه السلام):" فهم مع السادة و الكبرة" الكبرة بكسر الكاف و سكون الباء و الكبر بالضم: جمع الأكبر أي هم مع أهل السيادة و العظمة و الدولة في الدنيا، و في بعض النسخ الكثرة و هو أظهر. أَشْبَاهَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ أَقَامُوا حُرُوفَ الْكِتَابِ وَ حَرَّفُوا حُدُودَهُ فَهُمْ مَعَ السَّادَةِ وَ الْكُبُرَّةِ- فَإِذَا تَفَرَّقَتْ قَادَةُ الْأَهْوَاءِ- كَانُوا مَعَ أَكْثَرِهِمْ دُنْيَا وَ ذٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ- لَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ فِي طَبَعٍ وَ طَمَعٍ لَا يَزَالُ يُسْمَعُ صَوْتُ إِبْلِيسَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ بِبَاطِلٍ كَثِيرٍ يَصْبِرُ مِنْهُمُ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْأَذَى وَ التَّعْنِيفِ وَ يَعِيبُونَ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِالتَّكْلِيفِ وَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنْفُسِهِمْ خَانَةٌ إِنْ كَتَمُوا النَّصِيحَةَ إِنْ رَأَوْا تَائِهاً ضَالًّا لَا يَهْدُونَهُ أَوْ مَيِّتاً لَا يُحْيُونَهُ فَبِئْسَ مَا يَصْنَعُونَ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ فِي الْكِتَابِ أَنْ قوله (عليه السلام):" و ذٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ" إشارة إلى قوله تعالى:" فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّٰى عَنْ ذِكْرِنٰا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا ذٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ" أي أمر الدنيا أو كونها تسمية مبلغهم من العلم، لا يتجاوزه علمهم، و ما في الخبر يحتمل أن يكون المراد به" هذا ما بلغوه بسبب علمهم" أي لم يحصل سوى ذلك من العلم. قوله (عليه السلام):" في طبع" قال الجزري: الطبع بالسكون: الختم، و بالتحريك: الدنس، و أصله من الوسخ و الدنس يغشيان السيف، يقال: طبع السيف يطبع طبعا ثم استعمل فيما يشبه ذلك من الأوزار و الآثام و غيرهما من القبائح، و منه الحديث" أعوذ بالله من طمع يهدى إلى طبع" أي يؤدى إلى شين أو عيب. قوله (عليه السلام):" يعيبون على العلماء بالتكليف" أي بسبب أنهم يكلفونهم الطاعات و العدول عن الباطل، أو يكلفون الخلق و يدعونهم إلى الحق. قوله (عليه السلام):" و العلماء في أنفسهم خانة" هي جمع خائن أي و الحال أن العلماء المحقين خائنون إن كتموه و تركوا نصيحتهم. قوله (عليه السلام):" إن رأوا" إلخ يحتمل أن يكون جزاؤه فبئس ما يصنعون، و يكون مجموع جملة الشرط و الجزاء تأكيدا للجملة السابقة، و بيانا لها، و لذا ترك العاطف بينهما، و يحتمل أن يكون هذا الشرط بيانا لكتمان النصيحة، و تفسيرا له، و يكون قوله:" فبئس ما يصنعون" جزاء لشرط محذوف، أي إن فعلوا ذلك فبئس ما يصنعون يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ بِمَا أُمِرُوا بِهِ وَ أَنْ يَنْهَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ وَ أَنْ يَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ وَ لَا يَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ فَالْعُلَمَاءُ مِنَ الْجُهَّالِ فِي جَهْدٍ وَ جِهَادٍ إِنْ وَعَظَتْ قَالُوا طَغَتْ- وَ إِنْ عَلَّمُوا الْحَقَّ الَّذِي تَرَكُوا قَالُوا خَالَفَتْ وَ إِنِ اعْتَزَلُوهُمْ قَالُوا فَارَقَتْ وَ إِنْ قَالُوا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ عَلَى مَا تُحَدِّثُونَ قَالُوا نَافَقَتْ وَ إِنْ أَطَاعُوهُمْ قَالُوا عَصَتِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ و يحتمل أن يكون" و رأوا" بيانا لقوله" و يعيبون على العلماء" و تعليلا له، و يكون ضمير الفاعل راجعا إلى أشباه الأحبار أي إنهم يعيبون على العلماء تكليفهم الخلق بالطاعات، لكونه خلاف طريقتهم، فإنهم إن رأوا تائها أي متحيرا ضالا عن سبيل الحق لا يهدونه و الأول أظهر. قوله (عليه السلام):" فالعلماء من الجهال" أي علماء الحق من أشباه الأحبار أو من أتباعهم الضالين، و يحتمل أن يكون المراد علماء السوء من أتباعهم، لكن تطبيق الفقرات عليه، يحتاج إلى تكلف. قوله (عليه السلام):" في جهد" بالفتح أي مشقة" و جهاد" بالكسر أي مجاهدة، و سعي و اهتمام" إن وعظت" العلماء،" قالوا طغت" أي جاوزوا الحد في ذلك و بالغوا أكثر مما ينبغي أو حصل لهم الطغيان، بسبب علمهم و عملهم فيعيبون الناس أو يدعون الرئاسة" و إن علموا" الجهال" الحق" الذي تركه الجهال، قالوا:" خالفت" أي كبراءنا أو عامة الناس لشيوع الباطل بينهم، و على الاحتمال الثاني المراد إن علم علماء سوء الجهال شيئا من الحق الذي يتركه أنفسهم، قالت الجهال لهم: خالفت في قولك فعلك،" و إن اعتزلوهم قالوا: فارقت" الجماعة. قوله (عليه السلام):" قالوا نافقت" أي أظهرت خلافنا و لم تعتقد لحقية ما نحن عليه. قوله (عليه السلام):" و إن أطاعوهم قالوا: عصيت الله" ليس في بعض النسخ المصححة" قالوا" و الظاهر أنه زيد من النساخ، و المعنى أنه لا يمكنهم إطاعة هؤلاء، لأنها فَهَلَكَ جُهَّالٌ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ أُمِّيُّونَ فِيمَا يَتْلُونَ يُصَدِّقُونَ بِالْكِتَابِ عِنْدَ التَّعْرِيفِ وَ يُكَذِّبُونَ بِهِ عِنْدَ التَّحْرِيفِ فَلَا يُنْكِرُونَ أُولَئِكَ أَشْبَاهُ الْأَحْبَارِ وَ الرُّهْبَانِ قَادَةٌ فِي الْهَوَى سَادَةٌ فِي الرَّدَى وَ آخَرُونَ مِنْهُمْ جُلُوسٌ بَيْنَ الضَّلَالَةِ وَ الْهُدَى لَا يَعْرِفُونَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْأُخْرَى يَقُولُونَ مَا كَانَ النَّاسُ يَعْرِفُونَ هَذَا وَ لَا يَدْرُونَ مَا هُوَ وَ صَدَّقُوا تَرْكَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ معصية الله تعالى، و على نسخة [قالوا] لعل المراد أنهم يقولون: عصيت الله بزعمك حيث عملت بما لم تعتقده، كما أن المخالفين لعنهم الله يشنعون في التقية علينا و على أئمتنا (عليهم السلام). قوله (عليه السلام):" أميون فيما يتلون" أي إنهم كالأميين لعدم علمهم بمعاني الكتاب و الأمي من لا يحسن الخط و الكتابة. قوله:" يصدقون بالكتاب" أي بألفاظه عند تعريف الخلق ألفاظه، و يكذبون بالكتاب عند تحريف معانيه، إذ تحريف معناه تكذيب للمعنى المراد به، فقوله يصدقون و يكذبون من باب التفعيل على البناء للفاعل، و قوله ينكرون على البناء للمفعول، أي لا ينكر تكذيبهم عليهم أحد، و يحتمل العكس بأن يكون الأولان على البناء للمفعول، و الثالث على البناء للفاعل، أي لا يمكنهم إنكار ذلك لظهور تحريفهم، و على الاحتمال الأول يمكن أن يقرأ الفعلان بالتخفيف أيضا، و الأول أظهر. قوله (عليه السلام):" يقولون ما كان الناس يعرفون هذا" إلخ. هذا يحتمل وجوها: الأول: أن يكون هذا إشارة إلى الاختلاف الذي حدث بين الأمة، أي لم يكن هذا الاختلاف بين الأمة في زمن الرسول ما كان الناس يدرونه، و إنما حدث هذا بعده، فيعرفون أن الاختلاف ليس بحق، لكن لا يعرفون الحق من بينهما فتحيروا، فيكون قوله:" و صدقوا" بالتخفيف من كلامه غير محكي عنهم، بل تصديقا لهم فيما قالوا من أن الاختلاف مبتدع، و يحتمل أن يكون" و لا يدرون" أيضا من كلامه (عليه السلام) أي لا يدري هؤلاء المتحيرون الحق ما هو بين هذا الاختلاف الذي اعترفوا بكونه صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا مِنْ نَهَارِهَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِمْ بِدْعَةٌ وَ لَمْ يُبَدَّلْ فِيهِمْ سُنَّةٌ لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ وَ لَا اخْتِلَافَ فَلَمَّا غَشِيَ النَّاسَ ظُلْمَةُ خَطَايَاهُمْ صَارُوا إِمَامَيْنِ دَاعٍ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ دَاعٍ إِلَى النَّارِ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَطَقَ الشَّيْطَانُ فَعَلَا صَوْتُهُ عَلَى لِسَانِ أَوْلِيَائِهِ وَ مبتدعا. الثاني: أن يكون هذا إشارة إلى ما ابتدعه المخالفون، كخلافة أبي بكر مثلا، أي يقولون لم يحدث هذه الأمور في عصر الرسول (صلى الله عليه و آله)، و إنما ابتدعت بعده و على هذا الاحتمال يمكن أن يقرأ صدقوا بالتخفيف كما مروا بالتشديد أيضا، و على الثاني فقوله:" تركهم": إما مصدر مفعول للتصديق، أي صدقوا أن الرسول تركهم على الأمر الواضح، و إما فعل، أي مع اعترافهم بكون هذه الأمور بدعة صدقوا بها تصديقا مشوبا بالشك، فيكون قوله:" تركهم" كلامه (عليه السلام) للرد عليهم. الثالث: أن يكون هذا إشارة إلى مذهب أهل الحق، أي سبب عدم إطاعتهم للحق هو أنهم يقولون إن الناس في الزمان السابق كان أكثرهم على خلاف هذا الرأي، و لا يدرون حقيته فنحن تبع لهم كما قال الكفار" إِنّٰا وَجَدْنٰا آبٰاءَنٰا عَلىٰ أُمَّةٍ وَ إِنّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ مُقْتَدُونَ" و صدقوا بالتشديد، و تركهم على صيغة المصدر فهذا رد عليهم بأنهم يصدقون بأن الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) أوضح لهم السبيل، و أقام لهم الخليفة، و أوضح لهم الحجة، و مع ذلك يتبعون أسلافهم في الضلالة، أو بيان لأحد طرفي شكهم و أحد سببي تحيرهم. الرابع: أن يكون اسم الإشارة إشارة إلى خليفتهم الباطل، و بدعهم الفاسدة و يكون الكلام مسوقا على الاستفهام الإنكاري، أي إن الناس هل كانوا لا يعرفون حقية هذه الخليفة و كانوا ينصبونه. قوله (عليه السلام):" و صدقوا" يكون ردا عليهم. قوله (عليه السلام):" على البيضاء" أي على الملة البينة الواضحة الممتازة" ليلها من نهارها" أي باطلها من حقها. كَثُرَ خَيْلُهُ وَ رَجْلُهُ وَ شَارَكَ فِي الْمَالِ وَ الْوَلَدِ مَنْ أَشْرَكَهُ فَعُمِلَ بِالْبِدْعَةِ وَ تُرِكَ الْكِتَابُ وَ السُّنَّةُ وَ نَطَقَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ بِالْحُجَّةِ وَ أَخَذُوا بِالْكِتَابِ وَ الْحِكْمَةِ فَتَفَرَّقَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَهْلُ الْحَقِّ وَ أَهْلُ الْبَاطِلِ وَ تَخَاذَلَ وَ تَهَادَنَ أَهْلُ الْهُدَى وَ تَعَاوَنَ أَهْلُ الضَّلَالَةِ حَتَّى كَانَتِ الْجَمَاعَةُ مَعَ فُلَانٍ وَ أَشْبَاهِهِ فَاعْرِفْ هَذَا الصِّنْفَ وَ صِنْفٌ آخَرُ فَأَبْصِرْهُمْ رَأْيَ الْعَيْنِ نُجَبَاءُ وَ الْزَمْهُمْ حَتَّى تَرِدَ أَهْلَكَ فَ إِنَّ الْخٰاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ أَلٰا ذٰلِكَ هُوَ الْخُسْرٰانُ الْمُبِينُ لَى هَاهُنَا رِوَايَةُ الْحُسَيْنِ وَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى زِيَادَةٌ قوله (عليه السلام):" و كثر خيله و رجله" الخيل: جماعة الفرسان، و الرجل: المشاة أي أعوانه القوية و الضعيفة. قوله (عليه السلام):" من أشركه" أي الشيطان باتباعه، و عدم الاستعاذة منه. قوله (عليه السلام):" و تخاذل" أي تركوا نصرة الحق، و في بعض النسخ" تخادن" من الخدن، و هو الصديق و تهادن من المهادنة بمعنى المصالحة، و في بعض النسخ و" تهاون" أي عن نصرة الحق، و هذا أنسب بالتخاذل، كما أن التهادن أنسب بالتخادن. قوله:" مع فلان" يعني أبا بكر. قوله (عليه السلام):" حتى ترد أهلك" أي في الآخرة من الأنبياء و الأئمة و المؤمنين و أشار (عليه السلام) بذلك إلى تفسير خسران أهليهم في الآية و أن المراد خسران مرافقة هؤلاء في القيامة، و في الجنة و شفاعتهم. قوله (عليه السلام):" فإن كان دونهم بلاء" أي كان عندهم ابتلاء و امتحان للخلق من مظلوميتهم و مغلوبيتهم، فلا تجعل ذلك دليلا على عدم حقيتهم، و لا تحقرهم بذلك، فإن ذلك علامة حقيتهم، و عما قليل تنقضي بلاياهم، ثم تصير و تنقلب تلك البلايا إلى رخاء لا يوصف في الآخرة، أو في الدنيا عند قيام القائم (عليه السلام) و" العسف" الظلم و" الخسف" كناية عن الخمول و عدم الذكر. قوله (عليه السلام):" ثم اعلم أن إخوان الثقة" تحريص على تحصيل الإخوان في الله لَهُمْ عِلْمٌ بِالطَّرِيقِ فَإِنْ كَانَ دُونَهُمْ بَلَاءٌ فَلَا تَنْظُرْ إِلَيْهِمْ فَإِنْ كَانَ دُونَهُمْ عَسْفٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْفِ وَ خَسْفٌ وَ دُونَهُمْ بَلَايَا تَنْقَضِي- ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى رَخَاءٍ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ إِخْوَانَ الثِّقَةِ ذَخَائِرُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَ لَوْ لَا أَنْ تَذْهَبَ بِكَ الظُّنُونُ عَنِّي لَجَلَيْتُ لَكَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْحَقِّ غَطَّيْتُهَا وَ لَنَشَرْتُ لَكَ أَشْيَاءَ مِنَ الْحَقِّ كَتَمْتُهَا وَ لَكِنِّي أَتَّقِيكَ وَ أَسْتَبْقِيكَ وَ لَيْسَ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَتَّقِي أَحَداً فِي مَكَانِ التَّقْوَى وَ الْحِلْمُ لِبَاسُ الْعَالِمِ فَلَا تَعْرَيَنَّ مِنْهُ وَ السَّلَامُ رِسَالَةٌ مِنْهُ(عليه السلام)إِلَيْهِ أَيْضاً

الكافي — كتاب الروضة · كتاب الروضة

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.