وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مَا خَلَقَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ خَلْقاً إِلَّا وَ قَدْ أَمَّرَ عَلَيْهِ آخَرَ يَغْلِبُهُ فِيهِ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْبِحَارَ السُّفْلَى فَخَرَتْ وَ زَخَرَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْأَرْضَ فَسَطَحَهَا عَلَى ظَهْرِهَا فَذَلَّتْ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْأَرْضَ فَخَرَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَأَثْبَتَهَا عَلَى ظَهْرِهَا أَوْتَاداً مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِمَا عَلَيْهَا فَذَلَّتِ الْأَرْضُ وَ اسْتَقَرَّتْ ثُمَّ إِنَّ الْجِبَالَ فَخَرَتْ عَلَى الْأَرْضِ فَشَمَخَتْ وَ اسْتَطَالَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْحَدِيدَ فَقَطَعَهَا فَقَرَّتِ الْجِبَالُ قوله (عليه السلام):" تحتقر الكلام" لعل السائل لم يعرف قدر نعمة الكلام، و ما إفاضة (عليه السلام) عليه من الحكم و المعارف فنبهه (عليه السلام) بفضيلة الكلام و رفعة شأنه، و أن عمدة معجزات الأنبياء بيان المعارف الإلهية و العلوم الدينية، و به يعرف الله تعالى و يستدل عليه. الحديث التاسع و العشرون و المائة: ضعيف. قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):" فخرت و زخرت" قال الفيروزآبادي: زخر البحر كمنع زخرا و زخورا و تزخر: طمى و تملأ، و الوادي مد جدا و ارتفع، و النبات طال، و الرجل بما عنده فخر. أقول: يحتمل أن تكون هذه الجمل جرت على سبيل الاستعارة التمثيلية لبيان أن ما سوى الحق تعالى مغلوب مقهور عن غيره، و الله تعالى هو الغالب القاهر لجميع من سواه. قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):" أوتادا من أن تميد بما عليها" إشارة إلى ما ذكره الله تعالى وَ ذَلَّتْ ثُمَّ إِنَّ الْحَدِيدَ فَخَرَتْ عَلَى الْجِبَالِ وَ قَالَ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ النَّارَ في مواضع من القرآن الكريم منها قوله تعالى:" وَ أَلْقىٰ فِي الْأَرْضِ رَوٰاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ" قال المبرد: أي منع الأرض أن تميد، و قيل: أي كراهة أن تميد، و منها قوله تعالى" وَ الْجِبٰالَ أَوْتٰاداً" و قال بعض المفسرين: الميد الاضطراب في الجهات الثلاث، و قيل: إن الأرض كانت تميد و ترجف رجوف السقف بالوطء، فثقلها الله بالجبال الرواسي، ليمنع من رجوفها، و رووا عن ابن عباس أنه قال: إن الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ بأهلها كما تكفأ السفينة، فأرساها الله تعالى بالجبال، تم إنهم اختلفوا في أنه لم صارت الجبال سببا لسكون الأرض؟ على أقوال، و ذكروا لذلك وجوها و لنذكر بعضها. الأول: ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره: أن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميد من جانب إلى جانب و تضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة فيها استقرت على وجه الماء، فكذلك لما خلق الله تعالى الأرض على وجه الماء اضطربت و مادت، فخلق الله تعالى عليها هذه الجبال و وتدها بها، فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال، ثم قال: لقائل أن يقول: هذا يشكل من وجوه. الأول: إن هذا المعلل إما أن يقول: بأن حركات الأجسام بطباعها أو يقول: ليست بطباعها، بل واقعة بإيجاد الفاعل المختار إياها، فعلى التقدير الأول نقول: لا شك أن الأرض أثقل من الماء و الأثقل يغوص في الماء و لا يبقى طافيا عليه، فامتنع أن يقال إنها كانت تميد و تضطرب بخلاف السفينة، فإنها متخذة من الخشب و في داخل الخشب تجويفات غير مملوءة فلذلك تميد و تضطرب فَأَذَابَتِ الْحَدِيدَ فَذَلَّ الْحَدِيدُ ثُمَّ إِنَّ النَّارَ زَفَرَتْ وَ شَهَقَتْ وَ فَخَرَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ على وجه الماء، فإذا أرسيت بالأجسام الثقلية استقرت و سكنت، فظهر الفرق. و أما على التقدير الثاني و هو أن يقال: ليس للأرض و الماء طبائع توجب الثقل و الرسوب و الأرض إنما تنزل لأن الله تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك و إنما صار الماء محيطا بالأرض لمجرد إجراء العادة ليس هيهنا طبيعة للأرض و لا للماء توجب حالة مخصوصة، فنقول: على هذا التقدير علة سكون الأرض هي أن الله تعالى يخلق فيها السكون، و علة كونها مائدة مضطربة هو أن الله تعالى يخلق فيها الحركة، فيفسد القول بأن الله خلق الجبال لتبقى الأرض ساكنة، فثبت أن التعليل مشكل على كلا التقديرين. الإشكال الثاني: أن إرساء الأرض بالجبال إنما يعقل لأجل أن تبقى الأرض على وجه الماء من غير أن تميد و تميل من جانب إلى جانب، و هذا إنما يعقل إذا كان الذي استقرت الأرض على وجهه واقفا، فنقول: فما المقتضي لسكونه في ذلك الحيز المخصوص، فإن قلت: إن طبيعته توجب وقوفه في ذلك الحيز المعين، فحينئذ يفسد القول بأن الأرض إنما وقفت بسبب أن الله أرساها بالجبال، و إن قلت إن المقتضي لسكون الماء في حيزه المعين هو أن الله أسكن الماء بقدرته في ذلك الحيز المخصوص، فنقول: فلم لا تقول مثله في سكون الأرض و حينئذ يفسد هذا التعليل أيضا. الإشكال الثالث: أن مجموع الأرض جسم واحد فبتقدير أن يميل بكليته و يضطرب على وجه البحر المحيط لم تظهر تلك الحالة للناس، فإن قيل: أ ليس أن الأرض تحركها البخارات المحتقنة في داخلها عند الزلازل، و تظهر تلك الحركات للناس؟ قلنا: تلك البخارات احتقنت في داخل قطعة صغيرة من الأرض فلما حصلت الحركة في تلك القطعة، ظهرت تلك الحركة، فإن ظهور الحركة في تلك القطعة المعينة يجري مجرى اختلاج عضو من بدن الإنسان، أما لو تحركت كلية الأرض شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْمَاءَ فَأَطْفَأَهَا فَذَلَّتْ ثُمَّ إِنَّ الْمَاءَ فَخَرَ وَ زَخَرَ وَ قَالَ أَيُّ شَيْءٍ لم تظهر، أ لا ترى أن الساكن في سفينة لا يحس بحركة كلية السفينة، و إن كانت على أسرع الوجوه و أقواها انتهى كلامه. و يمكن أن يجاب عنها أما عن الإشكال الأول: فبأن يختار أنها طالبة بطبعها للمركز، لكن إذا كانت خفيفة كان الماء يحركها بأمواجه حركة قسرية و يزيلها عن مكانها الطبيعي بسهولة، فكانت تميد و تضطرب بأهلها و تغوص قطعة منها، و تخرج قطعة منها و لما إرسالها الله تعالى بالجبال و أثقلها قاومت الماء و أمواجها بثقلها، فكانت كالأوتاد مثبتة لها. و منه يظهر الجواب عن الإشكال الثاني على أن توقف إرساء الأرض بالجبال على سكون الماء في حيز معين ممنوع. و أما عن الإشكال الثالث فبأن يقال: ليس الامتنان بمجرد عدم ظهور حركة الأرض حتى يقال إنه على تقدير حركتها بكليتها لا يظهر للناس، بل بخروج البقاع عن الماء و عدم غرقها بحركة الأرض و ميدانها بأهلها، على أن الظاهر أن الحركة التي لا تحس إنما هي إذا كانت في جهة مخصوصة، و على وضع واحد كحركة وضعية مستمرة أو حركة أينية على جهة واحدة كحركة السفينة إذا كانت سائرة من غير اضطراب، و أما إذا تحركت في جهات مختلفة و اضطربت فيحس بها كحركة السفينة عند تلاطم البحر و اضطرابه: و هذا هو الفرق بين حالة الزلزلة و بين حركة الأرض في الظهور و عدمه، فإنا لو فرضنا قطعة منها سائرة غير مضطربة في سيرها لما أحس بها، كما لا يحس بحركة كلها، بل باضطراب الحركة و كونها في جهات مختلفة تحس الحركة، سواء كان محلها كل الأرض أو بعضها. الوجه الثاني: ما ذكره الفاضل المقدم ذكره في تفسيره، و اختاره حيث قال يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الرِّيحَ فَحَرَّكَتْ أَمْوَاجَهُ وَ أَثَارَتْ مَا فِي قَعْرِهِ وَ حَبَسَتْهُ عَنْ مَجَارِيهِ فَذَلَّ و الذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يقال: إنه ثبت بالدلائل اليقينية، أن الأرض كرة، و أن هذه الجبال على سطح هذه الكرة جارية مجرى خشونات و تضريسات تحصل على وجه هذه الكرة إذا ثبت هذا فنقول: إذا فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصلة، بل كانت الأرض كرة حقيقية خالية عن هذه الخشونات و التضريسات لصارت بحيث تتحرك بالاستدارة بأدنى سبب لأن الجرم البسيط المستدير و إن لم يجب كونه متحركا بالاستدارة عقلا، إلا أنه بأدنى سبب تتحرك على هذا الوجه و أما إذا حصل على سطح كرة الأرض هذه الجبال و كانت كالخشونات الواقعة على الكرة فكل واحد من هذه الجبال إنما يتوجه بطبعه إلى مركز العالم، و توجه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم، و قوته الشديدة يكون جاريا مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة، فكان تخليق هذه الجبال على الأرض كالأوتاد المغروزة في الكرة المانعة لها من الحركة المستديرة، و كانت مانعة للأرض عن الميد و الميل و الاضطراب، بمعنى أنها منعت الأرض عن الحركة المستديرة، فهذا ما وصل إليه خاطري في هذا الباب و الله أعلم انتهى. و اعترض عليه بعض الأذكياء من المعاصرين بأن كلامه لا يخلو عن تشويش و اضطراب و الذي يظهر من أوائل كلامه هو أنه جعل المناط في استقرار الأرض الخشونات و التضريسات من حيث أنها خشونات و تضريسات، و ذلك إما لممانعة الأجزاء المائية الملاصقة لتلك التضريسات، لاستلزام حركة الأرض زوالها من مواضعها، و حينئذ يكون علة السكون هي الجبال الموجودة في الماء لا ما خلقت في الربع المكشوف من الأرض. و لعله خلاف الظاهر في معرض الامتنان بخلق الجبال و هو خلاف الظاهر من قوله تعالى:" وَ جَعَلَ فِيهٰا رَوٰاسِيَ مِنْ فَوْقِهٰا" و القول بأن ما في الماء أيضا فوقها فلعل المراد تلك الجبال لا يخلو عن بعد، مع أنها ربما كانت معاونة لحركة الأرض كما إذا تحركت كرة الماء بتموجها بأجمعها أو تموج أبعاضها المقاربة لتلك الخشونات، و إنما يمانعها عن الحركة أحيانا عند حركة أبعاضها. و إما لممانعة الأجزاء الهوائية المقاربة للجبال الكائنة على الربع الظاهر، فكانت الأوتاد مثبتة لها في الهواء مانعة عن تحريك الماء بتموجه إياها، كما يمانع الجبال المخلوقة في الماء عن تحريك الرياح إياها، و حينئذ يكون وجود الجبال في كل منهما معاونا لحركة الأرض في بعض الصور معاوقا عنها في بعضها، و لا مدخل حينئذ لثقل الجبال، و تركبها في سكون الأرض و استقرارها. و الذي يظهر من قوله: لأن الجرم البسيط إلى آخره، هو أن البساطة توجب حركة الأرض، إما بانفرادها أو بمشاركة عدم الخشونة، و لعله استند في ذلك إلى أن البسيط تتساوى نسبة أجزائه إلى أجزاء المكان، و إنما الطبيعة تقتضي انطباق مركز الثقل من الأرض على مركز العالم على أي وضع كان، و الماء لا يقوى على إخراج الكرة عن مكانها، نعم يحركها بالحركة المستديرة بخلاف المركب، فإنه ربما كان بعض أجزائه مقتضيا لوضع خاص كمحاذاة أحد القطبين مثلا حتى تكون الفائدة تحصل بتركب بعض أجزاء الأرض، و إن لم يكن هناك جبل و ارتفاع فلا يكون الامتنان بخلق الجبل من حيث أنه جبل، بل من حيث أنه مركب إلا على تقدير كون المراد أن المقتضي للسكون هو الحالة المركبة من التركب و التضريس. و الظاهر أنه من وصف الجبال بالشامخات في الآية مدخلية ارتفاعها في هذا المعنى، إلا أن يكون الوصف لترتب فوائد أخر عليها، و حينئذ لا مدخل لثقل الجبال في سكون الأرض كما يظهر من قوله أخيرا: فكل واحد من هذه الجبال إنما يتوجه بطبعه إلى مركز العالم، و توجه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم، و قوته الشديدة يكون جاريا مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض عن الاستدارة، و مع ذلك لا ينفع في نفي الحركة المشرقية و المغربية بل يؤيدها. و يمكن أن يكون مراده أن العلة هي المجموع المركب من الأمور الثلاثة و لعله جعل الطبيعة الأرضية كافية في استقرارها في مكانها و إنما احتاج إلى المانع عن حركتها بالاستدارة حركة وضعية و لذا قال أخيرا: و كانت مانعة للأرض عن الميد و الاضطراب، بمعنى أنها منعت الأرض عن الحركة المستديرة. الوجه الثالث: ما يخطر بالبال و هو أن يكون مدخلية الجبال لعدم اضطراب الأرض بسبب اشتباكها و اتصال بعضها ببعض في أعماق الأرض بحيث تمنعها عن تفتت أجزائها و تفرقها، فهي بمنزلة الأوتاد المغروزة المثبتة في الأبواب المركبة من قطع الخشب الكثيرة بحيث تصير سببا لالتصاق بعضها ببعض و عدم تفرقها، و هذا معلوم ظاهر لمن حفر الآبار في الأرض فإنها تنتهي عند المبالغة في حفرها إلى الأحجار الصلبة. الوجه الرابع: ما ذكره بعض المتعسفين من أنه لما كانت فائدة الوتد أن يحفظ الموتود في بعض المواضع عن الحركة و الاضطراب حتى يكون قارا ساكنا و كان من لوازم ذلك السكون في بعض الأشياء صحة الاستقرار على ذلك و التصرف عليه، و كان من فائدة وجود الجبال و التضريسات الموجودة في وجه الأرض أن لا تكون مغمورة بالماء، ليحصل للحيوان الاستقرار و التصرف عليها، لا جرم كان بين الأوتاد و الجبال الخارجة من الماء في الأرض اشتراك في كونهما مستلزمين لصحة الاستقرار، مانعين من عدمه، لا جرم حسنت نسبة الإيتاد إلى الصخور و الجبال، و أما إشعاره بالميدان فلان الحيوان كما يكون صادقا عليه أنه غير مستقر على الأرض بسبب انغمارها في الماء لو لم يوجد الجبال كذلك يصدق على الأرض أنها غير مستقرة تحته و مضطربة بالنسبة إليه، فثبت حينئذ أنه لو لا وجود الجبال في سطح الأرض لكانت مضطربة و مائدة بالنسبة إلى الحيوان، لعدم تمكنه من الاستقرار عليها. الوجه الخامس: أن يكون المراد بالجبال و الرواسي الأنبياء و الأولياء و العلماء، و بالأرض الدنيا، أما وجه التجوز الجبال عن الأنبياء و العلماء فلان الجبال لما كانت على غاية من الثبات و الاستقرار مانعة لما يكون تحتها من الحركة و الاضطراب عاصمة لما يلتجئ إليها من الحيوان عما يوجب له الهرب، فيسكن بذلك اضطرابه و قلقلته، أشبهت الأوتاد من بعض هذه الجهات، ثم لما كانت الأنبياء و العلماء هم السبب في انتظام أمور الدنيا و عدم اضطراب أحوال أهلها كانوا كالأوتاد للأرض، فلا جرم صحت استعارة لفظ الجبال لهم، و لذلك في العرف يقال: فلان جبل منيع يأوي إليه كل ملهوف إذا كان يرجع إليه في المهمات و الحوائج، و العلماء أوتاد الله في الأرض. الوجه السادس: أن يكون المقصود من جعل الجبال كالأوتاد في الأرض أن يهتدي بها إلى طرقها و المقاصد فيها، فلا تميد جهاتها المشتبهة بأهلها، و لا تميل بهم فيتيهون فيها عن طرقهم و مقاصدهم، و هذه الوجوه الثلاثة ذكرها بعض المتعسفين، و هذا دأبه في أكثر الآيات و الأخبار حيث يأولها بلا ضرورة داعية، و علة مانعة عن القول بظاهرها، و هل هذا إلا اجتراء على مالك يوم الدين، و افتراء على حجج رب العالمين. الوجه السابع: أن يقال: المراد بالأرض قطعاتها و بقاعها لا مجموع كرة الأرض، و يكون الجبال أوتادا لها أنها حافظة لها عن الميدان و الاضطراب بالزلزلة و نحوها، إما لحركة البخارات المحتقنة في داخلها بإذن الله تعالى، أو لغير ذلك من الأسباب التي يعلمها مبدعها و منشؤها، و هذا وجه قريب، و يؤيده ما روي في أخبار كثيرة أن ذا القرنين لما انتهى إلى السد جاوزه، فدخل الظلمات، فإذا هو بملك قائم على جبل طوله خمسمائة ذراع، فقال له ذو القرنين: من أنت؟ فقال: أنا ملك من ملائكة الرحمن، موكل بهذا الجبل فليس من جبل خلقه الله عز و جل إلا و له عرق إلى هذا الجبل، فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل مدينة أوحى إلى فزلزلتها، و إنما أطنبنا الكلام في هذا المقام، و خرجنا عما كنا بصدده من الاختصار التام، لأنه من مزال الأقدام و قد ماد و تحير فيه كثير من الأعلام. قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):" زفرت و شهقت" بفتح الهاء و القاف، قال الجوهري: الزفير اغتراق النفس للشدة، و الزفير أول صوت الحمار، و الشهيق آخره، لأن الزفير إدخال النفس، و الشهيق إخراجه، و قد زفر يزفر، قال الفيروزآبادي: زفر النار: سمع لتوقدها صوت. قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):" ثم إن الماء فخر و زخر" لعل المراد بالماء هاهنا المياه التي أسكنت في الأرض و خلقت على وجهها، و لذا قيد (صلى الله عليه و آله و سلم)" الماء" في أول الخبر بالبحار السفلى، و غلبة الأرض إنما هي عليها دون المياه الظاهرة، فلا ينافي تأخر خلق هذا الماء عن كثير من الأشياء تقدم خلق أصل الماء و حقيقته على غيره من سائر الأشياء. الْمَاءُ ثُمَّ إِنَّ الرِّيحَ فَخَرَتْ وَ عَصَفَتْ وَ أَرْخَتْ أَذْيَالَهَا وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْإِنْسَانَ فَبَنَى وَ احْتَالَ وَ اتَّخَذَ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنَ الرِّيحِ وَ غَيْرِهَا فَذَلَّتِ الرِّيحُ ثُمَّ إِنَّ الْإِنْسَانَ طَغَى وَ قَالَ مَنْ أَشَدُّ مِنِّي قُوَّةً فَخَلَقَ اللَّهُ لَهُ الْمَوْتَ فَقَهَرَهُ فَذَلَّ الْإِنْسَانُ ثُمَّ إِنَّ الْمَوْتَ فَخَرَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَا تَفْخَرْ فَإِنِّي ذَابِحُكَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ أَهْلِ النَّارِ ثُمَّ لَا أُحْيِيكَ أَبَداً فَتُرْجَى أَوْ تُخَافَ وَ قَالَ أَيْضاً وَ الْحِلْمُ يَغْلِبُ الْغَضَبَ وَ الرَّحْمَةُ تَغْلِبُ السُّخْطَ وَ الصَّدَقَةُ تَغْلِبُ الْخَطِيئَةَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)مَا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا قَدْ يَغْلِبُ غَيْرَهُ [وصية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لرجل استوصاه]
الكافي — كتاب الروضة · كتاب الروضة