عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ وَ يَعْقُوبَ السَّرَّاجِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)لَمَّا بُويِعَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَا فَاسْتَعْلَى وَ دَنَا فَتَعَالَى وَ ارْتَفَعَ فَوْقَ كُلِّ مَنْظَرٍ وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ " وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ" عند انقلابهم و رجوعهم بعد الموت إلى الله. الحديث الثالث و العشرون: حسن. قوله (عليه السلام):" علا فاستعلى" الاستعلاء هنا مبالغة في العلو، أي علا عن رتبة المخلوقين، فاستعلى عن التشبه بصفاتهم أو كان عاليا بالذات و الصفات، فأظهر و بين علوه بالإيجاد أو طلب علوه من العباد، بأن يخضعوا عنده و يعبدوه، و على الأخيرين يكون الاستفعال للطلب بتقدير أو تجوز. قوله (عليه السلام):" و دنى فتعالى" أي دنى من كل شيء، فتعالى أن يكون في مكان إذ لا يمكن للمكاني الدنو من كل شيء، أو دنوة دنو علم و قدرة و إيجاد و تربية و هو عين علوه و شرافته و رفعته، فليس دنوة دنوا منافيا للعلو بل مؤيد له، و يحتمل في الفقرتين أن يكون الفاء بمعنى الواو أي علا و كثر علاوة، و دنى و تعالى أن يكون دنوة كدنو المخلوقين. قوله (عليه السلام):" و ارتفع فوق كل منظر" المنظر: النظر، و الموضع المرتفع، و كلما نظرت إليه فسرك أو ساءك، و المراد أنه تعالى ارتفع عن كل محل يمكن أن ينظر إليه أي ليس بمرئي و لا مكاني، أو ارتفع عن كل نظر، فلا يمكن لبصر الخلق النظر إليه، أو ارتفع عن محال النظر و الفكر، فلا يحصل في وهم و لا خيال و لا عقل إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْعَالَمِينَ مُصَدِّقاً لِلرُّسُلِ الْأَوَّلِينَ وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفاً رَحِيماً فَصَلَّى اللَّهُ وَ مَلَائِكَتُهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ الْبَغْيَ يَقُودُ أَصْحَابَهُ إِلَى النَّارِ وَ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ بَغَى عَلَى اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ- عَنَاقُ بِنْتُ آدَمَ وَ أَوَّلَ قَتِيلٍ قَتَلَهُ اللَّهُ عَنَاقُ وَ كَانَ مَجْلِسُهَا جَرِيباِنَ الْأَرْضِ] فِي جَرِيبٍ وَ كَانَ لَهَا عِشْرُونَ إِصْبَعاً فِي كُلِّ إِصْبَعٍ ظُفُرَانِ مِثْلُ الْمِنْجَلَيْنِ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهَا أَسَداً كَالْفِيلِ وَ ذِئْباً كَالْبَعِيرِ وَ نَسْراً مِثْلَ الْبَغْلِ فَقَتَلُوهَا وَ قَدْ قَتَلَ اللَّهُ الْجَبَابِرَةَ عَلَى أَفْضَلِ أَحْوَالِهِمْ وَ آمَنِ مَا كَانُوا وَ أَمَاتَ هَامَانَ- وَ أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ وَ قَدْ قُتِلَ عُثْمَانُ أَلَا وَ إِنَّ بَلِيَّتَكُمْ و يحتمل معنى دقيقا بأن يكون المراد بالارتفاع فوقه الكون عليه، و التمكن فيه مجازا أي ظهر لك في كل ما نظرت إليه بقدرته و صنعه و حكمته. قوله (عليه السلام):" خاتم النبيين" بفتح التاء و كسرها أي آخرهم. قوله (عليه السلام):" فإن البغي" أي الظلم و الفساد و الاستطالة. قوله (عليه السلام):" و إن أول من بغى" كأنها كانت مقدمة على قابيل. قوله (عليه السلام):" و أول قتيل قتله الله" أي بالعذاب. قوله (عليه السلام):" في جريب" لعل المراد أنها كانت تملأ مجموع الجريب بعرضها و تحتها، و في تفسير علي بن إبراهيم" و كان مجلسها في الأرض موضع جريب" و فيما رواه ابن ميثم بتغيير ما:" كان مجلسها من الأرض جريبا". قوله (عليه السلام):" مثل المنجلين" المنجل: كمنبر ما يحصد به. قوله (عليه السلام):" و أمات هامان" أي عمر" و أهلك فرعون" يعني أبا بكر و يحتمل العكس، و يدل على أن المراد هذان الأشقيان. قوله (عليه السلام):" و قد قتل عثمان" و يمكن أن يقرأ قتل على بناء المعلوم و المجهول، و الأول أنسب بما تقدم. قوله (عليه السلام):" ألا و إن بليتكم" أي ابتلاؤكم و امتحانكم بالفتن. قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً وَ لَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً وَ لَتُسَاطُنَّ سَوْطَةَ الْقِدْرِ حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ وَ أَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُمْ وَ لَيَسْبِقَنَّ قوله (عليه السلام):" لتبلبلن بلبلة" البلبلة: الاختلاط، و تبلبلت الألسن أي اختلطت و قال ابن ميثم: و كنى بهما عما يوقع بهم بنو أمية و غيرهم من أمراء الجور من الهموم المزعجة، و خلط بعضهم ببعض و رفع أراذلهم و حط أكابرهم عما يستحق كل من المراتب، و قال الجزري: فيه دنت الزلازل و البلابل هي الهموم و الأحزان و بلبلة الصدر وسواسه، و منه الحديث إنما عذابها في الدنيا البلابل و الفتن، يعني هذه الأمة و منه خطبة علي: لتبلبلن بلبلة و لتغربلن غربلة انتهى و الأظهر أن المراد اختلاطهم و اختلاف أحوالهم و درجاتهم في الدين، بحسب ما يعرض لهم من الفتن. قوله (عليه السلام):" و لتغربلن غربلة" و الظاهر أنها مأخوذة من الغربال، الذي يغربل به الدقيق، و يجوز أن تكون من قولهم غربلت اللحم أي قطعته، فعلى الأول الظاهر أن المراد تميز جيدهم من رديئهم، و مؤمنهم من منافقهم، و صالحهم من طالحهم بالفتن التي تعرض لهم، كما أن في الغربال يتميز اللب من النخالة، و قيل: المراد خلطهم، لأن غربلة الدقيق تستلزم خلط بعضه ببعض. و قال ابن ميثم: هو كناية عن التقاط آحادهم و قصدهم بالأذى و القتل كما فعل بكثير من الصحابة و التابعين،. و لا يخفى ما فيه، و على الثاني فلعل المراد تفريقهم و قطع بعضهم عن بعض. قوله (عليه السلام):" و لتساطن سوطة القدر" قال الجزري: ساط القدر بالمسوط، و هو خشية يحرك بها ما فيها ليختلط، و منه حديث علي (رضي الله عنه):" لتساطن سوط القدر". قوله (عليه السلام):" حتى يعود أسفلكم أعلاكم" أي كفاركم مؤمنين، و فجاركم سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا وَ لَيُقَصِّرَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا سَبَقُوا وَ اللَّهِ مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً وَ لَا كَذَبْتُ كَذِبَةً وَ لَقَدْ نُبِّئْتُ بِهَذَا الْمَقَامِ وَ هَذَا الْيَوْمِ أَلَا وَ إِنَّ الْخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا وَ خُلِعَتْ لُجُمُهَا فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِي النَّارِ أَلَا وَ إِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا وَ أُعْطُوا متفقين، و بالعكس، أو ذليلكم عزيزا، و عزيزكم ذليلا، موافقا لبعض الاحتمالات السابقة. قوله (عليه السلام):" و ليسبقن سابقون كانوا قصروا" يعني (عليه السلام) به قوما قصروا في أول الأمر في نصرته، ثم نصروه و اتبعوه، أو قوما قصروا في نصرة الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و أعانوه (صلوات الله عليه). قوله (عليه السلام):" و ليقصرن سابقون كانوا سبقوا" يجري فيه الاحتمالان السابقان و الأول فيهما أظهر كطلحة و الزبير و أضرابهما، حيث كانوا عند غصب الخلافة يدعون أنهم من أعوانه (صلوات الله عليه) و عند البيعة أيضا ابتدءوا بالبيعة، و كان مطلوبهم الدنيا، فلما لم يتيسر لهم كانوا أول من خالفه و حاربه. قوله (عليه السلام):" و الله ما كتمت وشمة" أي كلمة مما أخبرني به الرسول في هذه الواقعة، أو مما أمرت بأخباره مطلقا، و يمكن أن يقرأ على البناء للمجهول أي لم يكتم عني رسول الله شيئا، و الأول أظهر. قال الجزري: و في حديث علي: و الله ما كتمت وشمة أي كلمة انتهى و قد سبق هذا الجزء من الخبر في كتاب الحجة، و فيه" وسمة" بالسين المهملة، أي ما كتمت علامة تدل على سبيل الحق، و لكن عميتم عنها و لا يخفى لطف ضم الكتم مع الوسمة، إذ الكتم بالتحريك نبت يخلط بالوسمة يختضب به. قوله (عليه السلام):" و لقد نبئت بهذا المقام" أي أنبأني الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) بهذه البيعة و بنقض هؤلاء بيعتي. قوله (عليه السلام):" خيل شمس" هو بالضم جمع شموس، و هي الدابة تمنع ظهرها و لا تطيع راكبها، و هو مقابل الذلول فشبه (عليه السلام) الخطايا بخيل صعاب إذا ركبها أَزِمَّتَهَا فَأَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ وَ فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُهَا وَ وَجَدُوا رِيحَهَا وَ طِيبَهَا وَ قِيلَ لَهُمْ ادْخُلُوهٰا بِسَلٰامٍ آمِنِينَ أَلَا وَ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى هَذَا الْأَمْرِ مَنْ لَمْ أُشْرِكْهُ فِيهِ وَ مَنْ لَمْ أَهَبْهُ لَهُ وَ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ مِنْهُ نَوْبَةٌ إِلَّا بِنَبِيٍّ يُبْعَثُ أَلَا وَ لَا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَشْرَفَ مِنْهُ عَلىٰ شَفٰا جُرُفٍ هٰارٍ الناس، و لا يستطيعون منعها، عن أن توردهم المهالك،" و التقوى بمطاياه ذلل" مطيعة منقادة أزمتها بيد ركابها، يوجهونها حيث ما يريدون. قوله (عليه السلام)": و أعطوا أزمتها" على البناء للمفعول أي أعطاهم من أركبهم أزمتها، و يحتمل أن يقرأ على البناء للفاعل، أي أعطي الركاب أزمة المطايا إليها فهن لكونهن ذللا لا يخرجن عن طريق الحق، إلى أن يوصلن، ركابهن إلى الجنة و التقحم: الدخول في الشيء مبادرة عن غير تأمل، قوله تعالى" بِسَلٰامٍ" أي سالمين من العذاب أو مسلما عليكم" آمِنِينَ" من الآفة و الزوال. قوله (عليه السلام):" لم أشركه فيه" أي في الخلافة و لم أهب كله له أو لم أهب جرم هذا الغصب له. قوله (عليه السلام):" و من ليست له توبة إلا بنبي يبعث" أي لا يعلم قبول توبة من فعل مثل هذا الأمر القبيح و أضل هذه الجماعات الكثيرة، إلا بنبي يبعث فيخبره بقبول توبته، و في بعض النسخ نوبة أي ليست له نوبة في الخلافة إلا بنبي يبعث فيخبر عن الله أن له حصة في الخلافة، و في أكثر النسخ إلا نبي بدون الباء، فالمراد بالتوبة ما يوجب قبولها أي ليس له سبب قبول توبة إلا بنبي و لعله من تصحيف النساخ. قوله (عليه السلام):" أشرف منه" أي بسبب غصبه الخلافة. قوله (عليه السلام):" على شفا جرف" قال الجوهري: شفا كل شيء جرفه قال الله تعالى" وَ كُنْتُمْ عَلىٰ شَفٰا حُفْرَةٍ" و قال: و الجرف و الجرف مثل عسر و عسر: ما تجرفته السيول و أكلته من الأرض و منه قوله تعالى" عَلىٰ شَفٰا جُرُفٍ هٰارٍ" و قال: هار الجرف يهور هورا و هؤورا فهو هائر، و يقال: أيضا جرف هار خفضوه في موضع فَانْهٰارَ بِهِ فِي نٰارِ جَهَنَّمَ حَقٌّ وَ بَاطِلٌ وَ لِكُلٍّ أَهْلٌ فَلَئِنْ أَمِرَ الْبَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ وَ لَئِنْ قَلَّ الْحَقُّ فَلَرُبَّمَا وَ لَعَلَّ وَ لَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْءٌ فَأَقْبَلَ وَ لَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ أَنَّكُمْ سُعَدَاءُ وَ مَا عَلَيَّ إِلَّا الْجُهْدُ وَ إِنِّي لَأَخْشَى أَنْ تَكُونُوا عَلَى فَتْرَةٍ مِلْتُمْ عَنِّي مَيْلَةً كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي الرفع، و أرادوا هائر، و قال: هائر و هو مقلوب من الثلاثي إلى الرباعي كما قلبوا شائك السلاح شاكي السلاح، و هورته فتهور و أنهار أي الهدم. قوله (عليه السلام):" حق و باطل" أي في الدنيا أو هنا أو بين الناس حق و باطل. قوله (عليه السلام):" فلئن أمر الباطل" أي كثر قال الفيروزآبادي: أمر كفرح أمرا و أمرة: كثر. قوله (عليه السلام):" فلقديما فعل" أي فو الله لقد فعل الباطل ذلك في قديم الأيام أي ليس كثرة الباطل ببديع، حتى تستغرب أو يستدل بها على حقية أهله. قوله (عليه السلام):" و لئن قل الحق فلربما" أي فو الله كثيرا يكون الحق كذلك" و لعل" أي لا ينبغي أن يؤيس من الحق لقلته، فلعله يعود كثيرا، بعد قلته و عزيزا بعد ذلته. قوله (عليه السلام):" و لقلما أدبر شيء فأقبل" لعل المراد أنه إذا أقبل الحق و أدبر الباطل فهو لا يرجع، إذ رجوع الباطل بعد إدباره قليل. أو المراد بيان أن رجوع الحق إلينا بعد الأدبار أمر غريب، يفعله الله بفضله و لطفه و حكمته، أو المراد بيان أنه لا يرجع عن قريب، بل إنما يكون في زمان القائم (عليه السلام). قوله (عليه السلام):" و لئن رد إليكم أمركم" أي في هذا الزمان. قوله (عليه السلام):" و ما علي إلا الجهد" أي بذل الطاقة، قال الجوهري: الجهد و الجهد: الطاقة، و قرئ (وَ الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ إِلّٰا جُهْدَهُمْ) و (جهدهم) قال الفراء: الجهد بالضم الطاقة، و الجهد بالفتح من قولك أجهد جهدك في هذا الأمر أي أبلغ غايتك، و لا يقال أجهد جهدك و الجهد: المشقة. قوله (عليه السلام):" أن تكونوا على فترة" قال في النهاية: في حديث ابن مسعود غَيْرَ مَحْمُودِي الرَّأْيِ وَ لَوْ أَشَاءُ لَقُلْتُ عَفَا اللّٰهُ عَمّٰا سَلَفَ سَبَقَ فِيهِ الرَّجُلَانِ وَ قَامَ الثَّالِثُ كَالْغُرَابِ هَمُّهُ بَطْنُهُ وَيْلَهُ لَوْ قُصَّ جَنَاحَاهُ وَ قُطِعَ رَأْسُهُ كَانَ خَيْراً لَهُ شُغِلَ عَنِ الْجَنَّةِ وَ النَّارُ أَمَامَهُ ثَلَاثَةٌ وَ اثْنَانِ خَمْسَةٌ لَيْسَ لَهُمْ سَادِسٌ مَلَكٌ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ وَ نَبِيٌّ أَخَذَ اللَّهُ " إنه مرض فبكى، فقال: إنما أبكي لأنه أصابني على حال فترة، و لم يصبني في حال اجتهاد" أي في حال سكون و تقليل من العبادات و المجاهدات، و الفترة في غير هذا ما بين الرسولين من رسل الله تعالى من الزمان، الذي انقطعت فيه الرسالة انتهى، فالمعنى أخشى أن تكونوا على فترة و سكون و فتور عن نصرة الحق، و أن تكونوا كأناس كانوا بين النبيين، لا يظهر فيهم الحق، و يشتبه عليهم الأمور. قوله (عليه السلام):" ملتم عني ميلة" أي في أول الأمر بعد الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم). قوله (عليه السلام):" و لو أشاء لقلت" أي بينت بطلان الرجلين الذين اتبعتموهما و كفرهما، لكن لا يقتضيه مصلحة الحال. قوله (عليه السلام):" عَفَا اللّٰهُ عَمّٰا سَلَفَ" أي لمن تاب في هذا الزمان. قوله (عليه السلام):" كان خيرا له قص الجناحين" كناية عن منعه و رفع استيلائه و قبض يده عن أموال المسلمين و دمائهم و فروجهم،" و قطع رأسه" كناية عن قطع ما هو بمنزلة رأسه من الخلافة، أو المراد قتله ابتداء قبل ارتكاب هذه الأمور. قوله (عليه السلام):" شغل" أي بالدنيا عن تحصيل الجنة، و الحال أن النار كانت أمامه، فكان ينبغي أن لا يشتغل مع هذا بشيء آخر سوى تحصيل الجنة، و التخلص من النار. قوله (عليه السلام):" ثلاثة و اثنان" الحاصل أن أحوال المخلوقين المكلفين تدور على خمسة، و إنما فصل الثلاثة عن الاثنين لأنهم من المقربين المعصومين الناجين من غير شك، فلم يخلطهم بمن سواهم، الأول: ملك أعطاه الله جناحين يطير بهما في درجات الكمال صورة و معنى. و الثاني:" نبي أخذ الله بضبعيه" الضبع بسكون الباء: وسط العضد، و قيل: هو بِضَبْعَيْهِ وَ سَاعٍ مُجْتَهِدٌ وَ طَالِبٌ يَرْجُو وَ مُقَصِّرٌ فِي النَّارِ الْيَمِينُ وَ الشِّمَالُ مَضَلَّةٌ وَ الطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ عَلَيْهَا يَأْتِي الْكِتَابُ وَ آثَارُ النُّبُوَّةِ هَلَكَ مَنِ ادَّعَى وَ خٰابَ مَنِ افْتَرىٰ إِنَّ اللَّهَ أَدَّبَ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّيْفِ وَ السَّوْطِ وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدَ الْإِمَامِ فِيهِمَا هَوَادَةٌ ما تحت الإبط، أي رفعه الله بقدرته و عصمته من بين الخلق و اختاره و قربه، كأنه أخذ بعضده و قربه إليه، و يحتمل أن يكون كناية عن رفع يده و أخذها عن المعاصي بعصمته، و أن يكون كناية عن تقويته، و الأول أظهر. و الثالث: ساع مجتهد في الطاعات غاية جهده، و المراد إما الأوصياء (عليهم السلام) أو أتباعهم الخلص، فالأوصياء داخلون في الثاني على سبيل التغليب، أو المراد بالثالث أعم منها. و الرابع: عابد طالب للآخرة بشيء من السعي مع صحة إيمانه، و بذلك يرجو فضل ربه. و الخامس: مقصر ضال عن الحق كافر فهو في النار. قوله (عليه السلام):" اليمين و الشمال مضلة" أي كلما خرج عن الحق فهو ضلال أو المراد باليمين ما يكون بسبب الطاعات و البدع فيها، و باليسار ما يكون بسبب المعاصي. قوله (عليه السلام):" عليها يأتي الكتاب" أي على هذه الجادة أتى كتاب الله و حث على سلوكها، و في بعض النسخ [ما في الكتاب] و في نسخ نهج البلاغة" باقي الكتاب" و لعل المراد ما بقي من الكتاب في أيدي الناس. قوله:" هلك" أي من ادعى مرتبة ليس بأهل لها كالإمامة. قوله:" و ليس لأحد عند الإمام فيها هوادة" قال الجزري: فيه: لا تأخذه في الله هوادة" أي لا يسكن عند وجوب حدود الله، و لا يحابي فيها أحدا، و الهوادة: السكون و الرخصة و المحاباة انتهى. فَاسْتَتِرُوا فِي بُيُوتِكُمْ وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ وَ التَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)[و فيه حث على التقوى]
الكافي — كتاب الروضة · كتاب الروضة