عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَدْ أَعْيَتْ عَلَيَّ أَنْ أَجِدَ أَحَداً يُفَسِّرُهَا وَ قَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ شَيْئاً غَيْرَ الَّذِي قَالَ الصِّنْفُ الْآخَرُ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ(عليه السلام)مَا ذَاكَ قَالَ فَإِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ سَأَلْتُهُ قَالَ الْقَدَرُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الْقَلَمُ قوله (عليه السلام):" في أهل البيت" أقول: قد وردت الأخبار المستفيضة في نزول هذه الآية فيهم (عليه السلام)، و قد روتها العامة أيضا في كتبهم بأسانيد و قد مرت في شرح كتاب الحجة، و قال البيضاوي، روي أنها لما نزلت قيل: يا رسول الله من قرابتك من هؤلاء قال: علي و فاطمة و ابناهما. الحديث السابع و الستون: مجهول. قوله (عليه السلام):" عن أول ما خلق الله من خلقه" اعلم أن الأخبار اختلفت في تعيين أول المخلوقات فأكثر الأخبار يدل على أنه الماء كهذا الخبر، و الخبر الذي بعده، لكن لا يدل الخبر الآتي على تقدمه على العرش، و نقل عن ناليس الملطي الإسكندراني و هو من مشاهير الحكماء القدماء، أنه قال بعد أن و حد الصانع و نزهة: لكنه أبدع العنصر الذي فيه صور الموجودات و المعلومات كلها، و هو المبدع الأول، و هو وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الرُّوحُ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(عليه السلام)مَا قَالُوا شَيْئاً- أُخْبِرُكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَانَ وَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَ كَانَ عَزِيزاً وَ لَا أَحَدَ كَانَ قَبْلَ عِزِّهِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحٰانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّٰا يَصِفُونَ وَ كَانَ الْخَالِقُ قَبْلَ الْمَخْلُوقِ وَ لَوْ كَانَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ مِنْ خَلْقِهِ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ إِذاً لَمْ يَكُنْ لَهُ انْقِطَاعٌ أَبَداً وَ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ إِذاً وَ مَعَهُ شَيْءٌ لَيْسَ هُوَ يَتَقَدَّمُهُ وَ لَكِنَّهُ كَانَ إِذْ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَ خَلَقَ الشَّيْءَ الَّذِي جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ مِنْهُ وَ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي خَلَقَ الْأَشْيَاءَ مِنْهُ فَجَعَلَ نَسَبَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الْمَاءِ وَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْمَاءِ نَسَباً يُضَافُ إِلَيْهِ وَ خَلَقَ الرِّيحَ مِنَ الْمَاءِ الماء، و منه أنواع الجواهر كلها من السماء و الأرض و ما بينهما، و ذكر أن من جمود الماء تكونت الأرض، و من انحلاله تكون الهواء، و من صفوته تكونت النار و من الدخان و الأبخرة تكونت السماء، و قيل: جوهر تكون منه الماء كما نقل أنه جاء في السفر الأول من التوراة أن مبدأ الخلق جوهر خلقه الله تعالى، ثم نظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء فثار من الماء بخار كالدخان، فخلق منه السماوات، و ظهر على وجه الماء مثل زبد البحر، فخلق منه الأرض، ثم أرساها بالجبال. و ذكر علي بن إبراهيم في تفسيره قوله تعالى:" وَ كٰانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمٰاءِ" قال: و ذلك في مبدء الخلق إن الرب تعالى خلق الهواء، ثم خلق القلم، فأمره أن يجري فقال: يا رب بما أجري فقال: بما هو كائن ثم خلق الظلمة من الهواء، و خلق النور من الهواء، و خلق الماء من الهواء، و خلق العرش من الهواء، و خلق العقيم من الهواء و هو الريح الشديد، و خلق النار من الهواء، و خلق الخلق كلهم من هذه الستة التي خلقت من الهواء. و الظاهر أنه أخذه من خبر، لكن لا يعارض الأخبار المسندة، و على تقدير صحته يمكن الجمع بحمل أولية الماء على التقدم الإضافي بالنسبة إلى الأجسام المشاهدة المحسوسة التي يدركها جميع الخلق، فإن الهواء ليس منها، و لذلك أنكر طائفة وجوده. ثُمَّ سَلَّطَ الرِّيحَ عَلَى الْمَاءِ فَشَقَّقَتِ الرِّيحُ مَتْنَ الْمَاءِ حَتَّى ثَارَ مِنَ الْمَاءِ زَبَدٌ عَلَى قَدْرِ مَا شَاءَ أَنْ يَثُورَ فَخَلَقَ مِنْ ذَلِكَ الزَّبَدِ أَرْضاً بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَيْسَ فِيهَا صَدْعٌ وَ لَا ثَقْبٌ وَ لَا صُعُودٌ وَ لَا هُبُوطٌ وَ لَا شَجَرَةٌ ثُمَّ طَوَاهَا فَوَضَعَهَا فَوْقَ الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ مِنَ الْمَاءِ فَشَقَّقَتِ النَّارُ مَتْنَ الْمَاءِ حَتَّى ثَارَ مِنَ الْمَاءِ دُخَانٌ عَلَى قَدْرِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَثُورَ فَخَلَقَ مِنْ ذَلِكَ الدُّخَانِ سَمَاءً صَافِيَةً نَقِيَّةً لَيْسَ فِيهَا صَدْعٌ وَ لَا ثَقْبٌ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ- السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا وَ أَغْطَشَ لَيْلَهٰا وَ أَخْرَجَ ضُحٰاهٰا قَالَ وَ لَا شَمْسٌ وَ لَا قَمَرٌ وَ لَا نُجُومٌ وَ لَا سَحَابٌ ثُمَّ طَوَاهَا و يدل على تقدم خلق الماء على الهواء و على المخلوقات طرا سوى العرش، و الملائكة ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي الصلت الهروي" قال: سأل المأمون أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قول الله عز و جل:" وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ وَ كٰانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمٰاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" فقال: إن الله تبارك و تعالى خلق العرش و الماء و الملائكة قبل خلق السماوات و الأرض، و كانت الملائكة تستدل بأنفسها، و بالعرش و الماء على الله عز و جل ثم جعل عرشه على الماء، ليظهر بذلك قدرته للملائكة، فتعلم أنه على كل شيء قدير، ثم رفع العرش بقدرته و نقله فجعله فوق السماوات السبع، ثم خلق السماوات و الأرض في ستة أيام، و هو مستولي على عرشه، و كان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين، و لكنه عز و جل خلقها في ستة أيام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شيء، فتستدل بحدوث ما يحدث على الله تعالى ذكره". و روى الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بإسناده عن الحسين بن علي (عليهما السلام)" قال: كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالكوفة في الجامع إذ قام إليه رجل من أهل الشام فقال يا أمير المؤمنين: إني أسألك عن أشياء فقال: أخبرني عن أول ما خلق الله؟ فقال: النور، و روي في بعض الأخبار عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: أول ما خلق الله نوري، و في بعضها: أول ما خلق الله روحي، و روى الكليني و غيره بأسانيدهم عن أبي عبد الله أنه قال: إن الله خلق العقل، و هو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره، فالخبر الأخير لا يدل على تقدم العقل على جميع الموجودات، بل على خلق الروحانيين، و يمكن أن يكون خلقها متأخرا عن خلق الماء و الهواء، و أما الخبران الآخران فيمكن حملهما على الأولية الإضافية و الجمع بينهما ظاهر، لجواز اتحادهما و يمكن حمل أخبار الماء على الأولية الإضافية أيضا بأن يكون خلق الروحانيين مقدما على خلق الماء، و الأول أظهر و يؤيده ما سننقله من خبر الأبرش و قد فصلنا الكلام في هذا المراد في كتاب بحار الأنوار في كتاب العقل و كتاب السماء و العالم. قوله:" فإن بعض من سألته قال القدر" لعل هذا القائل زعم أن تقديره تعالى جوهر، و يحتمل أن يكون مراده بالقدر اللوح المثبت فيه تقديرات الأمور، و في توحيد الصدوق" القدرة" و هو مبني على قول من قال بزيادة صفاته تعالى و أنها مخلوقة له. قوله: و قال بعضهم:" القلم" أقول: و قد ورد ذلك في بعض أخبارنا أيضا رواه علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:" أول ما خلق الله القلم، فقال له اكتب فكتب ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة" و لعل المراد الأولية بالإضافة إلى جنسه من الملائكة، أو بعض المخلوقات و غيرهم، و يؤيده ما رواه علي بن إبراهيم أيضا عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبد الرحيم القصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال:" سألته عن ن و القلم؟ قال: إن الله خلق القلم من شجرة في الجنة يقال لها الخلد، ثم قال: لنهر في الجنة كن مدادا فجمد النهر و كان أشد بياضا من الثلج و أحلى من الشهد، ثم قال للقلم: اكتب، قال: يا رب و ما اكتب؟ قال: اكتب ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة، فكتب القلم في ورق أشد بياضا من الفضة و أصفى من الياقوت، ثم طواه فجعله في ركن العرش، ثم ختم على فم القلم، فلم ينطق بعد و لا ينطق أبدا فهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلها أو لستم عربا، فكيف لا تعرفون معنى الكلام، و أحدكم يقول لصاحبه انسخ ذلك الكتاب أو ليس ينسخ من كتاب آخر من الأصل و هو قوله (إِنّٰا كُنّٰا نَسْتَنْسِخُ مٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). و روى الصدوق في كتبه مثل هذا الخبر بأسانيد أخر، و روى العياشي أيضا بإسناد آخر مثله، فظهر أن أوليته و إضافيته لتقدم الجنة و غيرها عليه، و في التوحيد" و قال بعضهم العلم" و هو أيضا مبني على ما مر. قوله (عليه السلام):" و لا أحد كان قبل عزه" أي لم تكن قبل عزه أحد يكون عزه به و استدل عليه بقوله:" رب العزة" إذ هو يدل على أنه تعالى سبب كل عزة، فلو كان عزه بغيره كان ذلك الغير رب العزة، و في التوحيد" و كان عزيزا و لا عز" لأنه كان قبل عزه و ذلك. قوله (عليه السلام):" إلخ و لعل المراد أنه كان غالبا و عزيزا قبل أن يظهر عزه و غلبته على الأشياء بخلقها، و لذا قال:" رب العزة" إذ فعلية العزة و ظهورها مسبب عنه، قوله:" و لو كان أول ما خلق من خلقه الشيء من الشيء" أي لو كان كما تقوله الحكماء كل حادث مسبوق بمادة، فلا يتحقق شيء يكون أول الأشياء من الحوادث فيلزم وجود قديم سوى الله تعالى، و هو محال، و في التوحيد" و كان خالقا و لا مخلوق" فأول شيء خلقه من خلقه الشيء الذي جميع الأشياء منه، و هو الماء، فقال السائل فالشيء خلقه من شيء أو من لا شيء، فقال: خلق الشيء لا من شيء كان قبله و لو خلق الشيء من شيء إذا لم يكن له انقطاع، و لعل هذه الزوائد سقطت من نساخ الكتاب، و لا يخفى صراحة هذا الخبر في حدوث العالم بالمعنى الذي اتفق عليه المليون، لا بالحدوث الذاتي الذي تأوله الملحدون. قوله:" فجعل نسب كل شيء إلى الماء" بأن خلق جميعها منه لآيات قال:" وَ جَعَلْنٰا مِنَ الْمٰاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ" لأنه ظاهرا مختص بذوي الحياة، و لا يشمل كل شيء. قوله (عليه السلام):" فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء" يدل على أن الأرض مخلوق من زبد البحر، و قد دلت عليه أخبار كثيرة، منها ما رواه الصدوق في خبر الشامي" أنه سأل أمير المؤمنين مم خلقت الأرض؟ قال: من زبد الماء" و روى علي بن إبراهيم في تفسيره أنه قال أبو عبد الله (عليه السلام) لأبرش الكلبي:" يا أبرش هو كما وصف نفسه كان عرشه على الماء، و الماء على الهواء، و الهواء لا يحد، و لم يكن يومئذ خلق غيرهما، و الماء يومئذ عذب فرات، فلما أراد أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربت الماء حتى صار موجا ثم أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت، ثم جعله جبلا من زبد، ثم دحى الأرض من تحته، فقال الله تبارك و تعالى:" أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً" و في تفسير علي بن إبراهيم فسلط العقيم على الماء فضربته فأكثرت الموج و الزبد، و جعل يثور دخانه في الهواء، فلما بلغ الوقت الذي أراد: قال للزبد: اجمد فجمد، و قال للموج: اجمد فجمد، فجعل الزبد أرضا و جعل الموج جبالا رواسي للأرض. قوله (عليه السلام):" حتى ثار من الماء دخان" يدل على أن السماوات خلقت من الدخان كما هو ظاهر قوله تعالى:" ثُمَّ اسْتَوىٰ إِلَى السَّمٰاءِ وَ هِيَ دُخٰانٌ" و يدل عليه خبر الأبرش حيث قال له أبو عبد الله (عليه السلام):" ثم مكث الرب تبارك و تعالى ما شاء، فلما أراد أن يخلق السماء أمر الرياح فضربت البحور حتى أزبدتها فخرج من ذلك الموج و الزبد من وسطه دخان ساطع من غير نار فخلق منه السماء، و جعل فيها البروج و النجوم و منازل الشمس و القمر، فأجراهما في الفلك و كانت السماء خضراء فَوَضَعَهَا فَوْقَ الْأَرْضِ ثُمَّ نَسَبَ الْخَلِيقَتَيْنِ فَرَفَعَ السَّمَاءَ قَبْلَ الْأَرْضِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ- على لون الماء الأخضر، و كانت الأرض غبراء على لون الماء العذب و كانتا مرتوقتين ليس لهما أبواب، و لم تكن للأرض أبواب و هو النبت و لم تقطر السماء عليها فتنبت ففتق السماء بالمطر، و الأرض بالنبات و ذلك قوله عز و جل (أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً فَفَتَقْنٰاهُمٰا). فقال الأبرش: و الله ما حدثني بمثل هذا الحديث أحد قط أعد علي فأعاد عليه و كان الأبرش ملحدا فقال: و أنا أشهد أنك ابن نبي الله ثلاث مرات، و لعل مراده (عليه السلام) بقوله:" من غير نار" كون ارتفاع الدخان بعد خمود النار أو المراد أنه لم يرتفع مع الدخان أجزاء نارية، قوله تعالى:" السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا". قال البيضاوي: ثم بين البناء فقال:" رَفَعَ سَمْكَهٰا" أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض أو ثخنها الذاهب في العلو رفيعا" فَسَوّٰاهٰا" فعدلها أو فجعلها مستوية أو فتممها بما يتم به كمالها من الكواكب و التداوير و غيرها، من قولهم سوى فلان أمره إذا أصلحه" وَ أَغْطَشَ لَيْلَهٰا" أظلمه منقول من غطش الليل إذا أظلم، و إنما أضافه إليها لأنه يحدث بحركتها" وَ أَخْرَجَ ضُحٰاهٰا" و أبرز ضوء شمسها كقوله تعالى وَ الشَّمْسِ وَ ضُحٰاهٰا يريد النهار" وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا" بسطها و مهدها. للسكنى. قوله (عليه السلام):" و لا شمس و لا قمر" أي لم يكن لها في أول خلقها شمس و لا قمر و لا نجوم، و لذا" رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا وَ أَغْطَشَ لَيْلَهٰا وَ أَخْرَجَ ضُحٰاهٰا" فكان حصول هذه الأمور لها بعد خلقها، و كانت في بدو خلقها قبل رفعها و وضعها و ترتيبها خالية عن جميع ذلك. قوله (عليه السلام):" ثم نسب الخليقتين" أي رتبهما في الوضع، و جعل إحداهما وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا يَقُولُ بَسَطَهَا فَقَالَ لَهُ الشَّامِيُّ يَا أَبَا جَعْفَرٍ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى- فوق الأخرى، أو بين نسبة خلقهما في كتابه بقوله" وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا" فبين أن دحو الأرض بعد رفع السماء، و لنذكر هنا وجه الجمع بين الآيات التي وردت في تقدم خلق الأرض على السماء و تأخره، إذ زعم بعض الملاحدة أن فيها تناقضا. فأما الآيات الواردة في ذلك فالأولى منها قوله تعالى:" قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدٰاداً ذٰلِكَ رَبُّ الْعٰالَمِينَ وَ جَعَلَ فِيهٰا رَوٰاسِيَ مِنْ فَوْقِهٰا وَ بٰارَكَ فِيهٰا وَ قَدَّرَ فِيهٰا أَقْوٰاتَهٰا فِي أَرْبَعَةِ أَيّٰامٍ سَوٰاءً لِلسّٰائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوىٰ إِلَى السَّمٰاءِ وَ هِيَ دُخٰانٌ فَقٰالَ لَهٰا وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيٰا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ فَقَضٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ فِي يَوْمَيْنِ" و الثانية قوله تعالى" هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوىٰ إِلَى السَّمٰاءِ فَسَوّٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" فهاتان الآيتان تدلان على أن خلق الأرض قبل السماء، و الثالثة قوله تعالى" أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا وَ أَغْطَشَ لَيْلَهٰا وَ أَخْرَجَ ضُحٰاهٰا وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا أَخْرَجَ مِنْهٰا مٰاءَهٰا وَ مَرْعٰاهٰا وَ الْجِبٰالَ أَرْسٰاهٰا" و ظاهرها تأخر خلق الأرض عن السماء. و أجيب عن هذا الإشكال بوجهين: أحدهما: إن خلق الأرض قبل السماء، إلا أن دحوها متأخر عن خلق السماء و استشكل بوجهين: الأول: إن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية، فإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها لا محالة أيضا متأخرا عن خلق السماء. و الثاني: إن الآية الثانية تدل على أن خلق الأرض و خلق كل ما فيها مقدم خلق السماء، و خلق الأشياء في الأرض لا يكون إلا بعد ما كانت مدحوة. و أجيب عن الأول: بأنا لا نسلم امتناع انفكاك خلق الأرض عن دحوها و المناقشة في إطلاق خلق الأرض على إيجادها غير مدحوة، مناقشة لفظية و عن الثاني بأن قوله تعالى:" وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا" يقتضي تقدم خلق السماء على دحو الأرض، و لا يقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الأرض فجاز أن تكون تسوية السماء متأخرة عن دحو الأرض، فيكون خلق الأرض قبل خلق السماء، و خلق السماء قبل دحو الأرض، و دحو الأرض قبل تسوية السماء فارتفع التنافي. و يرد عليه: أن الآية الثالثة تقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الأرض، و الثانية تقتضي تقدم خلق الأرض بما فيها عن تسويتها سبع سماوات و خلق ما في الأرض قبل دحوها مستبعد. و يمكن أن يجاب: بأن المراد بالخلق في الثانية التقدير، و هو شائع في العرف و اللغة أو بأن المراد بخلق ما في الأرض خلق موادها كما أن خلق الأرض قبل دحوها عبارة عن مثل ذلك، فتكون تسوية السماء متقدمة على دحو الأرض كما هو ظاهر الآية الثالثة، و هذا الخبر، أو بأن يفرق بين تسويتها المذكورة في الثالثة و بين تسويتها سبع سماوات كما في الثانية، و حينئذ فتسويتها مطلقا متقدمة على دحو الأرض و تسويتها سبعا متأخرة عنه، و لعل هذا أوفق في الجمع. أو بأن يقال: الفاء في قوله تعالى:" فَسَوّٰاهٰا" بمعنى ثم، و المشار إليه بذلك في قوله تعالى:" وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا" هو بناء السماء و خلقها، لا مجموع ما ذكر قبله، أو بأن يقال: كلمة ثم في الثانية للترتيب الذكري، و تقديم خلق ما في الأرض في معرض الامتنان لمزيد الاختصاص، فيكون خلق ما في الأرض بعد دحوها كما هو الظاهر، و تسوية السماء متقدمة عليه و على دحو الأرض كما هو ظاهر الآية الثالثة، لكن هذا لا يخلو عن نوع منافرة لظاهر الآية الأولى، و قد أوردنا بعض التوجيهات لها في شرح الحديث السابع عشر بعد المائة. أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً فَفَتَقْنٰاهُمٰا فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ(عليه السلام)فَلَعَلَّكَ تَزْعُمُ أَنَّهُمَا كَانَتَا رَتْقاً مُلْتَزِقَتَيْنِ مُلْتَصِقَتَيْنِ فَفُتِقَتْ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(عليه السلام)اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ فَإِنَّ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ كٰانَتٰا رَتْقاً يَقُولُ كَانَتِ السَّمَاءُ رَتْقاً لَا تُنْزِلُ الْمَطَرَ وَ كَانَتِ الْأَرْضُ رَتْقاً لَا تُنْبِتُ الْحَبَّ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ و قال البيضاوي: كلمة ثم في آيتي البقرة و السجدة أي الأولى و الثانية لتفاوت ما بين الخلقين، و فضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى:" ثُمَّ كٰانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا" لا للتراخي في المدة، فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى:" وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا" فإنه يدل على تأخر دحو الأرض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء و تسويتها، إلا أن يستأنف بدحاها مقدرا لنصب الأرض فعلا آخر دل عليه" أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً" مثل تعرف الأرض و تدبر أمرها بعد ذلك، لكنه خلاف الظاهر انتهى. و الوجه الثاني: مما قد أجيب به عن أصل الإشكال أن يقال كلمة بعد في الآية الثالثة ليست لتأخر الزمان، إنما هو على جهة تعداد النعم و الأذكار لها، كما يقول القائل أ ليس قد أعطيتك و فعلت بك كذا و كذا، و بعد ذلك خلطتك، و ربما يكون بعض ما تقدم في اللفظ متأخرا بحسب الزمان، لأنه لم يكن الغرض الإخبار عن الأوقات و الأزمنة، بل المراد ذكر النعم و التنبيه عليها و ربما اقتضت الحال إيراد الكلام على هذا الوجه. قوله تعالى:" أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا" قال البيضاوي: أي أو لم يعلموا و قرأ ابن كثير بغير واو" أَنَّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً" ذات رتق أو مرتوقتين، و هو الضم و الالتحام أي كانتا شيئا واحدا، و حقيقة متحدة ففتقنا هما بالتنويع و التميز أو كانت السماوات واحدة ففتقت بالتحريكات المختلفة، حتى صارت أفلاكا و كانت الأرضون واحدة، فجعلت باختلاف كيفيتها و أحوالها طبقات أو أقاليم. وَ تَعَالَى الْخَلْقَ وَ بَثَّ فِيهٰا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ فَتَقَ السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ وَ الْأَرْضَ بِنَبَاتِ الْحَبِّ فَقَالَ الشَّامِيُّ أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنْ وُلْدِ الْأَنْبِيَاءِ وَ أَنَّ عِلْمَكَ عِلْمُهُمْ [في أن الله تعالى خلق الماء ثم خلق الأشياء من الماء]
الكافي — كتاب الروضة · كتاب الروضة