عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْهُمْ(عليه السلام)قَالَ فِيمَا وَعَظَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ عِيسَى (عليه السلام) تعالى يقال: الله رفيق بعباده من الرفق و الرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل. و منه حديث عائشة، سمعته يقول عند موته: بل الرفيق الأعلى، و ذلك أنه خير بين البقاء في الدنيا و بين ما عند الله، فاختار ما عند الله. الحديث الثاني و المائة: ضعيف. قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):" عرضت على بطحاء مكة ذهبا" البطحاء: مسيل واسع فيه دقاق الحصى، أي قيل له: إن أردت نجعل لك تلك البطحاء مملوءة من الذهب أو نجعل أرضها و حصاها ذهبا أو جعلت له كذلك، فلما لم يرد عاد إلى ما كان عليه. الحديث الثالث و المائة: حديث عيسى بن مريم حسن أو موثق. إلا أن الظاهر أن فيه إرسالا. و رواه الصدوق: في أماليه، عن محمد بن موسى بن المتوكل عن عبد الله يَا عِيسَى أَنَا رَبُّكَ وَ رَبُّ آبَائِكَ اسْمِي وَاحِدٌ وَ أَنَا الْأَحَدُ الْمُتَفَرِّدُ بِخَلْقِ كُلِّ شَيْءٍ وَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ صُنْعِي وَ كُلٌّ إِلَيَّ رَاجِعُونَ يَا عِيسَى أَنْتَ الْمَسِيحُ بِأَمْرِي وَ أَنْتَ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي وَ أَنْتَ تُحْيِي الْمَوْتَى بِكَلَامِي فَكُنْ إِلَيَّ رَاغِباً وَ مِنِّي رَاهِباً وَ لَنْ تَجِدَ مِنِّي مَلْجَأً إِلَّا إِلَيَّ يَا عِيسَى أُوصِيكَ وَصِيَّةَ الْمُتَحَنِّنِ عَلَيْكَ بِالرَّحْمَةِ حَتَّى حَقَّتْ لَكَ مِنِّي الْوَلَايَةُ بِتَحَرِّيكَ مِنِّي الْمَسَرَّةَ فَبُورِكْتَ كَبِيراً وَ بُورِكْتَ صَغِيراً حَيْثُ مَا كُنْتَ أَشْهَدُ أَنَّكَ ابن جعفر الحميري عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن علي بن أسباط عن علي ابن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، فالخبر موثق على الأظهر، و هو يؤيد الإرسال هيهنا. قوله تعالى:" أنت المسيح بأمري" قال الجزري: قد تكرر فيه ذكر المسيح (عليه السلام) فسمي به، لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا بريء و قيل: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها، و قيل: المسيح. الصديق، و قيل: هو بالعبرانية مشيحا فعرب. قوله تعالى:" أوصيك وصية المتحنن" التحنن: الترحم و اللطف و الحاصل أني أوصيك و قد أحسنت إليك برحمتي و ربيتك في درجات الكمال بلطفي" حتى حقت" أي ثبتت و وجبت لك ولايتي و محبتي بسبب أنك تطلب مسرتي، و لا تفعل إلا ما هو موجب لرضاي، ففي قوله:" مني" التفات، و في الأمالي" حين حقت" قوله تعالى:" فبوركت كبيرا" البركة النمو و الزيادة أي زيد في علمك و قربك و كمالك في صغرك و كبرك، أو جعلتك ذا بركة في صغرك و كبرك، فإنه (عليه السلام)، كانت إحدى معجزاته البركة في يده و لسانه بإحياء الموتى و إبراء ذوي العاهات، و تكثير القليل من الطعام و الشراب. عَبْدِي ابْنُ أَمَتِي أَنْزِلْنِي مِنْ نَفْسِكَ كَهَمِّكَ وَ اجْعَلْ ذِكْرِي لِمَعَادِكَ وَ تَقَرَّبْ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ وَ تَوَكَّلْ عَلَيَّ أَكْفِكَ وَ لَا تَوَكَّلْ عَلَى غَيْرِي فَآخُذَ لَكَ يَا عِيسَى اصْبِرْ عَلَى الْبَلَاءِ وَ ارْضَ بِالْقَضَاءِ وَ كُنْ كَمَسَرَّتِي فِيكَ فَإِنَّ مَسَرَّتِي أَنْ أُطَاعَ فَلَا أُعْصَى يَا عِيسَى أَحْيِ ذِكْرِي بِلِسَانِكَ وَ لْيَكُنْ وُدِّي فِي قَلْبِكَ يَا عِيسَى تَيَقَّظْ فِي سَاعَاتِ الْغَفْلَةِ وَ احْكُمْ لِي لَطِيفَ الْحِكْمَةِ يَا عِيسَى كُنْ رَاغِباً رَاهِباً وَ أَمِتْ قَلْبَكَ بِالْخَشْيَةِ يَا عِيسَى رَاعِ اللَّيْلَ لِتَحَرِّي مَسَرَّتِي وَ أَظْمِئْ نَهَارَكَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ عِنْدِي يَا عِيسَى نَافِسْ فِي الْخَيْرِ جُهْدَكَ- تُعْرَفْ بِالْخَيْرِ حَيْثُمَا تَوَجَّهْتَ قوله تعالى:" أنزلني من نفسك كهمك" أي اجعلني قريبا منك أو اتخذني قريبا منك كقرب همك، و ما يخطر ببالك منك، أو اهتم بأوامري كما تهتم بأمور نفسك. قوله تعالى:" و اجعل ذكري لمعادك" أي اذكرني ليكون ذخيرة لمعادك. قوله تعالى:" و لا تول غيري" أي لا تتخذ غيري ولي أمرك، أو لا تجعل حبك لغيري فأخذلك، أي أترك نصرك. قوله تعالى:" و كن كمسرتي فيك" أي كن كما يسرني أن تكون عليه. قوله تعالى:" و أحكم لي لطيف الحكمة" أي أتقن لطائف الحكمة و بينها للخلق خالصا لوجهي، و في الأمالي" و أحكم لي بلطيف الحكمة" أي اقض و احكم بين الخلق بما علمتك من لطائف الحكمة. قوله تعالى:" و أمت قلبك" أي شهوات قلبك أو قلبك عن الشهوات. قوله تعالى:" نافس بالخير" قال الجزري: المنافسة: الرغبة في الشيء يَا عِيسَى احْكُمْ فِي عِبَادِي بِنُصْحِي وَ قُمْ فِيهِمْ بِعَدْلِي فَقَدْ أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ مِنْ مَرَضِ الشَّيْطَانِ يَا عِيسَى لَا تَكُنْ جَلِيساً لِكُلِّ مَفْتُونٍ يَا عِيسَى حَقّاً أَقُولُ مَا آمَنَتْ بِي خَلِيقَةٌ إِلَّا خَشَعَتْ لِي وَ لَا خَشَعَتْ لِي إِلَّا رَجَتْ ثَوَابِي فَأَشْهَدُ أَنَّهَا آمِنَةٌ مِنْ عِقَابِي مَا لَمْ تُبَدِّلْ أَوْ تُغَيِّرْ سُنَّتِي يَا عِيسَى ابْنَ الْبِكْرِ الْبَتُولِ ابْكِ عَلَى نَفْسِكَ بُكَاءَ مَنْ وَدَّعَ الْأَهْلَ وَ قَلَى الدُّنْيَا وَ تَرَكَهَا لِأَهْلِهَا وَ صَارَتْ رَغْبَتُهُ فِيمَا عِنْدَ إِلَهِهِ و الانفراد به و هو من الشيء النفيس الجيد في نوعه. و نافست في الشيء منافسة و نفاسا إذا رغبت فيه. قوله تعالى:" جهدك" أي بقدر وسعك و طاقتك لتكون معروفا بالخير حيث توجهت. قوله تعالى:" بنصحي" أي بما علمتك للحكم بينهم لنصحي لهم أو كما أني لك ناصح فكن أنت ناصحا لهم. قوله تعالى:" بعدلي" أي بالحكم العدل الذي جعلت لهم. قوله تعالى:" فقد أنزلته" أي العدل أو الكتاب المشتمل عليه. قوله تعالى:" لكل مفتون" أي بالدنيا و زخارفها. قوله تعالى:" البتول" قال الفيروزآبادي: البتول: المنقطعة عن الرجال و مريم العذراء و فاطمة بنت سيد المرسلين (عليهما السلام) لانقطاعها عن نساء زمانها و نساء الأمة فضلا و دينا و حسبا، و المنقطعة عن الدنيا إلى الله. قوله تعالى:" و قلى الدنيا" أي أبغضها. يَا عِيسَى كُنْ مَعَ ذَلِكَ تُلِينُ الْكَلَامَ وَ تُفْشِي السَّلَامَ يَقْظَانَ إِذَا نَامَتْ عُيُونُ الْأَبْرَارِ حَذَراً لِلْمَعَادِ وَ الزَّلَازِلِ الشِّدَادِ وَ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ أَهْلٌ وَ لَا وَلَدٌ وَ لَا مَالٌ يَا عِيسَى اكْحُلْ عَيْنَكَ بِمِيلِ الْحُزْنِ إِذَا ضَحِكَ الْبَطَّالُونَ يَا عِيسَى كُنْ خَاشِعاً صَابِراً فَطُوبَى لَكَ إِنْ نَالَكَ مَا وُعِدَ الصَّابِرُونَ يَا عِيسَى رُحْ مِنَ الدُّنْيَا يَوْماً فَيَوْماً وَ ذُقْ لِمَا قَدْ ذَهَبَ طَعْمُهُ فَحَقّاً أَقُولُ مَا أَنْتَ إِلَّا بِسَاعَتِكَ وَ يَوْمِكَ فَرُحْ مِنَ الدُّنْيَا بِبُلْغَةٍ وَ لْيَكْفِكَ الْخَشِنُ الْجَشِبُ فَقَدْ رَأَيْتَ إِلَى قوله تعالى:" كن مع ذلك" أي لا يكن زهدك سببا لنفرتك عن الخلق و سوء الخلق معهم، بل كن مع الزهد تلين الكلام مع كل أحد، و تفشي السلام إلى كل من تلقاه. قوله تعالى:" إذا نامت عيون الأبرار" فكيف الأشرار. قوله تعالى:" حذرا" بفتح الذال ليكون مفعولا لأجله، أو بكسر الذال أي كن حذرا. قوله تعالى:" بميل الحزن" في بعض النسخ بملمول بضم الميمين بمعناه. قوله تعالى:" رح من الدنيا يوما فيوما" أي اقطع كل يوم عنك شيئا من تعلقات الدنيا حتى لا يصعب عليك مفارقتها عند أجلك، فإن الموت الاختياري أسهل من الموت الاضطراري و أنفع. قوله تعالى:" و ذق لما قد ذهب طعمه" و في الأمالي" ما قد ذهب" أي لا تتبع اللذات و أقنع بالأشياء البشعة التي ذهب طعمه، و يحتمل أن يكون كناية عن الاعتبار بفناء الدنيا و عدم بقاء لذاتها لكنه بعيد. قوله تعالى:" ما أنت إلا بساعتك" أي لا تعلم وجودك و بقائك بعد تلك الساعة و هذا اليوم فاغتنمها. قوله تعالى:" فزح من الدنيا ببلغة" أي اترك و اكتف بالبلاغ و الكفاف مَا تَصِيرُ وَ مَكْتُوبٌ مَا أَخَذْتَ وَ كَيْفَ أَتْلَفْتَ يَا عِيسَى إِنَّكَ مَسْئُولٌ فَارْحَمِ الضَّعِيفَ كَرَحْمَتِي إِيَّاكَ وَ لَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ يَا عِيسَى ابْكِ عَلَى نَفْسِكَ فِي الْخَلَوَاتِ وَ انْقُلْ قَدَمَيْكَ إِلَى مَوَاقِيتِ الصَّلَوَاتِ وَ أَسْمِعْنِي لَذَاذَةَ نُطْقِكَ بِذِكْرِي فَإِنَّ صَنِيعِي إِلَيْكَ حَسَنٌ يَا عِيسَى كَمْ مِنْ أُمَّةٍ قَدْ أَهْلَكْتُهَا بِسَالِفِ ذُنُوبٍ قَدْ عَصَمْتُكَ مِنْهَا يَا عِيسَى ارْفُقْ بِالضَّعِيفِ وَ ارْفَعْ طَرْفَكَ الْكَلِيلَ إِلَى السَّمَاءِ وَ ادْعُنِي فَإِنِّي مِنْكَ أو كن بحيث إذا فارقت الدنيا لم تكن أخذت منها سوى البلغة، و يحتمل أن يكون المراد بالبلغة ما يبلغ الإنسان من زاد الآخرة إلى درجاتها الرفيعة. قوله (عليه السلام):" و ليكفك الخشن" أي من الثياب" الجشب" أي من الطعام أو من الثياب أيضا، قال الجوهري، طعام جشب و مجشوب: أي غليظ، و يقال: هو الذي لا إدام معه، و الجشيب من الثياب الغليظ. قوله تعالى:" فقد رأيت إلى ما يصير" بالياء أي الثوب و الطعام فإن مصير الأول إلى البلى، و الثاني إلى القذارة و الأذى، أو بالتاء أي بذلك تصير إلى البلاء. قوله تعالى:" كرحمتي إياك" الكاف للتشبيه في أصل الرحمة لا في كيفيتها و قدرها، أو للتعليل أي لرحمتي إياك. قوله تعالى:" إلى مواقيت الصلوات" أي مواضعها، و في الأمالي" مواضع الصلوات". قوله تعالى:" و أسمعني لذاذة نطقك" أي نطقك اللذيذ، أو التذاذك بذكري كما مر في حديث موسى. قوله تعالى:" و ارفع طرفك الكليل" قال الجزري: طرف كليل: إذا لم قَرِيبٌ وَ لَا تَدْعُنِي إِلَّا مُتَضَرِّعاً إِلَيَّ وَ هَمَّكَ هَمّاً وَاحِداً فَإِنَّكَ مَتَى تَدْعُنِي كَذَلِكَ أُجِبْكَ يَا عِيسَى إِنِّي لَمْ أَرْضَ بِالدُّنْيَا ثَوَاباً لِمَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَ لَا عِقَاباً لِمَنِ انْتَقَمْتُ مِنْهُ يَا عِيسَى إِنَّكَ تَفْنَى وَ أَنَا أَبْقَى وَ مِنِّي رِزْقُكَ وَ عِنْدِي مِيقَاتُ أَجَلِكَ وَ إِلَيَّ إِيَابُكَ وَ عَلَيَّ حِسَابُكَ فَسَلْنِي وَ لَا تَسْأَلْ غَيْرِي فَيَحْسُنَ مِنْكَ الدُّعَاءُ وَ مِنِّي الْإِجَابَةُ يَا عِيسَى مَا أَكْثَرَ الْبَشَرَ وَ أَقَلَّ عَدَدَ مَنْ صَبَرَ الْأَشْجَارُ كَثِيرَةٌ وَ طَيِّبُهَا قَلِيلٌ فَلَا يَغُرَّنَّكَ حُسْنُ شَجَرَةٍ حَتَّى تَذُوقَ ثَمَرَهَا يَا عِيسَى لَا يَغُرَّنَّكَ الْمُتَمَرِّدُ عَلَيَّ بِالْعِصْيَانِ يَأْكُلُ رِزْقِي وَ يَعْبُدُ غَيْرِي 0 ثُمَّ يَدْعُونِي عِنْدَ الْكَرْبِ فَأُجِيبُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ يَتَمَرَّدُ أَمْ بِسَخَطِي يَتَعَرَّضُ فَبِي حَلَفْتُ لآَخُذَنَّهُ أَخْذَةً لَيْسَ لَهُ مِنْهَا مَنْجًى وَ لَا دُونِي مَلْجَأٌ أَيْنَ يَهْرُبُ مِنْ سَمَائِي وَ أَرْضِي يَا عِيسَى قُلْ لِظَلَمَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَدْعُونِي وَ السُّحْتُ تَحْتَ أَحْضَانِكُمْ- وَ الْأَصْنَامُ يحقق المنظور به. أي لا تحدق النظر إلى السماء حياء، بل انظر بتخشع، و يحتمل أن يكون وصف الطرف بالكلال لبيان عجز قوي المخلوقين. قوله تعالى:" و همك هما واحدا" أي اجعل همك هما واحدا، و لا تجعل همك إلا هما واحدا، و في الأمالي" هم واحد" و هو أظهر. قوله تعالى:" و إلى إيابك" بكسر الهمزة أي رجوعك. قوله تعالى:" حتى تذوق ثمرها" أي لا تغتر بحسن ظواهر الخلق حتى تختبرهم، و تظهر لك مكنونات أديانهم و نياتهم و أخلاقهم. قوله تعالى:" و السحت تحت أحضانكم" و في بعض النسخ أقدامكم، و الحضن ما دون الإبط إلى الكشح، و هو كناية عن ضبط الحرام و حفظه و عدم رده إلى أهله. فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنِّي آلَيْتُ أَنْ أُجِيبَ مَنْ دَعَانِي وَ أَنْ أَجْعَلَ إِجَابَتِي إِيَّاهُمْ لَعْناً عَلَيْهِمْ حَتَّى يَتَفَرَّقُوا- يَا عِيسَى كَمْ أُطِيلُ النَّظَرَ وَ أُحْسِنُ الطَّلَبَ وَ الْقَوْمُ فِي غَفْلَةٍ لَا يَرْجِعُونَ تَخْرُجُ الْكَلِمَةُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ لَا تَعِيهَا قُلُوبُهُمْ يَتَعَرَّضُونَ لِمَقْتِي وَ يَتَحَبَّبُونَ بِقُرْبِي إِلَى الْمُؤْمِنِينَ يَا عِيسَى لِيَكُنْ لِسَانُكَ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ وَاحِداً وَ كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ قَلْبُكَ وَ بَصَرُكَ وَ اطْوِ قَلْبَكَ وَ لِسَانَكَ عَنِ الْمَحَارِمِ وَ كُفَّ بَصَرَكَ عَمَّا لَا خَيْرَ فِيهِ فَكَمْ مِنْ نَاظِرٍ نَظْرَةً قوله تعالى:" و الأصنام في بيوتكم" لعل المراد بالأصنام، الدنانير و الدراهم و الذخائر التي أحرزوها في بيوتهم و لا يؤدون حق الله منها و يتركون طاعة الله فيما أمر فيها، فكأنهم عبدوها، كما ورد في الخبر" ملعون من عبد الدينار و الدرهم". قوله تعالى:" و أجعل إجابتي إياهم لعنا عليهم" أي إجابتي للظالمين فيما يطلبون من أمر دنياهم موجبة لبعدهم عن رحمتي، و استدراج مني لهم، و هو موجب لمزيد طغيانهم. قوله تعالى:" حتى يتفرقوا" أي عن الدعاء أو بالموت. قوله تعالى:" كم أطيل" و في الأمالي" كم أجمل". قوله تعالى:" لا تعيها" أي لا تحفظها و ترعاها بالعمل بها. قوله تعالى:" يتحببون بي" أي بإظهار محبتي و عبادتي يطلبون محبة المؤمنين لهم، و في بعض النسخ [يتحببون بقربي]. قوله تعالى:" و كذلك فليكن قلبك و بصرك" أي لا تظهر من قلبك و نظرك عند الناس خلاف ما في قلبك و ما تفعله في خلواتك، قوله تعالى:" و كف بصرك" و في الأمالي" و غض طرفك" بسكون الراء. قَدْ زَرَعَتْ فِي قَلْبِهِ شَهْوَةً وَ وَرَدَتْ بِهِ مَوَارِدَ حِيَاضِ الْهَلَكَةِ يَا عِيسَى كُنْ رَحِيماً مُتَرَحِّماً وَ كُنْ كَمَا تَشَاءُ أَنْ يَكُونَ الْعِبَادُ لَكَ وَ أَكْثِرْ ذِكْرَكَ الْمَوْتَ وَ مُفَارَقَةَ الْأَهْلِينَ وَ لَا تَلْهُ فَإِنَّ اللَّهْوَ يُفْسِدُ صَاحِبَهُ وَ لَا تَغْفُلْ فَإِنَّ الْغَافِلَ مِنِّي بَعِيدٌ وَ اذْكُرْنِي بِالصَّالِحَاتِ حَتَّى أَذْكُرَكَ يَا عِيسَى تُبْ إِلَيَّ بَعْدَ الذَّنْبِ وَ ذَكِّرْ بِيَ الْأَوَّابِينَ وَ آمِنْ بِي وَ تَقَرَّبْ بِي إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ مُرْهُمْ يَدْعُونِي مَعَكَ وَ إِيَّاكَ وَ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنِّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ أَفْتَحَ لَهَا بَاباً مِنَ السَّمَاءِ بِالْقَبُولِ وَ أَنْ أُجِيبَهُ وَ لَوْ بَعْدَ حِينٍ يَا عِيسَى اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ السَّوْءِ يُعْدِي وَ قَرِينَ السَّوْءِ يُرْدِي وَ اعْلَمْ مَنْ تُقَارِنُ قوله تعالى:" موارد حياض الهلكة" الإضافة إما بيانية إلى الموارد التي هي حياض الهلاك، أو لامية بأن يكون المراد بالموارد أطراف تلك الحياض و في الأمالي" موارد الهلكة". قوله تعالى:" كن رحيما مترحما" الرحم رقة القلب و الترحم إعمالها و إظهارها، و في الأمالي" و كن للعباد كما تشاء". قوله تعالى:" و لا تله" أي لا ترتكب ما يلهى و يوجب الغفلة عن الله تعالى. قوله تعالى:" و اذكرني بالصالحات" أي بالأعمال الصالحة فإنها مسببة عن ذكره تعالى، و ذكره تعالى إثابته أو ذكره في الملإ الأعلى بخير. قوله تعالى:" و ذكر بي الأوابين" الأوبة: الرجوع أي الذين يرجعون إلى الله بالتوبة و الأعمال الصالحة. قوله تعالى:" إن صاحب السوء يعدى" من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، و السوء بالفتح، و قيل يجوز الضم أي المصاحب الشرير السيء الخلق يعدى أي تؤثر أخلاقه فيمن صحبه، يقال أعداه الداء يعديه إعداء، و هو أن يصيبه مثل ما يصاحب الداء. قوله تعالى:" و قرين السوء يردي" أي يهلك من يقارنه. وَ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ إِخْوَاناً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَا عِيسَى تُبْ إِلَيَّ فَإِنِّي لَا يَتَعَاظَمُنِي ذَنْبٌ أَنْ أَغْفِرَهُ وَ أَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ اعْمَلْ لِنَفْسِكَ فِي مُهْلَةٍ مِنْ أَجَلِكَ قَبْلَ أَنْ لَا يَعْمَلَ لَهَا غَيْرُكَ وَ اعْبُدْنِي لِيَوْمٍ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّٰا تَعُدُّونَ فِيهِ أَجْزِي بِالْحَسَنَةِ أَضْعَافَهَا وَ إِنَّ السَّيِّئَةَ تُوبِقُ صَاحِبَهَا فَامْهَدْ لِنَفْسِكَ فِي مُهْلَةٍ وَ نَافِسْ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ فَكَمْ مِنْ مَجْلِسٍ قَدْ نَهَضَ أَهْلُهُ وَ هُمْ مُجَارُونَ مِنَ النَّارِ يَا عِيسَى ازْهَدْ فِي الْفَانِي الْمُنْقَطِعِ وَ طَأْ رُسُومَ مَنَازِلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ فَادْعُهُمْ وَ نَاجِهِمْ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ وَ خُذْ مَوْعِظَتَكَ مِنْهُمْ وَ اعْلَمْ أَنَّكَ سَتَلْحَقُهُمْ فِي اللَّاحِقِينَ يَا عِيسَى قُلْ لِمَنْ تَمَرَّدَ عَلَيَّ بِالْعِصْيَانِ وَ عَمِلَ بِالْإِدْهَانِ لِيَتَوَقَّعْ عُقُوبَتِي وَ يَنْتَظِرُ إِهْلَاكِي إِيَّاهُ سَيُصْطَلَمُ مَعَ الْهَالِكِينَ طُوبَى لَكَ يَا ابْنَ مَرْيَمَ ثُمَّ طُوبَى لَكَ إِنْ أَخَذْتَ قوله تعالى:" في مهلة من أجلك" أي في زمان عمرك الذي أمهل و أخر فيه أجلك، و قد يطلق الأجل على العمر، فكلمة من بيانية، قبل أن لا تقدر على العمل بعد الوفاة، و في الأمالي" قبل أن لا يعمل لها غيرك". قوله تعالى:" و هم مجارون" قال الجوهري: أجاره الله من العذاب أنقذه. قوله تعالى:" و طأ رسوم" أي امش على آثار منازل من كان قبلك" و ادعهم هل تحس منهم من أحد" أي هل تشعر بأحد منهم و تراه أو تسمع صوتهم، كما قال تعالى:" وَ كَمْ أَهْلَكْنٰا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً" و الركز: الصوت الخفي. قوله تعالى:" و عمل بالإدهان" قال الفيروزآبادي: المداهنة خلاف ما تغمر كالأدهان، و لعل المراد هنا المداهنة في الدين، و ترك النهي عن المنكر. قوله تعالى:" سيصطلم" قال الجوهري: الاصطلام الاستئصال. بِأَدَبِ إِلَهِكَ الَّذِي يَتَحَنَّنُ عَلَيْكَ تَرَحُّماً وَ بَدَأَكَ بِالنِّعَمِ مِنْهُ تَكَرُّماً وَ كَانَ لَكَ فِي الشَّدَائِدِ لَا تَعْصِهِ يَا عِيسَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ عِصْيَانُهُ قَدْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ كَمَا عَهِدْتُ إِلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَ أَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ يَا عِيسَى مَا أَكْرَمْتُ خَلِيقَةً بِمِثْلِ دِينِي وَ لَا أَنْعَمْتُ عَلَيْهَا بِمِثْلِ رَحْمَتِي- يَا عِيسَى اغْسِلْ بِالْمَاءِ مِنْكَ مَا ظَهَرَ وَ دَاوِ بِالْحَسَنَاتِ مِنْكَ مَا بَطَنَ فَإِنَّكَ إِلَيَّ رَاجِعٌ يَا عِيسَى أَعْطَيْتُكَ مَا أَنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكَ فَيْضاً مِنْ غَيْرِ تَكْدِيرٍ وَ طَلَبْتُ مِنْكَ قَرْضاً لِنَفْسِكَ فَبَخِلْتَ بِهِ عَلَيْهَا لِتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ يَا عِيسَى تَزَيَّنْ بِالدِّينِ وَ حُبِّ الْمَسَاكِينِ وَ امْشِ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ صَلِّ عَلَى قوله تعالى:" إن أخذت بأدب إلهك" أي بالآداب التي أمرك بها إلهك أو تتخلق بأخلاق ربك، و قال الجوهري: تحنن عليه: ترحم. قوله تعالى:" ما أكرمت خليقة بمثل ديني" أي بشيء مثل ديني، و ضمير عليها راجع إلى الخليفة، و الظاهر أن المراد بالرحمة الجنة، و يحتمل المغفرة. قوله تعالى:" فيضا" أي كثيرا واسعا، و فيه استعارة مكنية" و التكدير" ترشيح إذ الفيض يطلق على كثرة الماء و سيلانه، و الظاهر أن الغرض بهذا الخطاب أمة عيسى (عليه السلام) كما ورد في القرآن آيات كثيرة المخاطب بها الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و المراد بها أمته كقوله تعالى" لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ" و أضرابها. قوله تعالى:" تزين بالدين" أي بآثاره و أعماله و أخلاقه فإنها زينة المتقين و من أحسن زينتهم حب المساكين و المعاشرة معهم. قوله تعالى:" هَوْناً" قال الجوهري: الهون: السكينة و الوقار، و فلان الْبِقَاعِ فَكُلُّهَا طَاهِرٌ يَا عِيسَى شَمِّرْ فَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ وَ اقْرَأْ كِتَابِي وَ أَنْتَ طَاهِرٌ وَ أَسْمِعْنِي مِنْكَ صَوْتاً حَزِيناً يَا عِيسَى لَا خَيْرَ فِي لَذَاذَةٍ لَا تَدُومُ وَ عَيْشٍ مِنْ صَاحِبِهِ يَزُولُ يَا ابْنَ مَرْيَمَ لَوْ رَأَتْ عَيْنُكَ مَا أَعْدَدْتُ لِأَوْلِيَائِيَ الصَّالِحِينَ ذَابَ قَلْبُكَ وَ زَهَقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهِ فَلَيْسَ كَدَارِ الْآخِرَةِ دَارٌ تَجَاوَرَ فِيهَا الطَّيِّبُونَ وَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَ هُمْ مِمَّا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَهْوَالِهَا آمِنُونَ دَارٌ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهَا النَّعِيمُ وَ لَا يَزُولُ عَنْ أَهْلِهَا يَا ابْنَ مَرْيَمَ نَافِسْ فِيهَا مَعَ الْمُتَنَافِسِينَ فَإِنَّهَا أُمْنِيَّةُ الْمُتَمَنِّينَ حَسَنَةُ الْمَنْظَرِ طُوبَى لَكَ يَا ابْنَ مَرْيَمَ إِنْ كُنْتَ لَهَا مِنَ الْعَامِلِينَ مَعَ آبَائِكَ آدَمَ وَ إِبْرَاهِيمَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَعِيمٍ لَا تَبْغِي بِهَا بَدَلًا وَ لَا تَحْوِيلًا كَذَلِكَ أَفْعَلُ بِالْمُتَّقِينَ يَا عِيسَى اهْرُبْ إِلَيَّ مَعَ مَنْ يَهْرُبُ مِنْ نَارٍ ذَاتِ لَهَبٍ وَ نَارٍ ذَاتِ أَغْلَالٍ وَ أَنْكَالٍ يمشي على الأرض هونا. قوله تعالى:" و صل على البقاع" هذا خلاف ما هو المشهور من أن جواز الصلاة في كل البقاع من خصائص نبينا (صلى الله عليه و آله و سلم)، بل كان يلزمهم الصلاة في بيعهم و كنا يسهم، فيمكن أن يكون هذا الحكم فيهم مختصا بالفرائض أو بغيره (عليه السلام) من أمته. قوله تعالى:" شمر فكل ما هو آت قريب" قال الفيروزآبادي: شمر و شمر و انشمر و تشمر مر جادا أو مختالا، و تشمر للأمر، تهيأ انتهى أي جد و اجتهد في العبادة، فإن الموت آت لا محالة، و كل ما هو آت قريب. قوله تعالى:" و زهقت نفسك" أي هلكت و اضمحلت، قوله تعالى:" مع آبائك" أي تكون أو طوبى لك مع آبائك. قوله تعالى:" و أنكال" قال الفيروزآبادي: النكل بالكسر القيد الشديد لَا يَدْخُلُهَا رَوْحٌ وَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا غَمٌّ أَبَداً قِطَعٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ مَنْ يَنْجُ مِنْهَا يَفُزْ وَ لَنْ يَنْجُوَ مِنْهَا مَنْ كَانَ مِنَ الْهَالِكِينَ هِيَ دَارُ الْجَبَّارِينَ وَ الْعُتَاةِ الظَّالِمِينَ وَ كُلِّ فَظٍّ غَلِيظٍ وَ كُلِّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ يَا عِيسَى بِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ رَكِنَ إِلَيْهَا وَ بِئْسَ الْقَرَارُ دَارُ الظَّالِمِينَ إِنِّي أُحَذِّرُكَ نَفْسَكَ فَكُنْ بِي خَبِيراً يَا عِيسَى كُنْ حَيْثُ مَا كُنْتَ مُرَاقِباً لِي وَ اشْهَدْ عَلَى أَنِّي خَلَقْتُكَ وَ أَنْتَ عَبْدِي وَ أَنِّي صَوَّرْتُكَ وَ إِلَى الْأَرْضِ أَهْبَطْتُكَ يَا عِيسَى لَا يَصْلُحُ لِسَانَانِ فِي فَمٍ وَاحِدٍ وَ لَا قَلْبَانِ فِي صَدْرٍ وَاحِدٍ وَ كَذَلِكَ الْأَذْهَانُ و الجمع أنكال أو قيد من نار. قوله تعالى:" قطع كقطع الليل المظلم" أي ليس لنارها نور. قوله تعالى:" و العتاة" قال الفيروزآبادي: عتا عتوا: استكبر و جاوز الحد فهو عات، و قال: الفظ: الغليظ الجانب. السيء الخلق، الخشن الكلام، و قال: رجل مختال: متكبر. قوله تعالى:" بئست الدار" أي النار" لمن ركن" أي مال إليها بارتكاب الفسوق. قوله تعالى:" فكن بي" أي بمعونتي خبيرا بعيوب نفسك، أو كن عالما بي و برحمتي و نعمتي، و عقوبتي حتى لا تغلبك نفسك و لا تخدعك. قوله تعالى:" من إقبالي" أي تنتظر فضلي و إحساني، و تخاف عقوبتي و تعلم أني مطلع على سرائر أمرك. قوله تعالى:" لا يصلح لسانان في فم واحد" أي بأن تقول في حضور القوم كلاما، و في غيبتهم كلاما آخر، أو تمزج القول الحق بالباطل، و الطاعة من يَا عِيسَى لَا تَسْتَيْقِظَنَّ عَاصِياً وَ لَا تَسْتَنْبِهَنَّ لَاهِياً وَ افْطِمْ نَفْسَكَ عَنِ الشَّهَوَاتِ القول بالمعصية. قوله تعالى:" و لا قلبان" في صدور واحد أي لا تجتمع محبة الله و محبة غيره من المال و الجاه، و زخارف الدنيا و شهواتها في قلب واحد، فلا يتصور الجمع بينهما إلا بأن يكون لك قلبان و هو محال كما قال تعالى:" مٰا جَعَلَ اللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ". قوله تعالى:" و كذلك الأذهان" أي لا يجتمع شيئان متضادان في ذهن واحد، كالتوجه إلى الدنيا، و التوجه إلى الله، و التوكل عليه و التوكل على الخلق و نحو ذلك، و يحتمل أن يكون ذكر اللسان و القلب تمهيدا لبيان الأخير، أي كما لا يمكن أن يكون في فم لسانان، و في صدر قلبان، فكذا لا يجوز أن يكون في ذهن واحد، خيالان متضادان يصيران منشأين لأمور مختلفة متباينة. قوله تعالى:" لا تستيقظن عاصيا" أي لا تتوجه إلى تيقظ الغير، و الحال أنك عاص، بل ابدأ بإصلاح نفسك قبل إصلاح غيرك، و كذا الفقرة الثانية، هذا إذا ورد الفعلان متعديين، لكن أكثر اللغويين ذكروا البناء الأول لازما، و لم يذكروا البناء الثاني فيحتمل أن يكون المراد لا تستيقظ استيقاظا لا يردعك عن المعاصي، و لا استنباها مخلوطا باللهو و الغفلة، أو لا يكن استيقاظك و تنبهك عند الموت بعد العصيان و اللهو، و يحتمل أن يكون الأول لازما و الثاني متعديا، فيكون المعنى أتم و أكمل فتأمل. قوله تعالى:" و افطم" أي اقطع" نفسك عن الشهوات الموبقات" أي المهلكات. الْمُوبِقَاتِ وَ كُلُّ شَهْوَةٍ تُبَاعِدُكَ مِنِّي فَاهْجُرْهَا وَ اعْلَمْ أَنَّكَ مِنِّي بِمَكَانِ الرَّسُولِ الْأَمِينِ فَكُنْ مِنِّي عَلَى حَذَرٍ وَ اعْلَمْ أَنَّ دُنْيَاكَ مُؤَدِّيَتُكَ إِلَيَّ وَ أَنِّي آخُذُكَ بِعِلْمِي فَكُنْ ذَلِيلَ النَّفْسِ عِنْدَ ذِكْرِي خَاشِعَ الْقَلْبِ حِينَ تَذْكُرُنِي يَقْظَانَ عِنْدَ نَوْمِ الْغَافِلِينَ يَا عِيسَى هَذِهِ نَصِيحَتِي إِيَّاكَ وَ مَوْعِظَتِي لَكَ فَخُذْهَا مِنِّي وَ إِنِّي رَبُّ الْعَالَمِينَ يَا عِيسَى إِذَا صَبَرَ عَبْدِي فِي جَنْبِي كَانَ ثَوَابُ عَمَلِهِ عَلَيَّ وَ كُنْتُ عِنْدَهُ حِينَ يَدْعُونِي وَ كَفَى بِي مُنْتَقِماً مِمَّنْ عَصَانِي أَيْنَ يَهْرُبُ مِنِّي الظَّالِمُونَ يَا عِيسَى أَطِبِ الْكَلَامَ وَ كُنْ حَيْثُمَا كُنْتَ عَالِماً مُتَعَلِّماً يَا عِيسَى أَفِضْ بِالْحَسَنَاتِ إِلَيَّ حَتَّى يَكُونَ لَكَ ذِكْرُهَا عِنْدِي وَ تَمَسَّكْ بِوَصِيَّتِي قوله تعالى:" مؤديتك إلى" أي تردك الدنيا إلى بالموت و أعاقبك بما عملت من معاصيك. قوله تعالى:" في جنبي" أي في قربي أو طاعتي، قال الشيخ الطبرسي في قوله تعالى:" يٰا حَسْرَتىٰ عَلىٰ مٰا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّٰهِ": الجنب القرب، أي يا حسرتا على ما فرطت في قرب الله و جواره، و فلان يعيش في جنب فلان أي في قربه و جواره و منه. قوله تعالى:" الصّٰاحِبِ بِالْجَنْبِ" و قال البيضاوي: أي في جانبه، أي في حقه و هو طاعته، قال سابق البريري: أما تتقين الله في جنب وامق له كبد حري عليك تقطع و قيل في ذاته على تقدير مضاف كالطاعة، و قيل: في قربه من قوله تعالى: " وَ الصّٰاحِبِ بِالْجَنْبِ". قوله تعالى:" و أفض" من الإفضاء بمعنى الإيصال، أو من الإفاضة بمعنى فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً لِلْقُلُوبِ يَا عِيسَى لَا تَأْمَنْ إِذَا مَكَرْتَ مَكْرِي وَ لَا تَنْسَ عِنْدَ خَلَوَاتِ الدُّنْيَا ذِكْرِي يَا عِيسَى حَاسِبْ نَفْسَكَ بِالرُّجُوعِ إِلَيَّ حَتَّى تَتَنَجَّزَ ثَوَابَ مَا عَمِلَهُ الْعَامِلُونَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ وَ أَنَا خَيْرُ الْمُؤْتِينَ يَا عِيسَى كُنْتَ خَلْقاً بِكَلَامِي وَلَدَتْكَ مَرْيَمُ بِأَمْرِيَ الْمُرْسَلُ إِلَيْهَا رُوحِي جَبْرَئِيلُ الْأَمِينُ مِنْ مَلَائِكَتِي حَتَّى قُمْتَ عَلَى الْأَرْضِ …
الكافي — كتاب الروضة · كتاب الروضة