حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)إِنَّ النَّاسَ يَفْزَعُونَ إِذَا قُلْنَا إِنَّ النَّاسَ ارْتَدُّوا فَقَالَ يَا عَبْدَ الرَّحِيمِ إِنَّ النَّاسَ عَادُوا بَعْدَ مَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ إِنَّ الْأَنْصَارَ اعْتَزَلَتْ فَلَمْ تَعْتَزِلْ بِخَيْرٍ جَعَلُوا يُبَايِعُونَ سَعْداً وَ هُمْ يَرْتَجِزُونَ ارْتِجَازَ الْجَاهِلِيَّةِ يَا سَعْدُ و إلى الدخول في الإيمان، و هذا لا ينافي ما ورد من الأخبار الكثيرة و قد مضى بعضها و سيأتي أيضا إن الناس ارتدوا بعد رسول الله إلا ثلاثة، لأن المراد فيها ارتدادهم عن الدين واقعا، و هذا الخبر محمول على بقائهم على صورة الإسلام و ظاهره، و إن كانوا في كثير من الأحكام مشاركين مع الكفار، و خص (عليه السلام) هذا بمن لم يسمع النص على أمير المؤمنين و لم يبغضه، و لم يعاده فإن من فعل شيئا من ذلك فقد أنكر قول النبي (صلى الله عليه و آله) و كفر ظاهرا أيضا، و لم يبق له شيء من أحكام الإسلام، و وجب قتله. و قد مضى تحقيق الإسلام و الإيمان و معانيهما في شرح كتاب الإيمان و الكفر فلا نطيل الكلام بإعادته. الحديث الخامس و الخمسون و الأربعمائة: مجهول. قوله (عليه السلام):" فلم تعتزل بخير" إن لم يكن اعتزالهم لاختيار الحق أو لترك الباطل، بل اختاروا باطلا مكان باطل آخر للحمية و العصبية. قوله (عليه السلام):" و هم يرتجزون" قال الفيروزآبادي: الرجز- بالتحريك- ضرب من الشعر وزنه مستفعلن ست مرات، سمي به لتقارب أجزائه، و قلة حروفه، و زعم الخليل أنه ليس بشعر، و إنما هو إنصاف أبيات و أثلاث. أَنْتَ الْمُرَجَّى وَ شَعْرُكَ الْمُرَجَّلُ وَ فَحْلُكَ الْمُرَجَّمُ قوله:" أنت المرجئ" بالتشديد من الرجاء. قوله:" و فحلك المرجم" أي خصمك مرجوم مطرود. و لنذكر بعض أخبار السقيفة من كتب الفريقين، ليظهر لك سخافة ما احتج به المخالفون المعاندون من بيعة السقيفة من كتب الفريقين على حقيقة خلفائهم الجائرين، و يتبين لك أنهم لم يكونوا إلا غاصبين جابرين مرتدين عن الدين، لعنة الله عليهم و على من اتبعهم في ظلم أهل البيت (عليهم السلام) من الأولين و الآخرين. فقد روى الشيخ أبو طالب الطبرسي (ره) بإسناده عن أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني، و قال: إنه روي بإسناده الصحيح عن رجاله ثقة عن ثقة أن النبي (صلى الله عليه و آله) خرج في مرضه الذي توفي فيه إلى الصلاة متوكئا على الفضل بن عباس و غلام له يقال له ثوبان، و هي الصلاة التي أراد التخلف عنها لثقله، ثم حمل على نفسه (صلى الله عليه و آله) و خرج، فلما صلى عاد إلى منزله فقال لغلامه اجلس على الباب، و لا تحجب أحدا من الأنصار، و تجلاه الغشي و جاءت الأنصار فأحدقوا بالباب، و قالوا ائذن لنا على رسول الله، فقال: هو مغشي عليه، و عنده نساؤه فجعلوا يبكون فسمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) البكاء، فقال: من هؤلاء قالوا الأنصار، فقال (صلى الله عليه و آله) من ههنا من أهل بيتي قالوا علي و العباس. فدعاهما و خرج متوكئا عليهما، فاستند إلى جذع من أساطين مسجده، و كان الجذع جريد نخل، فاجتمع الناس و خطب، و قال في كلام أنه لم يمت نبي قط إلا خلف تركة، و قد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله و أهل بيتي، فمن ضيعهم ضيعه الله، ألا و إن كان الأنصار كرشي التي أوصى إليها و إني أوصيكم بتقوى الله، و الإحسان إليهم، فاقبلوا من محسنهم، و تجاوزوا عن مسيئهم، ثم دعا أسامة بن زيد. فقال: سر على بركة الله و النصر و العافية حيث أمرتك بمن أمرتك عليه، و كان (عليه السلام) قد أمره على جماعة من المهاجرين و الأنصار فيهم أبو بكر و عمر و جماعة من المهاجرين الأولين، و أمره أن يعبر على مؤتة واد في فلسطين، فقال له أسامة: بأبي أنت و أمي يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أ تأذن لي في المقام أياما حتى يشفيك الله، فإني متى خرجت و أنت على هذه الحالة خرجت و في قلبي منك قرحة، فقال (صلى الله عليه و آله): أنفذ يا أسامة، فإن القعود عن الجهاد لا يجب في حال من الأحوال، فبلغ رسول الله أن الناس طعنوا في عمله فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): بلغني أنكم طعنتم في عمل أسامة و في عمل أبيه من قبل، و أيم الله إنه لخليق للأمارة، و إن أباه كان خليقا لها و إنه لمن أحب الناس إلى فأوصيكم به، فلان قلتم في إمارته فقد قال قائلكم في إمارة أبيه، ثم دخل رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى بيته و خرج أسامة من يومه حتى عسكر على رأس فرسخ من المدينة، و نادى منادي رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن لا يتخلف عن أسامة أحد ممن أمرته عليه، فلحق الناس به، و كان من سارع إليه أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح فنزلوا في زقاق واحد مع جملة أهل العسكر. قال: و ثقل رسول (صلى الله عليه و آله) فجعل الناس ممن لم يكن في بعث أسامة يدخلون عليه إرسالا، و سعد بن عبادة شاك فكان لا يدخل أحد من الأنصار على النبي إلا انصرف إلى سعد يعوده، قال: و قبض (صلى الله عليه و آله) وقت الضحى من يوم الاثنين بعد خروج أسامة إلى معسكره بيومين، فرجع أهل العسكر و المدينة قد رجفت بأهلها فأقبل أبو- بكر على ناقة له حتى وقف على باب المسجد، فقال أيها الناس ما لكم تموجون إن كان محمد قد مات فرب محمد لم يمت" وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلّٰا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّٰهَ شَيْئاً". ثم اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة و جاءوا به إلى سقيفة بني ساعدة، فلما سمع بذلك عمر أخبر به أبا بكر و مضيا مسرعين إلى السقيفة معهما أبو عبيدة ابن جراح، و في السقيفة خلق كثير من الأنصار و سعد بن عبادة بينهم مريض، فتنازعوا الأمر بينهم، فآل الأمر إلى أن قال: أبو بكر في آخر كلامه للأنصار: إنما أدعوكم إلى عبيدة بن الجراح أو عمر، و كلاهما قد رضيت لهذا الأمر، و كلاهما أراه له أهلا. فقال عمر و أبو عبيدة: ما ينبغي لنا أن نتقدمك يا أبا بكر أنت أقدمنا إسلاما و أنت صاحب الغار، و ثاني الاثنين، و أنت أحق بهذا الأمر و أولانا به، فقالت الأنصار نحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا و لا منكم، فنجعل منا أميرا و منكم أميرا، و نرضى به على أنه إن هلك اخترنا آخر من الأنصار. فقال أبو بكر، بعد أن مدح المهاجرين، و أنتم يا معشر الأنصار ممن لا ينكر فضلهم و لا نعتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه و لرسوله، و جعل إليكم مهاجرته، و فيكم محل أزواجه، فليس أحد من الناس بعد المهاجرين الأولين بمنزلتكم، فهم الأمراء، و أنتم الوزراء. فقام الحباب بن المنذر الأنصاري فقال: يا معاشر الأنصار أملكوا على أيديكم فإنما الناس في فيئكم و ظلالكم، و لن يجترئ مجترئ على خلافكم، و لن يصدر الناس إلا عن رأيكم، و أثنى على الأنصار، ثم قال: فإن أبى هؤلاء تأميركم عليهم، فلسنا نرضى تأميرهم علينا و لا نقنع بدون أن يكون منا أمير، و منهم أمير. فقام عمر بن الخطاب فقال: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد إنه لا ترضى العرب أن تأمركم و نبيها من غيركم، و لكن لا تمنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، و أولوا الأمر منهم، و لنا بذلك على من خالفنا الحجة الظاهرة، و السلطان البين فما تنازعنا في سلطان محمد، و نحن أولياؤه و عشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في الهلكة، محب للفتنة. فقام الحباب بن المنذر ثانية فقال: يا معشر الأنصار أمسكوا على أيديكم و لا تسمعوا مقالة هذا الجاهل و أصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر و إن أبوا أن يكون أمير و أمير فأجلوهم عن بلادكم، و تولوا هذا الأمر عليهم، فأنتم و الله أحق به منهم، فقد دان بأسيافكم قبل هذا الوقت من لم يكن يدين بغيرها و أنا جذيلها المحكك و عذيقها المرجب و الله لا يرد أحد قولي إلا حطمت أنفه بالسيف. قال عمر بن الخطاب: فلما كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام، فإنه جرت بيني و بينه منازعة في حياة رسول الله فنهاني رسول الله عن علي مهابرته، فحلفت أن لا أكلمه أبدا. ثم قال عمر لأبي عبيدة: يا أبا عبيدة تكلم، فقام أبو عبيدة بن الجراح فتكلم بكلام كثير ذكر فيه فضائل الأنصار، فكان بشير بن سعد سيدا من سادات الأنصار لما رأى اجتماع الأنصار على سعد بن عبادة لتأميره، حسده و سعى في إفساد الأمر عليه، و تكلم في ذلك و رضي بتأمير قريش، و حث الناس كلهم لا سيما الأنصار على الرضا بما يفعله المهاجرون. فقال أبو بكر: هذا عمر و أبو عبيدة شيخا قريش، فبايعوا أيهما شئتم فقال عمر و أبو عبيدة: ما نتولى هذا الأمر عليك امدد يدك نبايعك، فقال بشير بن سعد: و أنا ثالثكما، و كان سيد الأوس و سعد بن عبادة سيد الخزرج، فلما رأت الأوس صنع بشير و ما دعت إليه الخزرج من تأمير سعد أكبوا على أبي بكر بالبيعة و تكاثروا على ذلك، و تزاحموا فجعلوا يطأون سعدا من شدة الزحمة، و هو بينهم على فراشه مريض، فقال: قتلتموني. فقال عمر: اقتلوا سعدا قتله الله، فوثب قيس بن سعيد، فأخذ بلحية عمر و قال: و الله يا بن صهاك الجبان في الحروب الفرار، الليث في الملإ و الأمن، لو حركت منه شعرة ما رجعت و في وجهك واضحة، فقال أبو بكر مهلا يا عمر: فإن الرفق أبلغ و أفضل. فقال سعد: يا بن صهاك- و كانت جدة عمر حبشية- أما و الله لو أن لي قوة على النهوض لسمعتها مني في سككها زئيرا أزعجك و أصحابك منها، و لا لحقتكما بقوم كنتما فيهم أذنابا أذلاء تابعين غير متبوعين، لقد اجترأتما، يا آل الخزرج احملوني من مكان الفتنة فحملوه، فأدخلوه منزله، فلما كان بعد ذلك بعث إليه أبو بكر أن قد بايع الناس فقال: لا و الله حتى أرميكم بجل سهم في كنانتي و أخضب بدمائكم سنان رمحي و أضربكم بسيفي ما أقلت يدي، فأقاتلكم بمن يتبعني من أهل بيتي و عشيرتي، ثم قال: و الله لو اجتمعت الإنس و الجن ما بايعتكما أيهما العاصيان حتى أعرض على ربي، و أعلم ما حسابي فلما جاءهم كلامه قال عمر: لا بد فيه من بيعته، فقال بشير بن سعد: إنه قد أبى و لج و ليس بمبايع أو يقتل و ليس بمقتول حتى يقتل معه الخزرج و الأوس فاتركوه فليس تركه بضائر فقبلوا قوله و تركوا سعدا فكان سعد لا يصلي بصلاتهم و لا يقضي بقضائهم و لو وجد أعوانا لصال بهم و لقاتلهم، فلم يزل كذلك في ولاية أبي بكر حتى هلك أبو بكر ثم ولي عمر فكان كذلك فخشي سعد غائلة عمر فخرج إلى الشام فمات بحوران في ولاية عمر لم يبايع أحدا و كان سبب موته أن رمي بسهم في الليل، فقتله و زعم أن الجن رمونه [رمته]. و قيل أيضا إن محمد بن سلمة الأنصاري تولى ذلك، بجعل جعلت له عليه، و روي أنه تولى ذلك المغيرة بن شعبة. قال: و بائع جملة الأنصار و من حولهم و من حضر من غيرهم، و علي بن أبي طالب (عليه السلام) مشغول بجهاز رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلما فرغ من ذلك، و صلى على النبي و الناس يصلون عليه من بائع أبا بكر و من لم يبايع، جلس في المسجد فاجتمع إليه بنو هاشم و معهم الزبير بن العوام، و اجتمعت بنو أمية إلى عثمان بن عفان و بنو زهرة إلى عبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد مجتمعين إذ أقبل أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح فقالوا: ما لنا نراكم حلقا شتى، قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايعه الأنصار و الناس، فقام عثمان و عبد الرحمن بن عوف و من معهما فبايعوا، فانصرف علي و بنو هاشم إلى منزل علي (عليه السلام) و معهم الزبير. قال: فذهب إليهم عمر في جماعة ممن بايع فيهم أسيد بن حصين و سليمة بن سلامة فألقوهم مجتمعين، فقالوا لهم: بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس، فوثب الزبير إلى سيفه، فقال عمر: عليكم الكلب فاكفوني شره، فبادر سلمة بن سلامة فانتزع السيف من يده، فأخذه عمر فضرب به الأرض فكسره و أحدقوا بمن كان هناك من بني هاشم و مضوا بجماعتهم إلى أبي بكر فلما حضروا قالوا: بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس، و أيم الله لأن أبيتم ذلك لنحاكمنكم بالسيف. فلما رأى ذلك بنو هاشم أقبل رجل رجل فجعلوا يبايعوا حتى لم يبق إلا علي بن أبي طالب، فقالوا له: بايع أبا بكر، فقال: أنا أحق بهذا الأمر و أولى بالبيعة لي أخذتم هذا الأمر من الأنصار و احتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أخذتموها منا أهل البيت غصبا، أ لستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم بمكانهم من رسول الله، فأعطوكم المقادة، و سلموا لكم الإمارة و أنا احتججت عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار أنا أولى برسول الله حيا و ميتا، و أنا وصيه و وزيره، و مستودع سره و علمه، و أنا الصديق الأكبر، أول من آمن به، و صدقه، و أحسنكم بلاء في جهاد المشركين، و أعرفكم بالكتاب و السنة، و أفقهكم في الدين، و أعلمكم بعواقب الأمور، و أزربكم لسانا، و أثبتكم جنانا، فعلى ما تنازعون هذا الأمر أنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، و أعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفتم الأنصار لكم، و إلا فبوءوا بالظلم، و أنتم تعلمون فقال عمر: أما لك بأهل بيتك أسوة، فقال علي (عليه السلام) سلوهم عن ذلك، فابتدر القوم الذين بايعوا من بني هاشم فقالوا: ما بايعتنا بحجة على علي (عليه السلام)، و معاذ الله أن نقول إنا لا نوازيه في الهجرة، و حسن الجهاد، و المحل من رسول الله، فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع طوعا أو كرها، فقال علي (عليه السلام) أحلب حلبا لك، اشدد له اليوم ليرد عليك غدا، إذا و الله لا أقبل قولك و لا أحفل بمقالتك، و لا أبايع. فقال أبو بكر: مهلا يا أبا الحسن ما نشد فيك و لا نشدد عليك، و لا نكرهك. فقام أبو عبيدة إلى علي (عليه السلام): فقال: يا بن عم لسنا ندفع قرابتك و لا سابقتك و لا علمك و لا نصرتك، و لكنك حدث السن و كان لعلي (عليه السلام) يومئذ ثلاث و ثلاثون سنة و أبو بكر شيخ من مشايخ قومك، و هو أحمل لثقل هذا الأمر، و قد مضى بما فيه، فسلم له فإن عمرك الله يسلمون هذا الأمر إليك، و لا يختلف عليك فيه اثنان بعد هذا، ألا و أنت به خليق و له حقيق، و لا تبعث الفتنة في أوان الفتنة، فقد عرفت ما في قلوب العرب و غيرهم عليك. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا معاشر المهاجرين و الأنصار الله الله لا تنسوا عهد نبيكم إليكم في أمري، و لا تخرجوا سلطان محمد من داره و قعر بيته إلى دوركم و قعر بيوتكم فتخرجوا و تدفعوا أهله عن حقه و مقامه في الناس، فو الله يا معاشر الجمع إن الله قضى و حكم و نبيه أعلم، و أنتم تعلمون أن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم، ما كان القاري لكتاب الله الفقيه في دين الله المصطلح بأمر الرعية، و الله إنه لفينا لا فيكم، و لا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا و تفسدوا قديمكم بشر من حديثكم. فقال بشر بن سعد الأنصاري: الذي وطئ هذا الأمر لأبي بكر و قالت جماعة الأنصار يا أبا الحسن لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار قبل إتمام البيعة لأبي بكر ما اختلف فيك اثنان. فقال علي (عليه السلام): يا هؤلاء أ كنت أدع رسول الله مسجى مستورا بالثياب لا أواريه و أخرج أنازع في سلطانه، و الله ما خفت أحدا يسموا له و ينازعنا أهل البيت فيه، و يستحل ما استحللتموه، و لا علمت، أن رسول الله ترك يوم غدير خم لأحد حجة، و لا لقائل مقالا فأنشد الله رجلا سمع النبي (صلى الله عليه و آله) يوم غدير خم يقول:" من كنت مولاه فعلي (عليه السلام) مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و أخذل من خذله" أن يشهد بما سمع. قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر رجلا بدريا بذلك، و كنت ممن سمع القوم من رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فكتمت الشهادة يومئذ، فذهب بصري، فقال و كثر الكلام في هذا المعنى، و ارتفع الصوت، و خشي عمر أن يصغي إلى قول علي (عليه السلام) ففسخ المجلس، و قال إن الله تعالى يقلب القلوب، و لا تراك يا أبا الحسن ترغب عن الجماعة، فانصرفوا يومهم ذلك. و أما ما روته العامة في ذلك فقد روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، عن محمد بن جرير الطبري أن رسول الله لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، و أخرجوا سعد بن عبادة ليولوه الخلافة، و كان مريضا فخطبهم و دعاهم إلى إعطائه الرئاسة و الخلافة، فأجابوه ثم ترادوا الكلام فقالوا: فإن أبى المهاجرون و قالوا: نحن أولياؤه و عترته؟ فقال قوم من الأنصار: نقول منا أمير و منكم أمير، فقال سعد: فهذا أول الوهن، و سمع عمر الخبر فأتى منزل رسول الله، و فيه أبو بكر فأرسل إليه أن اخرج إلى فأرسل إني مشغول، فأرسل عمر إليه أن اخرج فقد حدث أمر لا بد أن تحضره، فخرج فأعلمه الخبر فمضيا مسرعين نحوهم، و معهما أبو عبيدة فتكلم أبو بكر فذكر قرب المهاجرين من رسول الله و أنهم أولياؤه و عترته، ثم قال نحن الأمراء و أنتم الوزراء، لا نقتات عليكم بمشورة، و لا نقضي دونكم الأمور. فقام الحباب بن المنذر الجموح، فقال: يا معاشر الأنصار أملكوا عليكم أمركم فإن الناس في ظلكم، و لن يجترئ مجترئ على خلافكم و لا يصدر أحد إلا عن رأيكم أنتم أهل العزة و المنعة و أولو العدد و الكثرة، و ذوو البأس و النجدة، و إنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا فتفسد عليكم أموركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير و منهم أمير. فقال عمر: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد، و الله لا ترضى العرب أن تؤمركم و نبيها من غيركم، و لا تمنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة منهم من ينازعنا سلطان محمد، و نحن أولياؤه و عشيرته. فقال الحباب بن المنذر: يا معشر الأنصار أملكوا أيديكم و لا تسمعوا مقاله هذا و أصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم فأجلوهم من هذه البلاد فأنتم أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين، أنا جذيلها المحكك، و عذيقها المرجب أنا أبو شبل في عريسة الأسد و الله إن شئتم لنعيدها جذعة. فقال عمر: أذن يقتلك الله، فقال: بل إياك يقتل، فقال أبو عبيدة يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر فلا تكونوا أول من بدل أو غير. فقام بشر بن سعد والد النعمان فقال: يا معشر الأنصار ألا أن محمدا من قريش و قومه أولى به، و أيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر. فقال أبو بكر: هذا عمر و أبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم فقالا: و الله لا نتولى هذا الأمر عليك، و أنت أفضل المهاجرين و خليفة رسول الله في الصلاة، و هي أفضل الدين أبسط يدك فلما بسط يده ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه فناداه الحباب بن المنذر يا بشير عققت عاق! أ نفست على ابن عمك الإمارة، فقال أسيد بن حضير رئيس الأوس لأصحابه: و الله لئن لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبدا، فقاموا فبايعوا أبا بكر، فانكسر على سعد بن عبادة و الخزرج ما اجتمعوا عليه، و أقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب. ثم حمل سعد بن عبادة إلى داره فبقي أياما، فأرسل إليه أبو بكر ليبايع فقال: لا و الله حتى أرميكم بما في كنانتي، و أخضب سنان رمحي و أضرب بسيفي ما أطاعني و أقاتلكم بأهل بيتي و من تبعني، و لو اجتمع معكم الجن و الإنس ما بايعتكم، حتى أعرض على ربي فقال عمر: لا تدعه حتى يبايع، فقال بشير بن سعد إنه قد لج و ليس بمبايع لكم حتى يقتل، و ليس بمقتول حتى يقتل معه أهله و طائفة من عشيرته، و لا يضركم تركه إنما هو رجل واحد، فتركوه و جاءت أسلم فبايعت فقويت بهم جانب أبي بكر و بايعه الناس. ثم قال: و روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز، عن أحمد بن إسحاق بن صالح، عن عبد الله بن عمر، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: لما توفي النبي اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة، فأتاهم أبو بكر و عمر و أبو عبيدة، فقال الحباب بن المنذر: منا أمير و منكم أمير، إنا و الله لا ننفس هذا الأمر عليكم أيها الرهط، و لكنا نخاف أن يليه بعدكم من قتلنا أبناءهم و آباءهم و و إخوانهم، فقال عمر بن الخطاب: إذا كان ذلك قمت إن استطعت، فتكلم أبو بكر: فقال نحن الأمراء و أنتم الوزراء و الأمر بيننا نصفان كشق الأبلمة فبويع و كان أول من بايعه بشير بن سعد والد النعمان بن بشير، فلما اجتمع الناس على أبي بكر قسم قسما بين نساء المهاجرين و الأنصار، فبعث إلى امرأة من بني عدي بن النجار قسمها مع زيد بن ثابت، فقالت، ما هذا قال: قسم قسمه أبو بكر للنساء قالت: أ تراشونني عن ديني، و الله لا أقبل منه شيئا فردته عليه. ثم قال ابن أبي الحديد: قرأت هذا الخبر على أبي جعفر يحيى بن محمد العلوي قال لقد صدقت فرسة الحباب، فإن الذي خافه وقع يوم الحرة و أخذ من الأنصار ثار المشركين يوم بدر، ثم قال لي (رحمه الله). و من هذا خاف أيضا رسول الله، على ذريته و أهله، فإنه كان (عليه السلام) قد وتر الناس و علم أنه إن مات و ترك ابنته و ولدها سوقة و رعية تحت أيدي الولاة، كانوا بعرض خطر عظيم، فما زال يقرر لابن عمه قاعدة الأمر بعده، حفظا لدمه و دماء أهل بيته، فإنهم إذا كانوا [من رفع راية ضلالة فصاحبها طاغوت]
الكافي — كتاب الروضة · كتاب الروضة