عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)جُعِلْتُ فِدَاكَ قوله (عليه السلام):" هي الرؤيا الحسنة" و ظاهر رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد الله" أنها هي البشارة عند الموت" و لا تنافي بينهما، فإن كلا منهما بشارة في الدنيا و قيل: البشرى في الحياة الدنيا هي ما بشرهم الله تعالى به في القرآن على الأعمال الصالحة. و روى محيي السنة بإسناده عن عبادة بن الصامت" قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن قوله تعالى (لَهُمُ الْبُشْرىٰ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا) قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له". الحديث الحادي و الستون: حسن. قوله (عليه السلام):" و تحذير من الشيطان" أي يحذر و يخوف من الأعمال الصالحة و يحتمل أن يكون المراد الرؤيا الهائلة المخوفة، و يحتمل أن يكون" تحزين من الشيطان" بالنون، فصحف لقوله تعالى" إِنَّمَا النَّجْوىٰ مِنَ الشَّيْطٰانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا" و روى محيي السنة و بإسناده عن أبي هريرة عن النبي أنه قال الرؤيا ثلاثة رؤيا بشرى من الله، و رؤيا: مما يحدث به الرجل نفسه، و رؤيا: من تحزين الشيطان. قوله (عليه السلام):" و أضغاث أحلام" الحلم: ما يراه النائم في نومه، و الضغث فما جمع من أخلاط النبات، و أضغاث الأحلام: الرؤيا المختلطة التي تركبها المتخيلة، و لا أصل لها، و ليس من الله و لا من الشيطان. الحديث الثاني و الستون: ضعيف. الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ وَ الْكَاذِبَةُ مَخْرَجُهُمَا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ قَالَ صَدَقْتَ أَمَّا الْكَاذِبَةُ الْمُخْتَلِفَةُ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَرَاهَا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ فِي سُلْطَانِ الْمَرَدَةِ الْفَسَقَةِ وَ إِنَّمَا هِيَ شَيْءٌ يُخَيَّلُ إِلَى الرَّجُلِ وَ هِيَ كَاذِبَةٌ مُخَالِفَةٌ لَا خَيْرَ فِيهَا وَ أَمَّا الصَّادِقَةُ إِذَا رَآهَا بَعْدَ الثُّلُثَيْنِ مِنَ اللَّيْلِ مَعَ حُلُولِ قوله (عليه السلام):" مخرجهما من موضع واحد" لعل المراد ارتسامهما في محل واحد، و أن علتهما معا الارتسام، لكن علة الارتسام فيهما مختلفة، و قيل: يعني إن كليهما صور علمية يخلقهما الله تعالى في قلب عباده بأسباب روحانية، أو شيطانية أو طبيعية. قوله (عليه السلام):" في سلطان المردة و الفسقة" أي في أول الليل يستولي على الإنسان شهوات ما رآه في النهار، و كثرت في ذهنه الصور الخيالية، و اختلطت بعضها ببعض و بسبب كثرة مزاولة الأمور الدنيوية بعد عن ربه، و غلبت عليه القوي النفسانية و الطبيعية، فبسبب هذه الأمور تبعد عنه ملائكة الرحمن، و تستولي عليه جنود الشيطان فإذا كان وقت السحر سكنت قواه و نزلت عنه ما اعتراه من الخيالات الشهوانية، فأقبل عليه مولاه بالفضل و الإحسان، و أرسل عليه ملائكته ليدفعوا عنه أحزاب الشيطان. فلذا أمر الله تعالى في ذلك الوقت بعبادته و مناجاته و قال:" إِنَّ نٰاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا" فما يراه في الحالة الأولى فهو من التسويلات و التخييلات الشيطانية، و من الوساوس النفسانية، و ما يراه في الحالة الثانية فهو من الإفاضات الرحمانية بتوسط الملائكة الروحانية. ثم ذكر (عليه السلام) علة تخلف بعض الرؤيا مع كونها في السحر، فقال: إنه إما بسبب جنابة أو حدث أو غفلة عن ذكر الله تعالى فإنها توجب البعد عن الله و استيلاء الشيطان. و لما كان أمر الرؤيا و صدقها و كذبها مما اختلفت فيه أقاويل الناس فلا بأس الْمَلَائِكَةِ وَ ذَلِكَ قَبْلَ السَّحَرِ فَهِيَ صَادِقَةٌ لَا تَخَلَّفُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جُنُباً أَوْ يَنَامَ أن نذكر هيهنا بعض أقوال المتكلمين و الحكماء، ثم نبين ما ظهر لنا فيه من أخبار أئمة الأنام. فأما الحكماء: فقد بنوا ذلك على ما أسسوه من انطباع صور الجزئيات في النفوس المنطبعة الفلكية، و صور الكليات في العقول المجردة، و قالوا: إن النفس في حالة النوم قد تتصل بتلك المبادئ العالية، فتحصل لها بعض العلوم الحقة الواقعة، فهذه هي الرؤيا الصادقة، و قد يركب المتخيلة بعض الصور المخزونة في الخيال ببعض، فهذه هي الرؤيا الكاذبة. و قال بعضهم: إن للنفوس الإنسانية اطلاعا على الغيب في حال المنام، و ليس لأحد من الناس إلا و قد جرب ذلك من نفسه تجارب أوجبته التصديق، و ليس ذلك بسبب الفكر، و إن الفكر في حال اليقظة التي هو فيها أمكن، يقصر عن تحصيل مثل ذلك، فكيف كان في حال النوم، بل بسبب أن النفوس الإنسانية لها مناسبة الجنسية إلى المبادئ العالية المنتقشة بجميع ما كان و ما سيكون و ما هو كائن في الحال و لها أن تتصل بها اتصالا روحانيا، و أن تنتقش بما هو مرتسم فيها لأن اشتغال النفس ببعض أفاعيلها يمنعها عن الاشتغال بغير تلك الأفاعيل، و ليس لنا سبيل إلى إزالة عوائق النفس بالكلية عن الانتقاش بما في المبادئ العالية، لأن أحد العائقين هو اشتغال النفس بالبدن، و لا يمكن لنا إزالة هذا العائق بالكلية ما دام البدن صالحا لتدبيرها، إلا أنه قد يسكن أحد الشاغلين في حالة النوم فإن الروح ينتشر إلى ظاهر البدن بواسطة الشرائين و ينصب إلى الحواس الظاهرة حالة الانتشار و يحصل الإدراك بها و هذه الحالة هي اليقظة، فتشتغل النفس بتلك الإدراكات، فإذا انحبس الروح إلى الباطن تعطلت هذه الحواس، و هذه الحالة هي النوم و بتعطلها يخف أحد شواغل النفس عن الاتصال بالمبادئ العالية و الانتقاش ببعض ما فيها فيتصل حينئذ بتلك المبادئ اتصالا روحانيا و يرتسم في النفس بعض ما انتقش في تلك المبادئ مما استعدت هي لأن تكون منتقشة به كالمرايا إذا حوذي بعضها ببعض ما يتسع له مما انتقش في البعض عَلَى غَيْرِ طَهُورٍ وَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ حَقِيقَةَ ذِكْرِهِ فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ وَ تُبْطِئُ عَلَى صَاحِبِهَا الآخر و القوة المتخيلة جبلت محاكية لما يرد عليها، فتحاكى تلك المعاني المنتقشة في النفس بصور جزئية، مناسبة لها ثم تصير تلك الصور الجزئية في الحس المشترك فتصير مشاهدة و هذه هي الرؤيا الصادقة. ثم إن الصور التي تركبها القوة المتخيلة إن كانت شديدة المناسبة لتلك المعاني المنطبعة في النفس، حتى لا يكون بين المعاني التي أدركتها النفس و بين الصور التي ركبتها القوة المتخيلة تفاوت إلا في الكلية و الجزئية كانت الرؤيا غنية عن التعبير، و إن لم تكن شديدة المناسبة إلا أنه مع ذلك تكون بينهما مناسبة بوجه ما كانت الرؤيا محتاجة إلى التعبير، و هو أن يرجع من الصورة التي في الخيال إلى المعنى الذي صورته المتخيلة بتلك الصورة، و أما إذا لم تكن بين المعنى الذي أدركته النفس و بين الصورة التي ركبتها القوة المتخيلة مناسبة أصلا لكثرة انتقالات المتخيلة من صورة إلى صورة لا تناسب المعنى الذي أدركته النفس أصلا، فهذه الرؤيا من قبيل أضغاث الأحلام، و لهذا قالوا: لا اعتماد على رؤيا الشاعر و الكاذب، لأن قوتهما المتخيلة قد تعودت الانتقالات الكاذبة الباطلة انتهى. و لا يخفى أن هذا رجم بالغيب، و تقول بالظن و الريب و لم يستند إلى دليل و برهان، و لا إلى مشاهدة و عيان، و لا إلى وحي إلهي مع ابتنائه على العقول و النفوس الفلكية اللتين نفتهما الشريعة المقدسة. و قال المازري في شرح قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم):" الرؤيا من الله، و الحلم من الشيطان": مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، و هو سبحانه تعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه النوم و اليقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علما على أمور آخر يخلقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها، فإذا خلق في قلب النائم الطيران و ليس بطائر فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمرا على خلاف ما هو، فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره كما يكون خلق الله تعالى الغيم علما على المطر، و الجميع خلق الله تعالى، و لكن يخلق الرؤيا و الاعتقادات التي جعلها علما على ما يسر بغير حضرة الشيطان و خلق ما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان فنسب إلى الشيطان مجازا لحضوره عندها، و إن كان لا فعل له حقيقة. و قال محيي السنة: ليس كلما يراه الإنسان صحيحا و يجوز تعبيره، بل الصحيح ما كان من الله يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب، و ما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها، و هي على أنواع: قد تكون من فعل الشيطان، يلعب بالإنسان أو يريه ما يحزنه، و له مكائد يحزن بها بني آدم كما قال تعالى:" إِنَّمَا النَّجْوىٰ مِنَ الشَّيْطٰانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا" و من لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل، فلا يكون له تأويل، و قد يكون من حديث النفس كما يكون في أمر أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر، و العاشق يرى معشوقه و نحوه، و قد تكون من مزاج الطبيعة كمن غلب عليه الدم يرى الفصد و الحجامة و الحمرة و الرعاف و الرياحين و المزامير و النشاط و نحوه، و من غلب عليه الصفراء يرى النار و الشمع و السراج و الأشياء الصفر، و الطيران في الهواء و نحوه، و من غلب عليه السوداء يرى الظلمة و السواد و الأشياء السود و صيد الوحش، و الأهوال و الأموات و القبور و المواضع الخربة، و كونه في مضيق لا منفذ له، أو تحت ثقل و نحوه، و من غلب عليه البلغم يرى البياض و المياه و الأنداء و الثلج و الوحل، فلا تأويل لشيء منها. و قال السيد المرتضى (ره) في كتاب الغرر و الدرر في جواب سائل سأله ما القول في المنامات أ صحيحة هي أم باطلة؟ و من فعل من هي؟ و ما وجه صحتها في الأكثر؟ و ما وجه الإنزال عند رؤية المباشرة في المنام، و إن كان فيها صحيح و باطل فما السبيل إلى تمييز أحدهما من الآخر؟ الجواب: أعلم أن النائم غير كامل العقل، لأن النوم ضرب من السهو، و السهو ينفى العلوم، و لهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة، لنقصان عقله و فقد علومه، و جميع المنامات إنما هي اعتقادات يبتدئ بها النائم في نفسه، و لا يجوز أن تكون من فعل غيره فيه، لأن من عداه من المحدثين سواء كانوا بشرا أو ملائكة أو جنى أجسام، و الجسم لا يقدر أن يفعل في غيره اعتقادا ابتداء، بل و لا شيئا من الأجناس على هذا الوجه، و إنما يفعل ذلك في نفسه على سبيل الابتداء، و إنما قلنا أنه لا يفعل في غيره جنس الاعتقادات متولدا، لأن الذي يعدي الفعل من محل القدرة إلى غيرها من الأسباب إنما هو الاعتمادات، و ليس في جنس الاعتمادات ما يولد الاعتقادات، و لهذا لو اعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل ما تولد فيه شيء من الاعتقادات و قد بين ذلك و شرح في مواضع كثيرة، و القديم تعالى هو القادر أن يفعل في قلوبنا ابتداء من غير سبب أجناس الاعتقادات، و لا يجوز أن يفعل في قلب النائم اعتقادا لأن أكثر اعتقادات النائم جهل و يتأول الشيء على خلاف ما هو به، لأنه يعتقد أنه يرى و يمشي و أنه راكب و على صفات كثيرة، و كل ذلك على خلاف ما هو به، و هو تعالى لا يفعل الجهل، فلم يبق إلا أن الاعتقادات كلها من جهة النائم. و قد ذكر في المقالات: أن المعروف- بصالح قبة كان يذهب إلى أن ما يراه النائم في منامه على الحقيقة، و هذا جهل منه، يضاهي جهل السوفسطائية، لأن النائم يرى أن رأسه مقطوع، و أنه قد مات و أنه قد صعد إلى السماء و نحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كله، و إذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان في السراب أنه ماء. و في المردي إذا كان في الماء أنه مكسور، و هو على الحقيقة صحيح، لضرب من الشبهة و اللبس، فإلا جاز ذلك في النائم، و هو من الكمال أبعد، و من النقص أقرب. و ينبغي أن يقسم ما يتخيل النائم أنه يراه إلى أقسام ثلاثة منها: ما يكون من غير سبب يقتضيه، و لا داع يدعو إليه اعتقادا مبتدأ و منها: ما يكون من وسواس الشيطان يفعل في داخل سمعه كلاما خفيا يتضمن أشياء مخصوصة فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنه يراه، فقد نجد كثيرا من النيام يسمعون حديث من يتحدث بالقرب منهم، فيعتقدون أنهم يرون ذلك الحديث في منامهم، و منها: ما يكون سببه و الداعي إليه خاطرا يفعله الله تعالى أو يأمر بعض الملائكة بفعله، و معنى هذا الخاطر أن يكون كلاما يفعل في داخل السمع فيعتقد النائم أيضا أنه ما يتضمن ذلك الكلام و المنامات الداعية إلى الخير و الصلاح في الدين، يجب أن تكون إلى هذا الوجه مصروفة، كما أن ما يقتضي الشر منها الأولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة، و قد يجوز على هذا فيما يراه النائم في منامه ثم يصح ذلك حتى يراه في يقظته على حد ما يراه في منامه، و في كل منام يصح تأويله أن يكون سبب صحته أن الله تعالى يفعل كلاما في سمعه لضرب من المصلحة بأن شيئا يكون أو قد كان على بعض الصفات، فيعتقد النائم أن الذي يسمعه هو يراه، فإذا صح تأويله على ما يراه. فما ذكرناه إن لم يكن مما يجوز أن تتفق فيه الصحة اتفاقا فإن في المنامات ما يجوز أن يصح بالاتفاق، و ما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتفاق، فهذا الذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه. فإن قيل: أ ليس قد قال أبو علي الجبائي في بعض كلامه في المنامات: إن الطبائع لا يجوز أن تكون مؤثرة فيها، لأن الطبائع لا يجوز على المذاهب الصحيحة أن تؤثر في شيء، و أنه غير ممتنع مع ذلك أن يكون بعض المأكل يكثر عندها المنامات بالعادة، كما أن فيها ما يكثر عنده بالعادة تخييل الإنسان- و هو مستيقظ- ما لا أصل له. قلنا: قد قال ذلك أبو علي و هو خطأ، لأن تأثيرات المأكل بمجرى العادة على المذاهب الصحيحة إذا لم تكن مضافة إلى الطبائع، فهو من فعل الله تعالى، فكيف نضيف التخيل الباطل و الاعتقادات الفاسدة إلى فعل الله تعالى، فأما المستيقظ الذي استشهد به فالكلام فيه و الكلام في النائم واحد، و لا يجوز أن نضيف التخيل الباطل إلى فعل الله تعالى في نائم و لا يقظان، فأما ما يتخيل من الفاسد و هو غير نائم فلا بد من أن يكون ناقص العقل في الحال، و فاقد التميز بسهو و ما يجري مجراه فيبتدئ اعتقادا لا أصل له، كما قلناه في النائم. فإن قيل: فما قولكم في منامات الأنبياء و ما السبب في صحتها حتى عد ما يرونه في المنام، مضاهيا لما يسمعونه من الوحي، قلنا: الأخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحتها و لا هي مما توجب العلم، و قد يمكن أن يكون الله تعالى أعلم النبي بوحي يسمعه من الملك على الوجه الموجب للعلم، إني سأريك في منامك في وقت كذا ما يجب أن تعمل عليه فيقطع على صحته من هذا الوجه، لا بمجرد رؤيته له في المنام، و على هذا الوجه يحمل منام إبراهيم (عليه السلام) في ذبح ابنه، و لو لا ما أشرنا إليه كيف كان يقطع إبراهيم (عليه السلام) بأنه متعبد بذبح ولده. فإن قيل: فما تأويل ما يروى عنه (عليه السلام) من قوله:" من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي" و قد علمنا أن المحق و المبطل و المؤمن و الكافر قد يرون النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في النوم، و يخبر كل واحد منهم عنه بضد ما يخبر به الآخر، فكيف يكون رائيا له في الحقيقة، مع هذا. قلنا: هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد، و لا معمول على مثل ذلك، على أنه يمكن مع تسليم صحته أن يكون المراد به: من رآني في اليقظة فقد رآني على الحقيقة، لأن الشيطان لا يتمثل بي لليقظان، فقد قيل: إن الشيطان ربما تمثلت بصورة البشر، و هذا التشبيه أشبه بظاهر ألفاظ الخبر، لأنه قال:" من رآني فقد رآني" فأثبت غيره رائيا له و نفسه مرئية، و في النوم لا رأيي له في الحقيقة و لا مرئي: و إنما ذلك في اليقظة، و لو حملناه على النوم لكان تقدير الكلام من اعتقد أنه يراني في منامه، و إن كان غير راء له على الحقيقة فهو في الحكم كأنه قد رآني، و هذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر، و تبديل لصيغته، و هذا الذي رتبناه في المنامات و قسمناه أسد تحقيقا من كل شيء قيل في أسباب المنامات. و ما سطر في ذلك معروف غير محصل و لا محقق، فأما ما يهذي به الفلاسفة في هذا الباب فهو مما يضحك الثكلى، لأنهم ينسبون ما صح من المنامات لما أعيتهم الحيل في ذكر سببه إلى أن النفس اطلعت إلى عالمها فأشرفت على ما يكون، و هذا الذي يذهبون إليه في حقيقة النفس غير مفهوم، و لا مضبوط، فكيف إذا أضيف إليه الاطلاع على عالمها، و ما هذا الاطلاع و إلى أي شيء يشيرون بعالم النفس، و لم يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطلاع، فكل هذا زخرفة و مخرقة و تهاويل، لا يتحصل منها شيء، و قول صالح قبة- مع أنه تجاهل محض أقرب إلى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة انتهى كلامه (قدس الله روحه). و لنكتف بذكر هذه الأقوال و لا نشتغل إلى نقدها و تفصيلها، و لا إلى ردها و تحصيلها، لأن ذلك مما يؤدي إلى التطويل الخارج عن المقصود في الكتاب. و لنذكر ما ظهر لنا في هذا الباب من الأخبار المنتهية إلى الأئمة الأخيار (عليهم السلام)، فهو أن الرؤيا تستند إلى أمور شتى فمنها: أن للروح في حالة النوم حركة إلى السماء إما بنفسها بناء على تجسمها كما هو الظاهر من الأخبار، أو بتعلقها بجسد مثالي إن قلنا به في حال الحياة أيضا بأن يكون للروح جسدان أصلي و مثالي يشتد تعلقها في حال اليقظة بهذا الجسد الأصلي، و يضعف تعلقها بالآخر، و ينعكس الأمر في حال النوم أو بتوجهها و إقبالها إلى عالم الأرواح بعد ضعف نعلقها بالجسد بنفسها من غير جسد مثالي. و على تقدير التجسم أيضا يحتمل ذلك كما يومئ إليه بعض الأخبار بأن يكون حركتها كناية عن إعراضها عن هذا الجسد و إقبالها إلى عالم آخر، و توجهها إلى نشأة أخرى. و بعد حركتها بأي معنى كانت ترى أشياء في الملكوت الأعلى و تطالع بعض الألواح التي أثبتت فيها التقديرات، فإن كان لها صفاء و لعينها ضياء يرى الأشياء كما أثبتت فلا يحتاج رؤياه إلى تعبير، و إن استدلت على عين قلبه أغطية أرماد التعلقات الجسمانية و الشهوات النفسانية فيرى الأشياء بصور شبيهة لها، كما أن ضعيف البصر و مؤف العين يرى الأشياء على غير ما هي عليه. و العارف بعلته يعرف أن هذه الصورة المشبهة التي اشتبهت عليه صورة لأي شيء فهذا شأن المعبر العارف بداء كل شخص و علته، و يمكن أيضا أن يظهر الله علة الأشياء في تلك الحالة بصور يناسبها لمصالح كثيرة، كما أن الإنسان قد يرى المال في نومه بصورة حية، و قد يرى الدراهم بصورة عذرة ليعرف أنهما يضران، و هما مستقذران واقعا، فينبغي أن يتحرز عنهما و يتجنبهما، و قد ترى في الهواء أشياء فهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها. و يحتمل أن يكون المراد بما يراه في الهواء ما أنس به من الأمور المألوفة و الشهوات، و الخيالات الباطلة. و يدل على هذين النوعين ما رواه الصدوق في أماليه عن أبيه عن سعد عن أحمد و عبد الله ابني محمد بن عيسى و محمد بن الحسين عن الحسن بن محبوب عن محمد بن القاسم النوفلي قال:" قلت لأبي عبد الله ((عليه السلام)) المؤمن قد يرى الرؤيا فتكون كما رآها، و ربما رأى الرؤيا فلا يكون شيئا؟ فقال: إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء، فكلما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير و التدبير فهو الحق، و كلما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام فقلت له: و تصعد روح المؤمن إلى السماء قال: نعم قلت: حتى لا يبقى منها شيء في بدنه. فقال: لا لو خرجت كلها حتى لا تبقى منها شيء إذا لمات، فقلت: فكيف تخرج؟ فقال: أ ما ترى الشمس في السماء في موضعها و ضوءها و شعاعها في الأرض فكذلك الروح أصلها في البدن، و حركتها ممدودة" و روي أيضا عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن بعض أصحابه عن زكريا بن يحيى عن معاوية بن عمار عن أبي جعفر (عليه السلام)" قال: إن العباد إذا ناموا خرجت أرواحهم إلى السماء، فما رأت الروح في السماء فهو الحق، فما رأت في الهواء فهو الأضغاث ألا و إن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، و ما تناكر منها اختلف، فإذا كانت الروح في السماء تعارفت و تباغضت، فإذا تعارفت في السماء تعارفت في الأرض، و إذا تباغضت في السماء تباغضت في الأرض". و روي أيضا عن أبيه عن سعد عن محمد بن الحسين عن عيسى بن عبد الله عن أبي عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام)" قال: سألت رسول الله صلى الله (عليه و آله و سلم) عن الرجل ينام فيرى الرؤيا فربما كانت حقا، و ربما كانت باطلا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): يا علي ما من عبد ينام إلا عرج بروحه إلى رب العالمين، فما رأى عند رب العالمين فهو حق، ثم إذا أمر الله العزيز الجبار برد روحه إلى جسده فصارت الروح بين السماء و الأرض فما رأته فهو أضغاث أحلام". و منها: ما هو بسبب إفاضة الله تعالى عليه في منامه، إما بتوسط الملائكة أو بدونه كما يومئ إليه خبر أبي بصير و خبر سعد بن أبي خلف. و منها: ما هو بسبب وساوس الشياطين و استيلائهم عليه بسبب المعاصي التي عملها في اليقظة، أو الطاعات التي تركها أو الكثافات و النجاسات الظاهرية و الباطنية التي لوث نفسه. كما رواه الصدوق في أماليه عن أبيه بإسناده عن علي بن الحكم عن أبان ابن عثمان عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محسن بن أحمد عن أبان بن عثمان عن أبي بصير عن أبي جعفر قال: سمعته يقول: إن لإبليس شيطانا يقال له هزع، حَدِيثُ الرِّيَاحِ
الكافي — كتاب الروضة · كتاب الروضة