عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَيْرَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَ مَا كَانَ لِيَخْلُقَ الشَّرَّ قَبْلَ الْخَيْرِ وَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ وَ الْإِثْنَيْنِ خَلَقَ الْأَرَضِينَ وَ خَلَقَ أَقْوَاتَهَا فِي يَوْمِ الثَّلَاثَاءِ وَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ خَلَقَ أَقْوَاتَهَا قلوبهم" وَ مٰا يُعْلِنُونَ" بأفواههم يستوي في علمه سرهم و علنهم، فكيف يخفى عليه ما عسى يظهرونه. الحديث السادس عشر و المائة: مجهول. قوله (عليه السلام):" و خلق الطاعة" أي قدرها قبل المعصية و تقديرها، و كذا في الفقرتين بعدها، و الخلق بمعنى التقدير شائع، و لعل المراد بخلق الشر خلق ما يترتب عليه شر، و إن كان إيجاده خيرا و صلاحا. الحديث السابع عشر و المائة: صحيح. قوله (عليه السلام):" و ما كان ليخلق الشر قبل الخير" الغرض أن ابتداء خلق الجميع يوم الأحد: إذ خيريته تعالى تقتضي أن لا يقدم خلق الشر على خلق الخير، و ابتداء خلق الخير كان يوم الأحد، فلم يخلق قبله شيء. أقول: في هذا الخبر فوائد الأولى: تفصيل ما ذكره تعالى مجملا في عدة مواضع من خلق السماوات و الأرض في ستة أيام. و روى العامة أيضا عن مجاهد أن الله ابتدأ بخلق الأرض و السماوات يوم يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ- خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ الأحد و الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس و الجمعة، فاجتمع له الخلق، و تم يوم الجمعة، فلذلك سمي جمعة، و لا شك في أنه تعالى كان قادرا على خلقها لحظة و إنما خلقها هكذا تدريجا لمصالح كثيرة لا نعلمها على حقيقتها. و قيل: لأن ترتيب الحوادث على إنشاء شيء بعد شيء يدل على كون فاعله عالما مدبرا يصرفه على اختياره: و يجريه على مشيته. و يؤيده ما رواه الصدوق في العيون و العلل بإسناده عن أبي الصلت الهروي عن الرضا (عليه السلام) أنه قال:" ثم خلق السماوات و الأرض في ستة أيام، و هو مستول على عرشه و كان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين، و لكنه عز و جل خلقها في ستة أيام، ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شيء فتستدل بحدوث ما يحدث، على الله تعالى ذكره" و قيل: إنه سبحانه علم خلقه الثبت و الرفق في الأمور، روي ذلك عن سعيد بن جبير. الثانية إن الزمان ليس بمقدار حركه الفلك كما زعمت الفلاسفة و إلا فلا معنى للتقدير بالأيام قبل وجود الفلك، و القول بأنه يحتمل أن يكون تقديره بحركة العرش أو الكرسي مثلا- و يكون خلق السماوات السبع و الأرضين في ستة أيام" يخالف أصولهم بوجوه شتى. منها لزوم الخلاء، و يخالف هذا الخبر و غيره من الأخبار الدالة على أول الموجودات كما مر، مع أن الظاهر من الأخبار و الآيات كون السماوات الدائرات سبعة، و العرش و الكرسي مربعان ثابتان غير متحركان. الثالثة: أنهم اختلفوا في أنه تعالى أي شيء أراد باليوم مع أن اليوم المصطلح لا يتحقق إلا بطلوع الشمس و غروبها، و لم تكن في ابتداء الخلق شمس و لا قمر، فقيل: المراد في ستة أوقات، كذا ذكره علي بن إبراهيم في تفسيره حيث قال في تفسير قوله تعالى:" فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ" أي في ستة أوقات، و قال في قوله تعالى:" فِي يَوْمَيْنِ" أي في وقتين، ابتداء الخلق و انقضاؤه، و قيل: المراد في مقدار ستة أيام، و هذا الوجه أنسب بلفظ الآية و أوفق بهذا الخبر، كما لا يخفى. الرابعة: فيه تفسير قوله تعالى:" قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ" أي في وقتين ابتداء الخلق و انقضاؤه، فعلى تفسيره (عليه السلام) أن مقدار يومين وافق بعد خلق الشمس و القمر. و تسمية الأيام يوم الأحد و الاثنين. قال البيضاوي: أي في مقدار يومين أو بنوبتين، و خلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون، و لعل المراد بالأرض ما في جهة السفل من الأجرام البسيطة و من خلقها في يومين أنه خلق لها أصلا مشتركا ثم خلق لها صورا بها صارت أنواعا، و كفرهم به إلحادهم في ذاته و صفاته" وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدٰاداً" و لا يصح أن يكون له ند [ذلك] الذي خلق الأرض في يومين" رب العالمين" خالق جميع ما يوجد من الممكنات، و مربيها" وَ جَعَلَ فِيهٰا رَوٰاسِيَ" استئناف غير معطوف على خلق للفصل بما هو خارج عن الصلة" مِنْ فَوْقِهٰا" مرتفعة عليها، ليظهر للنظار ما فيها من وجوه الاستبصار، و تكون منافعها معرضة للطلاب" وَ بٰارَكَ فِيهٰا" و أكثر خيرها بأن خلق فيها أنواع النباتات و الحيوانات" وَ قَدَّرَ فِيهٰا أَقْوٰاتَهٰا" أقوات أهلها بأن عين لكل نوع ما يصلحه و يعيش به، أو أقواتا تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من أقطارها، و قرئ" و قسم فيها أقواتها في أربعة أيام" في تتمة أربعة أيام كقولك سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام و إلى الكوفة في خمسة عشر يوما، و لعلة قال ذلك، و لم يقل في يومين للإشعار باتصالهما باليومين الأولين و التصريح على الفذلكة. أقول: الأظهر من هذا الخبر أن المراد بتقدير الأقوات خلق النباتات و الثمار و الحبوب التي هي أقوات الحيوانات، و يحتمل أن يكون الخلق في الخبر بمعنى التقدير أي جعلها مهيأة لأن ينبت منها أرزاق العباد" سَوٰاءً" أي استوت سواء بمعنى استواء، و الجملة صفة أيام و تدل عليه قراءة يعقوب بالجر و قيل: حال من الضمير في أقواتها أو فيها، و قرئ بالرفع على هي سواء" لِلسّٰائِلِينَ" متعلق بمحذوف تقديره هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض، و ما فيها أو بقدر، أي قدر فيها الأقوات للطالبين لها" ثُمَّ اسْتَوىٰ إِلَى السَّمٰاءِ" قصد نحوها من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجها لا يلوي على غيره، و الظاهر أن ثم لتفاوت ما بين الخلقين، لا للتراخي في المدة لقوله" وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا" و دحوها متقدم على خلق الجبال من فوقها" وَ هِيَ دُخٰانٌ" أمر ظلماني، و لعله أراد به مادتها و الأجزاء المصغرة التي ركبت منها" فَقٰالَ لَهٰا وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيٰا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ فَقَضٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ" فخلقهن خلقا إبداعيا و أتقن أمرهن، و الضمير للسماء على المعنى أو مبهم، و سبع سماوات حال على الأول و تميز على الثاني" فِي يَوْمَيْنِ" قيل: خلق السماوات يوم الخميس و الشمس و القمر و النجوم يوم الجمعة هذا بعض كلام البيضاوي في تفسير هذه الآية أوردناه ليتضح به معنى الخبر و قد سبق منا بعض الكلام فيها و بقي هيهنا إشكال و هو أن مدلول الخبر ينافي ظاهر الآية من جهتين. الأولى: إن ظاهر الآية أن خلق أقوات الأرض و تقديرها كان في يومين، و الخبر يدل على أنه خلق أقوات الأرض في يوم و أقوات السماء في يوم. و الثانية: إن ظاهر الآية تقدم يومئ خلق الأقوات على يومي خلق السماوات و الخبر يدل على تأخر أحد يومي خلق الأقوات عنهما، و يمكن أن يجاب عن الأولى بأن المراد بخلق أقوات السماء خلق أسباب أقوات أهل الأرض الكائنة في السماء من المطر و الثلج و الألواح التي يقدر فيها الأقوات، و الملائكة الموكلين بها و يؤيده أن ليس لأهل السماء قوت و طعام و شراب، ففي يوم واحد قدر الأسباب الأرضية لأقوات أهل الأرض و في يوم آخر قدر الأسباب السماوية لها، و في الآية نسبهما إلى الأرض لكونهما لأهلها و في الخبر فصل ذلك لبيان اختلاف موضع التقديرين، و على الثانية بنحو مما ذكره البيضاوي، بأن لا تكون لفظة" ثم" للترتيب و التراخي في المدة. و من غرائب ما سنح لي أني لما كتبت شرح هذا الخبر اضطجعت فرأيت فيما يرى النائم أني أتفكر في هذه الآية فخطر ببالي في تلك الحالة أنه يحتمل أن يكون المراد بأربعة أيام تمامها لا تتمتها، و يكون خلق السماوات أيضا من جملة تقدير أرزاق أهل الأرض فإنها من جملة الأسباب و محال بعض الأسباب كالملائكة العاملة و الألواح المنقوشة. و الشمس و القمر و النجوم المؤثرة بكيفياتها كالحرارة و البرودة في الثمار و النباتات، و يكون لفظة" ثم" في قوله تعالى" ثُمَّ اسْتَوىٰ" للترتيب في الأخبار لتفصيل ذلك الإجمال، بأن يومين من تلك الأربعة كانا مصروفين في خلق السماوات، و الآخرين في خلق سائر الأسباب، و لو لا أنه سنح لي في هذه الحال لم أجسر على إثبات هذا الاحتمال و إن لم يقصر عما ذكره المفسرون و به يندفع الإشكال و الله تعالى يعلم حقائق كلامه و حججه (عليهم السلام). [في مدح زرارة بن أعين و أصحابه]
الكافي — كتاب الروضة · كتاب الروضة