حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَالِبٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)يَعِظُ النَّاسَ وَ يُزَهِّدُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَ يُرَغِّبُهُمْ فِي أَعْمَالِ الْآخِرَةِ بِهَذَا الْكَلَامِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ حُفِظَ عَنْهُ وَ كُتِبَ كَانَ يَقُولُ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ فِي الحديث الثامن و العشرون: مرسل. قوله:" فأقاسمك هو" الظاهر فأقاسمكه، و لعله تصحيف. قوله:" فلا تبرد" قال الجوهري: يقال: ما برد لك على فلان أي ما ثبت و وجب. انتهى، أي لا تثبت له وزرا على ظهرك، و في بعض نسخ نهج البلاغة و تحمل له على ظهرك، و في بعض النسخ و لا تحمل له على ظهرك. قوله (عليه السلام):" فارج لمن مضى" أي من أولادك. كلام علي بن الحسين (عليهما السلام) الحديث التاسع و العشرون: مجهول. قوله (عليه السلام):" فتجد كل نفس" إلى آخره إشارة إلى قوله تعالى:" يَوْمَ تَجِدُ هَذِهِ الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللّٰهُ نَفْسَهُ وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ الْغَافِلَ وَ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ- يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّ أَجَلَكَ أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَيْكَ قَدْ أَقْبَلَ نَحْوَكَ حَثِيثاً يَطْلُبُكَ وَ يُوشِكُ أَنْ يُدْرِكَكَ وَ كَأَنْ قَدْ أَوْفَيْتَ أَجَلَكَ وَ قَبَضَ الْمَلَكُ رُوحَكَ وَ صِرْتَ إِلَى قَبْرِكَ وَحِيداً فَرَدَّ إِلَيْكَ فِيهِ رُوحَكَ وَ اقْتَحَمَ عَلَيْكَ فِيهِ مَلَكَانِ- نَاكِرٌ وَ نَكِيرٌ لِمُسَاءَلَتِكَ وَ شَدِيدِ امْتِحَانِكَ أَلَا وَ إِنَّ أَوَّلَ مَا يَسْأَلَانِكَ عَنْ رَبِّكَ الَّذِي كُنْتَ تَعْبُدُهُ وَ عَنْ نَبِيِّكَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكَ و عَنْ دِينِكَ الَّذِي كُنْتَ تَدِينُ بِهِ وَ عَنْ كِتَابِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتْلُوهُ وَ عَنْ إِمَامِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَلَّاهُ ثُمَّ عَنْ عُمُرِكَ فِيمَا كُنْتَ أَفْنَيْتَهُ وَ مَالِكَ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَهُ وَ فِيمَا أَنْتَ أَنْفَقْتَهُ فَخُذْ حِذْرَكَ وَ انْظُرْ لِنَفْسِكَ وَ أَعِدَّ الْجَوَابَ قَبْلَ الِامْتِحَانِ وَ الْمُسَاءَلَةِ وَ الِاخْتِبَارِ فَإِنْ تَكُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللّٰهُ نَفْسَهُ وَ اللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ" قال البيضاوي" يوم" منصوب بتود، أي تتمنى كل نفس يوم تجد صحائف أعمالها أو جزاء أعمالها من الخير و الشر حاضرة لو أن بينها و بين ذلك اليوم و هو له أمدا بعيدا، أو بمضمر نحو" أذكر" و تود حال من الضمير في عملت، أو خبر لما عملت من سوء، و تجد مقصور على ما عملت من خير، و لا تكون ما شرطية لارتفاع تود. و قرئ ودت و على هذا يصح أن تكون شرطية و لكن الحمل على الخبر أوقع معنى لأنه حكاية كائن و أوفق للقراءة المشهورة أقول: الخبر ينفى الوجه الأول. قوله (عليه السلام):" حثيثا" أي سريعا. قوله (عليه السلام):" كان قد أوفيت" مخفف كان أو هو من الأفعال الناقصة. قوله (عليه السلام):" ثم عن عمرك" إلى آخره يدل على أنه يسأل عن الأعمال أيضا في القبر و قد سبق الكلام فيه في كتاب الجنائز. قوله (عليه السلام):" فخذ حذرك" قال الزمخشري في قوله تعالى:" خُذُوا حِذْرَكُمْ" مُؤْمِناً عَارِفاً بِدِينِكَ مُتَّبِعاً لِلصَّادِقِينَ مُوَالِياً لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ لَقَّاكَ اللَّهُ حُجَّتَكَ وَ أَنْطَقَ لِسَانَكَ بِالصَّوَابِ وَ أَحْسَنْتَ الْجَوَابَ وَ بُشِّرْتَ بِالرِّضْوَانِ وَ الْجَنَّةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اسْتَقْبَلَتْكَ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّوْحِ وَ الرَّيْحَانِ وَ إِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ تَلَجْلَجَ لِسَانُكَ وَ دَحَضَتْ حُجَّتُكَ وَ عَيِيتَ عَنِ الْجَوَابِ وَ بُشِّرْتَ بِالنَّارِ وَ اسْتَقْبَلَتْكَ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِنُزُلٍ مِنْ حَمِيمٍ وَ تَصْلِيَةِ جَحِيمٍ وَ اعْلَمْ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَّ مِنْ وَرَاءِ هَذَا أَعْظَمَ وَ أَفْظَعَ وَ أَوْجَعَ لِلْقُلُوبِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ- ذٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّٰاسُ وَ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يَجْمَعُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ ذَلِكَ يَوْمٌ الحذر و الحذر بمعنى كالأثر و الأثر يقال: أخذ حذره إذا تيقظ و احترز من الخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه و يعصم بها روحه. قوله (عليه السلام):" لقاك الله حجتك" أي يرسلها إليك قبال وجهك كناية عن التلقين و الإفهام و الإلهام، قال الفيروزآبادي: لقاه الشيء: ألقاه إليه. قوله (عليه السلام):" بالروح" قال الفيروزآبادي: الروح بالفتح: الراحة و الرحمة و نسيم الريح. قوله (عليه السلام):" تلجلج لسانك" قال الجوهري: اللجلجة و التلجلج: التردد في الكلام. قوله (عليه السلام):" و دحضت حجتك" قال الفيروزآبادي: و دحضت الحجة دحوضا: بطلت. قوله (عليه السلام):" و عييت" أي عجزت. قوله (عليه السلام):" بنزل من حميم" النزل بضمتين: ما هيئ للضيف قبل أن ينزل عليه، أطلق هنا على سبيل التهكم، و الحميم: الشراب المغلي في قدور جهنم، و" تصلية جحيم" إما بإدخال نار البرزخ أو بشارة نار الخلد. قوله (عليه السلام):" وَ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ" أي مشهود فيه، يشهد و يحضر فيه الخلائق يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَ تُبَعْثَرُ فِيهِ الْقُبُورُ وَ ذَلِكَ يَوْمُ الْآزِفَةِ- إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنٰاجِرِ كٰاظِمِينَ وَ ذَلِكَ يَوْمٌ لَا تُقَالُ فِيهِ عَثْرَةٌ وَ لَا يُؤْخَذُ مِنْ أَحَدٍ فِدْيَةٌ وَ لَا تُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ مَعْذِرَةٌ وَ لَا لِأَحَدٍ فِيهِ مُسْتَقْبَلُ تَوْبَةٍ لَيْسَ إِلَّا الْجَزَاءَ بِالْحَسَنَاتِ وَ الْجَزَاءَ بِالسَّيِّئَاتِ فَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَمِلَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَجَدَهُ وَ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَمِلَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ شَرٍّ وَجَدَهُ- فَاحْذَرُوا أَيُّهَا النَّاسُ مِنَ الذُّنُوبِ وَ الْمَعَاصِي مَا قَدْ نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهَا وَ حَذَّرَكُمُوهَا فِي كِتَابِهِ الصَّادِقِ وَ الْبَيَانِ النَّاطِقِ وَ لَا تَأْمَنُوا مَكْرَ اللَّهِ وَ تَحْذِيرَهُ وَ تَهْدِيدَهُ عِنْدَ مَا يَدْعُوكُمُ الشَّيْطَانُ اللَّعِينُ إِلَيْهِ مِنْ عَاجِلِ الشَّهَوَاتِ وَ اللَّذَّاتِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذٰا مَسَّهُمْ طٰائِفٌ مِنَ الشَّيْطٰانِ تَذَكَّرُوا فَإِذٰا هُمْ مُبْصِرُونَ للحساب أو يشهد فيه على الخلائق بما عملوا. قوله (عليه السلام):" و تبعثر فيه القبور" قال الجوهري: يقال: بعثرت الشيء و بعثرته إذا استخرجته و كشفته. و قال أبو عبيدة في قوله تعالى:" بُعْثِرَ مٰا فِي الْقُبُورِ" أثير و أخرج و قال تقول: بعثرت حوضي: أي هدمته و جعلت أسفله أعلاه. قوله (عليه السلام):" و ذلك يوم الآزفة" سميت القيامة بها لأزوفها: أي لقربها" إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنٰاجِرِ" فإنها ترتفع عن أماكنها فتلتصق بحلوقهم، فلا تعود فيتروحوا فلا تخرج فيستريحوا" كٰاظِمِينَ" على الغم حال من أصحاب القلوب على المعنى، لأنه على الإضافة أو منها و من ضميرها في لدي و جمعه كذلك، لأن الكظم من أفعال العقلاء كقوله تعالى:" فَظَلَّتْ أَعْنٰاقُهُمْ لَهٰا خٰاضِعِينَ". قوله (عليه السلام):" لا تقبل من أحد معذرة" أي عذر ليس صاحبه فيه صادقا أو توبة. قوله (عليه السلام):" من الذنوب و المعاصي" بيان للموصول بعده، أو الموصول بدل من الذنوب، قوله تعالى:" طٰائِفٌ" قال البيضاوي: أي لمة منه و هو اسم فاعل من طاف وَ أَشْعِرُوا قُلُوبَكُمْ خَوْفَ اللَّهِ وَ تَذَكَّرُوا مَا قَدْ وَعَدَكُمُ اللَّهُ فِي مَرْجِعِكُمْ إِلَيْهِ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِهِ كَمَا قَدْ خَوَّفَكُمْ مِنْ شَدِيدِ الْعِقَابِ فَإِنَّهُ مَنْ خَافَ شَيْئاً حَذِرَهُ وَ مَنْ حَذِرَ شَيْئاً تَرَكَهُ وَ لَا تَكُونُوا مِنَ الْغَافِلِينَ الْمَائِلِينَ إِلَى زَهْرَةِ الدُّنْيَا الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ- فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ- أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئٰاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللّٰهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذٰابُ مِنْ حَيْثُ لٰا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمٰا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلىٰ تَخَوُّفٍ فَاحْذَرُوا مَا حَذَّرَكُمُ اللَّهُ بِمَا فَعَلَ بِالظَّلَمَةِ فِي كِتَابِهِ وَ لَا تَأْمَنُوا أَنْ يُنْزِلَ بِكُمْ بَعْضَ مَا تَوَاعَدَ بِهِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فِي الْكِتَابِ وَ اللَّهِ لَقَدْ وَعَظَكُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِغَيْرِكُمْ فَإِنَّ السَّعِيدَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ وَ لَقَدْ أَسْمَعَكُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا قَدْ فَعَلَ بِالْقَوْمِ الظَّالِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى قَبْلَكُمْ حَيْثُ قَالَ وَ كَمْ قَصَمْنٰا مِنْ قَرْيَةٍ كٰانَتْ ظٰالِمَةً وَ إِنَّمَا عَنَى بِالْقَرْيَةِ أَهْلَهَا حَيْثُ يَقُولُ وَ أَنْشَأْنٰا بَعْدَهٰا قَوْماً آخَرِينَ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَمّٰا أَحَسُّوا بَأْسَنٰا إِذٰا هُمْ مِنْهٰا يَرْكُضُونَ يَعْنِي يَهْرُبُونَ قَالَ لٰا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلىٰ مٰا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَسٰاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهُمُ الْعَذَابُ قٰالُوا يٰا وَيْلَنٰا إِنّٰا كُنّٰا ظٰالِمِينَ فَمٰا زٰالَتْ تِلْكَ دَعْوٰاهُمْ يطوف، كأنها طافت بهم و دارت حولهم فلم تقدر أن تؤثر فيهم، أو من طاف بهم الخيال يطيف طيفا. قوله (عليه السلام):" و أشعروا" الشعار: الثوب الملاصق للجلد و الشعر، أي اجعلوا خوف الله شعار قلوبكم ملازما لها غير مفارق عنها، قوله تعالى:" أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئٰاتِ" أي المكراة السيئات، و هم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء، أو الذين مكروا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و راموا صد أصحابه عن الإيمان" أَنْ يَخْسِفَ اللّٰهُ بِهِمُ الْأَرْضَ" كما خسف بقارون، أو" يَأْتِيَهُمُ الْعَذٰابُ مِنْ حَيْثُ لٰا يَشْعُرُونَ" بغتة من جانب السماء كما فعل بقوم لوط" أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ" أي متقلبين في معائشهم و متاجرهم" فَمٰا هُمْ بِمُعْجِزِينَ" لله عما أراد بهم" أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلىٰ تَخَوُّفٍ" على مخافة بأن يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا" فيأتيهم العذاب" و هم متخوفون، أو على تنقص شيئا بعد شيء في أنفسهم و أموالهم، حتى يهلكوا من تخوفته إذا انتقصته قوله تعالى:" فَلَمّٰا حَتّٰى جَعَلْنٰاهُمْ حَصِيداً خٰامِدِينَ وَ ايْمُ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ عِظَةٌ لَكُمْ وَ تَخْوِيفٌ إِنِ اتَّعَظْتُمْ وَ خِفْتُمْ ثُمَّ رَجَعَ الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ فِي الْكِتَابِ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي وَ الذُّنُوبِ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذٰابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يٰا وَيْلَنٰا إِنّٰا كُنّٰا ظٰالِمِينَ فَإِنْ قُلْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّمَا عَنَى بِهَذَا أَهْلَ الشِّرْكِ فَكَيْفَ ذَلِكَ وَ هُوَ يَقُولُ وَ نَضَعُ الْمَوٰازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيٰامَةِ فَلٰا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كٰانَ مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنٰا بِهٰا وَ كَفىٰ بِنٰا حٰاسِبِينَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ لَا يُنْصَبُ لَهُمُ الْمَوَازِينُ وَ لَا يُنْشَرُ لَهُمُ الدَّوَاوِينُ وَ أَحَسُّوا بَأْسَنٰا" مر تفسيرها في الحديث الخامس عشر قوله تعالى:" وَ لَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ" قال البيضاوي: أي أدنى شيء، و فيه مبالغات ذكر المس و ما في النفحة من معنى القلة، فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء، و البناء الدال على المرة" من عذاب ربك" من الذي ينذرون به" ليقولن يٰا وَيْلَنٰا إِنّٰا كُنّٰا ظٰالِمِينَ" لدعوا على أنفسهم بالويل و اعترفوا عليها بالظلم قوله تعالى:" وَ نَضَعُ الْمَوٰازِينَ الْقِسْطَ" قال البيضاوي: أي العدل يوزن بها صحائف الأعمال، و قيل: وضع الموازين تمثيل لإرصاد الحساب السوي، و الجزاء على حسب الأعمال بالعدل، و إفراد القسط، لأنه مصدر وصف به للمبالغة" لِيَوْمِ الْقِيٰامَةِ" لجزاء يوم القيامة أو لأهله، أو فيه كقولك جئت لخمس خلون من الشهر" فَلٰا تُظْلَمُ" فلا تنقص" نَفْسٌ شَيْئاً" من حقه أو لا تظلم شيئا من الظلم،" وَ إِنْ كٰانَ مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ" أي و إن كان العمل أو الظلم مثقال حبة و رفع نافع- مثقال حبة- على كان التامة" أَتَيْنٰا بِهٰا" أحضرناها، و الضمير للمثقال، و تأنيثه لإضافته إلى الحبة" وَ كَفىٰ بِنٰا حٰاسِبِينَ" إذ لا مزيد على علمنا و عدلنا. قوله (عليه السلام):" لا تنصب لهم الموازين" لا ينافي ذلك معاقبتهم على سيئات أعمالهم، و كونهم مكلفين بالفروع، و إذ يعاملهم الله بعلمه، و إنما يوضع الموازين للمسلمين تشريفا لهم، أو لأنهم لما كانوا مطيعين في أصول الدين، أو بعضها يوضع لهم إِنَّمَا يُحْشَرُونَ إِلىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً وَ إِنَّمَا نَصْبُ الْمَوَازِينِ وَ نَشْرُ الدَّوَاوِينِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُحِبَّ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَ عَاجِلَهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَ لَمْ يُرَغِّبْهُمْ فِيهَا وَ فِي عَاجِلِ زَهْرَتِهَا وَ ظَاهِرِ بَهْجَتِهَا وَ إِنَّمَا خَلَقَ الدُّنْيَا وَ خَلَقَ أَهْلَهَا لِيَبْلُوَهُمْ فِيهَا أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا لآِخِرَتِهِ وَ ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ ضَرَبَ لَكُمْ فِيهِ الْأَمْثَالَ وَ صَرَّفَ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ لٰا قُوَّةَ إِلّٰا بِاللّٰهِ فَازْهَدُوا فِيمَا زَهَّدَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِ مِنْ عَاجِلِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ وَ قَوْلُهُ الْحَقُّ- إِنَّمٰا مَثَلُ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا كَمٰاءٍ أَنْزَلْنٰاهُ مِنَ السَّمٰاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبٰاتُ الْأَرْضِ مِمّٰا يَأْكُلُ النّٰاسُ وَ الْأَنْعٰامُ حَتّٰى إِذٰا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهٰا وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُهٰا أَنَّهُمْ قٰادِرُونَ عَلَيْهٰا أَتٰاهٰا أَمْرُنٰا لَيْلًا أَوْ نَهٰاراً فَجَعَلْنٰاهٰا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ الميزان، لئلا يزعم زاعم أنهم ظلموا في عقوبتهم. قوله (عليه السلام):" زمرا" قال الفيروزآبادي الزمرة بالضم: الفوج، و الجماعة في تفرقة، و الجمع زمر. قوله (عليه السلام):" زهرة الدنيا" أي بهجتها و نضارتها و حسنها. قوله (عليه السلام):" و صرف الآيات" قال الفيروزآبادي: تصريف الآيات تبيينها. قوله (عليه السلام):" فإن الله يقول" إلى آخره. قال البيضاوي:" إِنَّمٰا مَثَلُ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا" حالها العجيبة في سرعة تقضيها و ذهاب نعيمها بعد إقبالها و اغترار الناس بها" كَمٰاءٍ أَنْزَلْنٰاهُ مِنَ السَّمٰاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبٰاتُ الْأَرْضِ" فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضا" مِمّٰا يَأْكُلُ النّٰاسُ وَ الْأَنْعٰامُ" من الزروع و البقول و الحشيش" حَتّٰى إِذٰا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهٰا وَ ازَّيَّنَتْ" بأصناف النبات و إشكالها و ألوانها المختلفة كعروس أخذت من ألوان الثياب و الزينة" فتزينت بها و ازينت: أصله تزينت فأدغم و قد قرئ على الأصل و ازينت على أفعلت من غير إعلال كأغيلت، و المعنى صارت ذات زينة، و ازيانت كابياضت" وَ ظَنَّ أَهْلُهٰا أَنَّهُمْ قٰادِرُونَ عَلَيْهٰا" متمكنون من حصدها و رفع غلتها" أَتٰاهٰا أَمْرُنٰا" ضرب زرعها ما يحتاجه" لَيْلًا أَوْ نَهٰاراً فَجَعَلْنٰاهٰا" جعلنا زرعها" حَصِيداً" شبيها بما حصد من أصله" كَأَنْ لَمْ تَغْنَ" كان لم يغن زرعها أي لم تنبت، بِالْأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ وَ لَا تَرْكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ لِمُحَمَّدٍ ص- وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ وَ لَا تَرْكَنُوا إِلَى زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا رُكُونَ مَنِ اتَّخَذَهَا دَارَ قَرَارٍ وَ مَنْزِلَ اسْتِيطَانٍ فَإِنَّهَا دَارُ بُلْغَةٍ وَ مَنْزِلُ قُلْعَةٍ وَ دَارُ عَمَلٍ فَتَزَوَّدُوا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ فِيهَا قَبْلَ تَفَرُّقِ أَيَّامِهَا وَ قَبْلَ الْإِذْنِ مِنَ اللَّهِ فِي خَرَابِهَا فَكَانَ قَدْ أَخْرَبَهَا الَّذِي عَمَرَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ ابْتَدَأَهَا وَ هُوَ وَلِيُّ مِيرَاثِهَا فَأَسْأَلُ اللَّهَ الْعَوْنَ لَنَا وَ لَكُمْ عَلَى تَزَوُّدِ التَّقْوَى وَ الزُّهْدِ فِيهَا جَعَلَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِنَ الزَّاهِدِينَ فِي عَاجِلِ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الرَّاغِبِينَ لآِجِلِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ فَإِنَّمَا نَحْنُ بِهِ وَ لَهُ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ وَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ و المضاف محذوف في الموضعين للمبالغة، و قرأ بالياء على الأصل" بِالْأَمْسِ" لا فيما قبله، و هو مثل في الوقت القريب، و الممثل به مضمون الحكاية، و هو زوال خضرة النبات فجأة و ذهابه حطاما بعد ما كان غضا، و التف و زين الأرض حتى طمع فيه أهله و ظنوا أنه قد سلم من الحوائج، لا الماء، و إن وليه حرف التشبيه، لأنه من التشبيه المركب" كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" فإنهم المنتفعون به. قوله:" وَ لٰا تَرْكَنُوا" قال الفيروزآبادي: ركن إليه كنصر و علم و منع ركونا: مال و سكن. قوله (عليه السلام):" دار بلغة" البلغة بالضم: ما يتبلغ به من العيش أي دار ينبغي أن يكتفي فيها بقدر الكفاية أو ينبغي أن يؤخذ منها ما يبلغ به إلى نعيم الآخرة و درجاتها، و قال الجوهري: هذا منزل قلعة أي ليس بمستوطن و مجلس قلعة إذا كان صاحبه يحتاج إلى أن يقوم مرة بعد مرة، و يقال أيضا: هم على قلعة أي على رحلة. قوله (عليه السلام):" فإنما نحن به و له" الظاهر أن الضمير راجع إلى ثواب الآخرة أي نحن متلبسون به كناية عن قربه، و له أي خلقنا و كلفنا لأجله، و يحتمل إرجاع حَدِيثُ الشَّيْخِ مَعَ الْبَاقِرِ (عليه السلام)
الكافي — كتاب الروضة · كتاب الروضة