عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)كَمْ كَانَ طُولُ آدَمَ(عليه السلام)حِينَ هُبِطَ بِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَ كَمْ كَانَ طُولُ حَوَّاءَ قَالَ وَجَدْنَا فِي كِتَابِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا أَهْبَطَ آدَمَ وَ زَوْجَتَهُ حَوَّاءَ(عليها السلام)إِلَى الْأَرْضِ كَانَتْ رِجْلَاهُ بِثَنِيَّةِ الصَّفَا وَ رَأْسُهُ دُونَ أُفُقِ السَّمَاءِ الحديث السابع و الثلاثمائة: ضعيف. الحديث الثامن و الثلاثمائة: ضعيف. قوله (عليه السلام):" بثنية الصفا" قال في النهاية: الثنية في الجبل كالعقبة فيه و قيل: هو الطريق العالي فيه و قيل: أعلى الميل في رأسه. قوله (عليه السلام):" دون أفق السماء" أي عنده أو قريبا منه، و الآفاق النواحي. اعلم إن هذا الخبر من المعضلات التي حيرت أفهام الناظرين و العويصات التي رجعت عنها بالخيبة أحلام الكاملين و القاصرين. و الإشكال فيه من وجهين. أحدهما: أن قصر القامة كيف يصير سببا لرفع التأذي بحر الشمس. و الثاني: أن كونه (عليه السلام) سبعين ذراعا بذراعه، يستلزم عدم استواء خلقته (عليه السلام) و أن يعسر عليه كثير من الاستعمالات الضرورية، و هذا مما لا يناسب رتبة النبوة، و ما من الله به عليه من إتمام النعمة. فأما الجواب عن الإشكال الأول فمن وجهين. الأول: إنه يمكن أن يكون للشمس حرارة من غير جهة الانعكاس أيضا، و يكون قامته (عليه السلام) طويلة جدا بحيث يتجاوز طبقة الزمهرير، و يتأذى من تلك وَ أَنَّهُ شَكَا إِلَى اللَّهِ مَا يُصِيبُهُ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى جَبْرَئِيلَ(عليه السلام)أَنَّ آدَمَ قَدْ شَكَا مَا يُصِيبُهُ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَاغْمِزْهُ غَمْزَةً وَ صَيِّرْ طُولَهُ سَبْعِينَ ذِرَاعاً بِذِرَاعِهِ وَ اغْمِزْ حَوَّاءَ غَمْزَةً فَيَصِيرَ طُولُهَا خَمْسَةً وَ ثَلَاثِينَ ذِرَاعاً بِذِرَاعِهَا الحرارة و يؤيده ما روي في بعض الأخبار العامية في قصة عوج بن عناق أنه كان يرفع السمك إلى عين الشمس ليشويه بحرارتها. و الثاني: أنه لطول قامته كان لا يمكنه الاستظلال ببناء و لا جبل و لا شجر فكان يتأذى من حرارة الشمس لذلك، و بعد قصر قامته ارتفع ذلك و كان يمكنه الاستظلال بالأبنية و غيرها. و أما الثاني فقد أجيب عنه بوجوه شتى. الأول: ما ذكره بعض الأفاضل من مشايخنا أن استواء الخلقة ليس منحصرا فيما هو معهود الآن فإن الله تعالى قادر على خلق الإنسان على هيئات آخر كل منها فيه استواء الخلقة، و من المعلوم أن أعضاءنا الآن ليست بقدر أعضاء آدم (عليه السلام) و قامتنا ليست كقامته (عليه السلام)، فالقادر على خلقنا دونه في القدر على تقصير طوله عن الأول، قادر على أن يجعل بعض أعضائه مناسبا للبعض بغير المعهود، و ذراع آدم (عليه السلام) يمكن أن يكون قصيرا مع طول العضد، و جعله ذا مفاصل، أو لينا بحيث يحصل الارتفاق به، و الحركة كيف شاء كما يمكن بهذا الذراع و العضد. و الثاني: ما ذكره الفاضل المذكور أيضا و هو أن يكون المراد بالسبعين سبعين قدما أو شبرا، و ترك ذكر القدم أو الشبر لما هو متعارف شائع من كون الإنسان غالبا سبعة أقدام أو أن بقرينة المقام كان يعلم ذلك كما إذا قيل طول الإنسان سبعة تبادر منه الأقدام، فيكون المراد به، أنه صار سبعين قدما، أو شبرا بالأقدام المعهودة في ذلك الزمان، كما إذا قيل غلام خماسي، فإنه يتبادر منه كونه خمسة أشبار، لتداول مثله و اشتهاره، و على هذا يكون قوله:" ذراعا" بدلا من السبعين، بمعنى أن طوله الآن و هو السبعون بقدر ذراعه قبل ذلك، و فائدة قوله حينئذ ذراعا بذراعه معرفة طوله أولا فإن من كون الذراع سبعين قدما مع كونه قدمين و القدمان سبعا القامة، يعلم منه طوله الأول، فذكره لهذه الفائدة، على أن السؤال الواقع بقول السائل: كم كان طول آدم (عليه السلام) حين هبط إلى الأرض؟ يقتضي جوابا يطابقه و كذا قوله كم كان طول حواء فلو لا قوله ذراعا بذراعه و ذراعا بذراعها لم يكن الجواب مطابقا، لأن قوله دون أفق السماء مجمل، فأفاد (عليه السلام) الجواب عن السؤال مع إفادة ما ذكره معه من كونه صار هذا القدر. و أما ما ورد في حواء (عليها السلام) فالمعنى أنه جعل طول حواء خمسة و ثلاثين قدما بالأقدام المعهودة الآن، و هي ذراع بذراعها الأول فبالذراع يظهر أنها كانت على النصف من آدم، و لا بعد في ذلك، فإنه ورد في الحديث ما معناه أن يختار الرجل امرأة دونه في الحسب و المال و القامة، لئلا تفتخر المرأة على الزوج بذلك و تعلو عليه، فلا بعد في كونه أطول منها. الثالث: ما ذكره الفاضل المذكور أيضا بأن يكون سبعين- بضم السين- تثنية سبع، و المعنى أنه صير طوله بحيث صار سبعي الطول الأول، و السبعان ذراع من حيث اعتبار الإنسان سبعة أقدام كل قدمين ذراع، فيكون الذراع بدلا أو مفعولا بتقدير- أعني- و في ذكر ذراعا بذراعه حينئذ الفائدة المتقدمة لمعرفة طوله أولا في الجملة، فإن سؤال السائل عن الطول الأول فقط، و أما حواء فالمعنى أنه جعل طولها خمسه- بضم الخاء- أي خمس ذلك الطول و ثلثين تثنية ثلث أي ثلثي الخمس فصارت خمسا و ثلثي خمس، و حينئذ التفاوت بينهما قليل، لأن السبعين في آدم (عليه السلام) أربعة من أربعة عشر و الخمس و ثلثا خمس من حواء خمسة من خمسة عشر، فيكون التفاوت بينهما يسيرا إن كان الطولان الأولان متساويين، و إلا فقد لا يحصل تفاوت. و الفائدة في قوله- ذراعا بذراعها- كما تقدم، فإن السؤال وقع بقوله و كم كان طول حواء، و يحتمل بعيدا عود ضمير خمسه و ثلثيه إلى آدم، و المعنى أنها صارت خمس آدم الأول، و ثلثيه فتكون أطول منه أو خمسه و ثلثيه بعد القصر، فتكون أقصر، و الأول أربط و أنسب بما قبله مع مناسبة تقديم الخمس، و مناسبة الثلاثين له، و يقرب الثاني قلة التفاوت الفاحش على أحد الاحتمالين. فإن قلت: ما ذكرت من السبعين من الأذرع و الأقدام ينافي ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال:" إن أباكم كان طوالا كالنخلة السحوق ستين ذراعا". قلت: يمكن الجواب بأن ستين ذراعا راجع إلى النخلة لا إلى آدم (عليه السلام)، فإنه أقرب لفظا و معنى من حيث أن السحوق هي الطويلة، و نهاية طولها لا يتجاوز الستين غالبا، فقد شبه طوله (عليه السلام) بالنخلة التي هي في نهاية الطول، و لا ينافي هذا كونه أطول منها، فإن من التشبيه أن يشبه شيء بشيء بحيث يكون الشبه به مشهودا متعارفا في جهة من الجهات فيقال: فلان مثل النخلة، و يراد به مجرد الطول و الاستقامة، مع أنه أقصر منها، و قد يعكس و يحتمل كون المراد أن آدم صار ستين ذراعا، و هذا التفاوت قد يحصل في الأذرع، و هو ما بين الستين و السبعين أو لأن الذراع كما يطلق على المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، قد يطلق على الساعد و لو مجازا، و على تقدير تثنية سبع يستقيم، سواء رجع إلى آدم (عليه السلام) أم إلى النخلة، أقول: يرد على الثالث أن الخمس و ثلثي الخمس يرجع إلى الثلث، و نسبة التعبير عن الثلث بهذه العبارة إلى أفصح الفصحاء بعيد عن العلماء. الرابع: ما يروي عن شيخنا البهائي (قدس سره) من أن في الكلام استخداما بأن يكون المراد بآدم حين إرجاع الضمير إليه آدم ذلك الزمان من أولاده (عليه السلام)، و لا يخفى بعده عن استعمالات العرب، و محاوراتهم مع أنه لا يجري ذلك في حواء إلا بتكلف ركيك، نعم يمكن إرجاعهما إلى الرجل و المرأة، بقرينة المقام لكنه بعيد أيضا غاية العبد. الخامس: ما خطر بالبال بأن يكون إضافة الذراع إليهما على التوسعة و المجاز بأن نسب ذراع جنس آدم (عليه السلام) إليه و جنس حواء إليها، و هو قريب مما سبق. السادس: ما حل ببالي أيضا و هو أن يكون المراد بذراعه الذراع الذي قرره (عليه السلام) لمساحة الأشياء، و هذا يحتمل وجهين. أحدهما: أن يكون الذراع الذي عمله آدم (عليه السلام) مخالفا للذراع الذي عملته حواء (عليها السلام). و ثانيهما: أن يكون الذراع المعمول في هذا الزمان واحدا، لكن نسب في بيان طول كل منهما إليه لقرب المرجع. السابع: ما سمحت به قريحتي و إن أتت ببعيد عن الأفهام، و هو أن يكون المراد تعيين حد للغمز لجبرئيل (عليه السلام) بأن يكون المعنى اجعل طول قامته بحيث يكون بعد تناسب الأعضاء طوله الأول سبعين ذراعا بالذراع الذي حصل له بعد القصر و الغمز، فيكون المراد بطوله طوله الأول، و نسبة التصيير إليه باعتبار أن كونه سبعين ذراعا، إنما يكون بعد خلق ذلك الذراع، فيكون في الكلام شبه قلب، أي اجعل ذراعيه بحيث يكون جزء من سبعين جزء من طول قامته قبل الغمز، و مثل هذا الكلام قد يكون في المحاورات، و ليس تكلفه أكثر من بعض الوجوه التي ذكرها الأفاضل الكرام، و به يتضح النسبة بين القامتين، إذ طول قامة مستوي الخلقة ثلاثة أذرع و نصف تقريبا، فإذا كان طول قامة الأولى سبعين بذلك الذراع تكون نسبة القامة الثانية إلى الأولى نسبة واحد إلى عشرين أي نصف عشر، و ينطبق الجواب على السؤال، إذ الظاهر منه أن غرض السائل استعلام طول قامته الأولى فلعله كان يعرف طول قامة الثانية لاشتهاره بين أهل الكتاب أو المحدثين من العامة بما رووا عن الرسول (صلى الله عليه و آله) من ستين ذراعا، فمع صحة تلك الرواية يعلم بانضمام ما أوردنا في حل خبر الكتاب أنه (عليه السلام) كان طول قامته أو لا ألفا و مائتي ذراع بذراع من كان في زمن الرسول (صلى الله عليه و آله)، أو بذراع من كان في زمن آدم (عليه السلام) من أولاده. الثامن: ما خطر ببالي أيضا لكن وجدته بعد ذلك منسوبا إلى بعض الأفاضل من مشايخنا (ره)، و هو أن الباء في قوله بذراعه للملابسة يعني صير طول آدم سبعين ذراعا بملابسة ذراعه، أي كما قصر من طوله قصر من ذراعه لتناسب أعضائه و إنما خص بذراعه لأن جميع الأعضاء داخلة في الطول، بخلاف الذراع و المراد حينئذ بالذراع في قوله:" سبعين ذراعا" إما ذراع من كان في زمن آدم، أو من كان في زمان من صدر عنه الخبر، و هذا وجه قريب. التاسع: أن يكون الضمير في قوله:" بذراعه" راجعا إلى جبرئيل (عليه السلام) أي بذراعه عند تصوره بصورة رجل ليغمزه. و لا يخفى بعده من وجهين: أحدهما: عدم انطباقه على ما ذكر في هذا الكتاب، إذ الظاهر أن- صير- هنا بصيغة الأمر، فكأن الظاهر على هذا الحل أن يكون بذراعك، و يمكن توجيهه إذا قرئ بصيغة الماضي، بتكلف تام. [فيمن أصاب أباه سبي في الجاهلية]
الكافي — كتاب الروضة · كتاب الروضة