حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ كَانَ حَيْثُ طُلِقَتْ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَ أَخَذَهَا الْمَخَاضُ بِالنَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)حَضَرَتْهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ امْرَأَةُ أَبِي طَالِبٍ فَلَمْ تَزَلْ مَعَهَا حَتَّى وَضَعَتْ فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى هَلْ تَرَيْنَ مَا أَرَى فَقَالَتْ وَ مَا تَرَيْنَ قَالَتْ هَذَا النُّورَ الَّذِي قَدْ سَطَعَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ فَبَيْنَمَا هُمَا كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِمَا أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ لَهُمَا مَا لَكُمَا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَعْجَبَانِ فَأَخْبَرَتْهُ فَاطِمَةُ بِالنُّورِ الَّذِي قَدْ رَأَتْ فَقَالَ لَهَا أَبُو طَالِبٍ أَ لَا أُبَشِّرُكِ فَقَالَتْ بَلَى فَقَالَ أَمَا إِنَّكِ سَتَلِدِينَ غُلَاماً يَكُونُ وَصِيَّ هَذَا الْمَوْلُودِ الحديث الستون و الأربعمائة: مجهول. قوله (عليه السلام):" طلقت" بكسر اللام- أي أخذها الطلق و هو وجع الولادة و كذا المخاض- بفتح الميم- بمعناه. قوله (عليه السلام):" أما إنك ستلدين غلاما" روى الصدوق بإسناده، عن عبد الله ابن مسكان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) إن فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب تبشره بمولد النبي (صلى الله عليه و آله) فقال لها أبو طالب: اصبري لي سبتا آتيك بمثله إلا النبوة و قال: السبت ثلاثون سنة، و كان بين رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) ثلاثون سنة. أقول: هذان الخبران يدلان على أن أبا طالب كان مؤمنا قبل البعثة، و انعقد على إسلامه إجماع الشيعة، و تواترت الأخبار الدالة عليه من طرق الخاصة و العامة و قد ألف كثير من أعاظم محدثينا كتابا مفردا في ذلك، منهم السيد الجليل فخار ابن معد الموسوي (رضي الله عنه). و روى الصدوق، عن أحمد بن محمد بن العطار، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن جعفر، عن محمد بن عمر الجرجاني، قال: قال الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام):" أول جماعة كانت أن رسول الله كان يصلي و أمير- المؤمنين علي بن أبي طالب معه إذ مر أبو طالب به و جعفر معه قال: يا بني صل جناح ابن عمك، فلما أحسه رسول الله تقدمهما، و انصرف أبو طالب مسرورا و هو يقول: إن عليا و جعفرا ثقتي عند ملم الزمان و الكرب و الله لا أخذل النبي و لا يخذله من بني ذو حسب لا تخذلا و انصرا ابن عمكما أخي لأمي من بينهم و أبي قال: فكانت أول جماعة جمعت ذلك اليوم. و روي عن أبيه، قال: قال أبو طالب لرسول الله: يا ابن أخ الله أرسلك؟ قال: نعم، قال: فأرني آية قال ادع لي تلك الشجرة فدعاها فأقبلت حتى سجدت بين يديه ثم انصرفت، فقال أبو طالب: أشهد أنك صادق يا علي صل على جناح ابن عمك. و روي عن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، عن أحمد بن زياد الهمداني، عن المنذر بن محمد، عن جعفر بن سليمان، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)، أنه قال: مثل أبي طالب مثل أهل الكهف حين أسروا الإيمان و أظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرتين. و روي عن محمد بن الحسن بن صيقل، عن الحسن بن علي بن فضال، عن مروان بن مسلم، عن ثابت بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس أنه سأله رجل فقال له: يا بن عم رسول الله أخبرني عن أبي طالب هل كان مسلما فقال: و كيف لم يكن مسلما و هو القائل. و قد علموا أن ابننا لا يكذب لدينا و لا ينبأ بقول الأباطل إن أبا طالب كان مثله مثل أصحاب الكهف، حين أسروا الإيمان و أظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين. و روى شيخ الطائفة في أماليه عن الحسين بن عبيد الله، عن هارون بن موسى، عن محمد بن همام، عن علي بن الحسين الهمداني، عن محمد بن خالد البرقي عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن الصادق، عن آبائه (عليهم السلام) أن أمير المؤمنين كان ذات يوم جالسا في الرحبة و الناس حوله مجتمعون فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنت بالمكان الذي أنزلك الله به، و أبوك معذب في النار فقال له علي (عليه السلام): مه فض الله فاك، و الذي بعث محمدا بالحق نبيا لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعة الله فيهم، أبي يعذب في النار و ابنه قسيم الجنة و النار؟ ثم قال: و الذي بعث محمدا بالحق نبيا إن نور أبي يوم القيامة يطفئ أنوار الخلائق إلا خمسة أنوار نور محمد و نوري و نور فاطمة و نور الحسن و الحسين و نور تسعة من ولد الحسين، فإن نوره من نورنا الذي خلقه الله قبل أن يخلق آدم بألفي عام، و الأخبار في ذلك من طرقنا كثيرة، أوردناها في كتاب بحار الأنوار. و قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: اختلف الناس في إسلام أبي- طالب فقالت الإمامية و أكثر الزيدية ما مات إلا مسلما، و قال بعض شيوخنا المعتزلة بذلك، منهم الشيخ أبو القاسم البلخي، و أبو جعفر الإسكافي و غيرهما، و قال أكثر الناس من أهل الحديث و العامة و من شيوخنا البصريين و غيرهم مات على دين قومه، و يروون في ذلك حديثا مشهورا أن رسول الله قال له عند موته قل يا عم كلمة أشهد لك بها غدا عند الله، فقال: لو لا أن تقول العرب أن أبا طالب خرج عند الموت لأقررت بها عينك. و روي أنه قال: أنا على دين الأشياخ، و قيل: إنه قال: أنا على دين عبد المطلب، و قيل: غير ذلك. و روى كثير من المحدثين أن قوله تعالى:" مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كٰانُوا أُولِي قُرْبىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحٰابُ الْجَحِيمِ وَ مٰا كٰانَ اسْتِغْفٰارُ إِبْرٰاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلّٰا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهٰا إِيّٰاهُ فَلَمّٰا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّٰهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ" الآية أنزل في أبي طالب لأن رسول الله استغفر له بعد موته و رووا أن قوله تعالى:" إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ" نزلت في أبي طالب، و رووا إن عليا جاء إلى رسول الله بعد موت أبي طالب فقال له إن عمك الضال قد قضى فما الذي تأمرني فيه. و احتجوا بأنه لم ينقل أحد عنه أنه رآه يصلي و الصلاة هي المفرقة بين المسلم و الكافر، و أن عليا و جعفرا لم يأخذا من تركته شيئا. و رووا عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال:" إن الله قد وعدني بتخفيف عذابه لما صنع في حقي و أنه في ضحضاح من نار". و رووا عنه أيضا" أنه قيل له: لو استغفرت لأبيك و أمك، فقال: لو استغفرت لهما لاستغفرت لأبي طالب، فإنه صنع إلى ما لم يصنعا، و أن عبد الله و آمنة و أبا طالب في حجرة من حجرات جهنم. فأما الذين زعموا أنه كان مسلما فقد رووا خلاف ذلك، فأسندوا خبرا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال:" قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): قال لي جبرئيل: إن الله مشفعك في ستة بطن حملتك آمنة بنت وهب، و صلب أنزلك عبد الله بن عبد المطلب، و حجر كفاك أبي طالب، و بيت آواك عبد المطلب، و أخ كان لك في الجاهلية- قيل: يا رسول الله ((صلى الله عليه و آله)) و ما كان فعله قال: كان سخيا يطعم الطعام، و يجوز بالنوال- و ثدي أرضعك حليمة بنت أبي ذؤيب. قالوا: و قد نقل الناس كافة عن رسول الله أنه قال:" نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية" فوجب بهذا أن يكون آباؤه كلهم منزهين عن الشرك، لأنهم لو كانوا عبدة أصنام لما كانوا طاهرين. قالوا: و أما ما ذكر في القرآن من إبراهيم و أبيه آزر و كونه ضالا مشركا فلا يقدح في مذهبنا، لأن آزر كان عم إبراهيم، فأما أبوه فتارخ بن ناحور و و سمي العم أبا كما قال:" أَمْ كُنْتُمْ شُهَدٰاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قٰالَ لِبَنِيهِ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قٰالُوا نَعْبُدُ إِلٰهَكَ وَ إِلٰهَ آبٰائِكَ" ثم عد فيهم إسماعيل و ليس من آبائه، و لكنه عمه. ثم قال: و احتجوا في إسلام الآباء بما روي عن جعفر بن محمد أنه قال: يبعث الله عبد المطلب يوم القيامة و عليه سيماء الأنبياء و بهاء الملوك. و روي أن العباس بن عبد المطلب قال لرسول الله بالمدينة: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما ترجو لأبي طالب؟ فقال: أرجو له كل خير من الله. و روي أن رجلا من رجال الشيعة و هو أبان بن أبي محمود كتب إلى علي ابن موسى الرضا جعلت فداك إني قد شككت في إسلام أبي طالب (عليه السلام) فكتب إليه" وَ مَنْ يُشٰاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدىٰ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ." الآية- و بعدها- إنك إن لم تقر بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار. و قد روي عن محمد بن علي الباقر (عليه السلام)" أنه سئل عما يقوله الناس إن أبا طالب في ضحضاح من نار؟ فقال: لو وضع إيمان أبي طالب في كفة ميزان و إيمان هذا الخلق في الكفة الأخرى لرجح إيمانه، ثم قال أ لم تعلموا أن أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) كان يأمر أن يحج عن عبد الله و آمنة و أبي طالب في حياته، ثم أوصى بوصيته بالحج عنهم. و قد روي أن أبا بكر جاء بأبي قحافة إلى النبي (صلى الله عليه و آله) عام الفتح يقوده و هو شيخ كبير أعمى، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ألا تركت الشيخ حتى نأتيه، فقال: أردت يا رسول الله أن يأجره الله، أما و الذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحا بإسلام عمك أبي طالب مني بإسلام أبي التمس بذلك قرة عين عينك، فقال صدقت. و روي أن علي بن الحسين (عليه السلام) سئل، عن هذا؟ فقال:" وا عجبا إن الله نهى رسوله أن يقر مسلمة على نكاح كافر، و قد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام و لم تزل تحت أبي طالب حتى مات". و يروي قوم من الزيدية أن أبا طالب أسند المحدثون عنه حديثا ينتهي إلى أبي رافع مولى رسول الله، قال: سمعت أبا طالب يقول بمكة:" حدثني محمد ابن أخي أن ربه بعثه بصلة الرحم، و أن يعبده وحده لا يعبد معه غيره، و محمد عندي الصادق الأمين" و قال قوم: إن قول النبي (صلى الله عليه و آله):" أنا و كافل اليتيم كهاتين في الجنة، إنما عنى به أبا طالب". و قالت الإمامية: إن ما يرويه العامة- من أن عليا و جعفرا لم يأخذا من تركة أبي طالب شيئا- حديث موضوع، و مذهب أهل البيت بخلاف ذلك، فإن المسلم عندهم يرث الكافر، و لا يرث الكافر المسلم، و لو كان أعلى درجة منه في النسب، قالوا: و قوله (صلى الله عليه و آله):" لا توارث بين أهل ملتين" نقول بموجبه لأن التوارث تفاعل، و لا تفاعل عندنا في ميراثهما، و اللفظ يستدعي الطرفين كالتضارب و لا يكون إلا من اثنين، قالوا: و حب رسول الله لأبي طالب معلوم مشهور، و لو كان كافرا ما جاز له حبه، لقوله تعالى" لٰا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ" الآية. قالوا: و قد اشتهر و استفاض الحديث، و هو قوله (صلى الله عليه و آله) لعقيل:" أنا أحبك حبين حبا لك و حبا لحب أبي طالب (عليه السلام) لك، فإنه كان يحبك". قالوا: و خطبة النكاح مشهورة خطبها أبو طالب عند نكاح محمد (صلى الله عليه و آله) خديجة و هي قوله:" الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، و زرع إسماعيل، و جعل لنا بلدا حراما، و بيتا محجوبا، و روي محجوبا، و جعلنا الحكام على الناس، ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي من لا يوازن به، فتى من قريش إلا رجح عليه برا و فضلا و حرما و عقلا و رأيا و نبلا، و إن كان في المال قل فإنما المال ظل زائل، و عارية مسترجعة، و له في خديجة بنت خويلد رغبة، و لها فيه مثل ذلك، و ما أحببتم من الصداق فعلي. و له و الله بعد بناء شائع، و خطب جليل" قالوا: أ فتراه يعلم بناءه الشائع، و خطبه الجليل، ثم يعانده و يكذبه، و هو من أولي الألباب هذا غير سائغ في المعقول. قالوا: و قد روي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال إن أصحاب الكهف أسروا الإيمان، و أظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرتين و إن أبا طالب أسر الإيمان و أظهر الشرك، فآتاه الله أجره مرتين" و في الحديث الصحيح المشهور إن جبرئيل قال له ليلة مات أبو طالب: اخرج منها فقد مات ناصرك. " و أما حديث الضحضاح من النار فإنما يرويه الناس كلهم عن رجل واحد و هو المغيرة بن شعبة، و بغضه لبني هاشم و على الخصوص لعلي (عليه السلام) مشهور معلوم و قصة و فسقه غير خاف. قالوا: و قد روي بأسانيد كثيرة بعضها عن العباس بن عبد المطلب، و بعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة أن أبا طالب ما مات حتى قال:" لا إله إلا الله محمد رسول الله" و الخبر مشهور أن أبا طالب عند الموت قال كلاما خفيا فأصغى إليه أخوه العباس ثم رفع رأسه إلى رسول الله فقال: يا بن أخي و الله لقد قالها عمك، و لكنه ضعف عن أن يبلغك صوته. و روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: ما مات أبو طالب حتى أعطى رسول الله من نفسه الرضا. قالوا: و أشعار أبي طالب تدل على أنه كان مسلما، و لا فرق بين الكلام المنظوم و المنثور، إذا نظمتا إقرارا بالإسلام، أ لا ترى أن يهوديا لو توسط جماعة من المسلمين و أنشد شعرا قد ارتجله، و نظمه يتضمن الإقرار بنبوة محمد (صلى الله عليه و آله) لكنا نحكم بإسلامه، كما لو قال أشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله) فمن تلك الأشعار قوله: يرجون منا خطة دون نيلها ضراب و طعن بالوشيج المقوم يرجون أن نسخى بقتل محمد و لم تختضب سم العوالي من الدم كذبتم و بيت الله حتى تقلقوا جماجم يلقى بالحطيم و زمزم و يقطع أرحام و تنسى حليلة حليلا و يغشى محرم بعد محرم على ما مضى من مقتكم و عقوقكم و غشيانكم في أمركم كل مأثم و ظلم نبي جاء يدعو إلى الهدي و امرأتي من عند ذي العرش قيم فلا تحسبونا مسلمية فمثله إذا كان في قوم فليس بمسلم و من شعر أبي طالب في أمر الصحيفة التي كتبها قريش في قطيعة بني هاشم: ألا أبلغا عني على ذات بينها لؤيا و خصا من لؤي بني كعب أ لم تعلموا إنا وجدنا محمدا رسولا كموسى خط في أول الكتب و أن عليه في العباد محبة و لا حيف فيمن خصه الله بالحب و إن الذي رقشتم في كتابكم يكون لكم يوما كراخية السقب أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الزبا و يصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب و لا تتبعوا أمر الغواة و تقطعوا أواصرنا بعد المودة و الغرب و تستجلبوا حربا عوانا و ربما أمر عن من ذاقه حلب الحرب فلسنا و بيت الله نسلم أحمد الغراء من غض الزمان و لا كرب و لما يبن منا و منكم سوالف و أيد أترت المهندة الشهب بمعترك ضنك ترى قصد القتابة و الضياع العرج تعكف كالشرب كان مجال الخيل في حجراته و غمغمة الأبطال معركة الحرب أ ليس أبونا هاشم شد أزره و أوصى بنيه بالطعان و بالضرب و لسنا نمل الحرب حتى تملنا و لا نشتكي مما ينوب من النكب و لكننا أهل الحفائظ و النهي إذا طار أرواح الكمأة من الرعب و من ذلك قوله: فلا تسفهوا أحلامكم في محمد و لا تتبعوا أمر الغواة الأشائم تمنيتم أن تقتلوه و إنما أمانيكم هذى كأحلام نائم و إنكم و الله لا تقتلونه و لما تروا قطف اللحى و الجماجم زعمتم بأنا مسلمون محمدا و لما نقاذف دونه و نزاحم من القوم مفضال أبي على العدي تمكن في الفرعين من آل هاشم أمين حبيب في العباد مسوم بخاتم رب قاهر في الخواتم يرى الناس برهانا عليه و هيبة و ما جاهل في قومه مثل عالم نبي أتاه الوحي من عند ربه و من قال لا يقرع بها سن نادم و من ذلك قوله: و قد غضب لعثمان بن مظعون الجمحي حين عذبته قريش و نالت منه. أمن تذكر دهر غير مأمون أصبحت مكتئبا تبكي كمحزون أم من تذكر أقوام ذوي سفه يغشون بالظلم من يدعو إلى الدين أ لا ترون أذل الله جمعكم إنا غضبنا لعثمان بن مظعون و نمنع الضيم من يبغي مضامتنا بكل مطرد في الكف مسنون و مرهفات كان الملح خالطها يشفي بها الداء من هام المجانين حتى تقر رجال لا حلوم لها بعد الصعوبة بالاسماح و اللين أو تؤمنوا بكتاب منزل عجب على نبي كموسى أو كذي النون قالوا: و قد جاء في الخبر أن أبا جهل بن هشام جاء مرة إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو ساجد، و بيده حجر يريد أن يرضخ به رأسه فلصق الحجر بكفه فلم يستطع ما أراد فقال أبو طالب في ذلك من جملة أبيات: أفيقوا بني عمنا و انتهوا عن الغي من بعض ذا المنطق و إلا فإني إذا خائف بوائق في داركم تلتقي كما ذاق من كان من قبلكم ثمود و عاد و من ذا بقي و منها: و أعجب من ذاك في أمركم عجائب في الحجر الملصق بكف الذي قام من حينه إلى الصابر الصادق المتقي فأثبته الله في كفه على رغمه الخائن الأحمق قالوا: و قد اشتهر عن عبد الله المأمون أنه كان يقول: أسلم أبو طالب و الله بقوله: نصرت الرسول رسول المليك ببيض تلألأ كلمع البروق أذب و أحمي رسول الإله حماية حام عليه شفيق و ما إن أدب لأعدائه دبيب البكار حذار الفنيق و لكن أزير لهم ساميا كما زار ليث بغيل مضيق قالوا: و جاء في السيرة و ذكره أكثر المؤرخين أن عمرو بن العاص لما خرج إلى بلاد الحبشة ليكيد جعفر بن أبي طالب و أصحابه عند النجاشي، قال: تقول ابنتي أين الرحيل؟ و ما البين مني بمستنكر فقلت دعيني فإني امرؤ أريد النجاشي في جعفر لأكويه عنده كية أقيم بها نخوة الأصعر و لن أنثني عن بني هاشم بما أسطعت في الغيب و المحضر و عن عائب اللات في قوله و لو لا رضا اللات لم تمطر و إني لأشني قريش له و إن كان كالذهب الأحمر قالوا فكان عمرو يسمى الشانئ ابن الشانئ لأن أباه كان إذا مر عليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) بمكة يقول له: و الله إني لأشنؤك و فيه أنزل" إِنَّ شٰانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ". قالوا: فكتب أبو طالب إلى النجاشي شعرا يحرضه فيه على إكرام جعفر و أصحابه و الإعراض عما يقوله عمرو فيه و فيهم من جملته: ألا ليت شعري كيف في الناس جعفر و عمرو و أعداء النبي الأقارب و هل نال إحسان النجاشي جعفرا و أصحابه أم عاق عن ذاك شاغب في أبيات كثيرة. قالوا: و روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: قال لي أبي: يا بني ألزم ابن عمك، فإنك تسلم به من كل بأس عاجل و آجل ثم قال لي: إن الوثيقة في لزوم محمد فاشدد بصحبته على أيديكا و من شعره المناسب لهذا المعنى قوله: إن عليا و جعفرا ثقتي عند ملم الزمان و النوب لا تخذلا و انصرا ابن عمكما أخي لأمي من بينهم و أبي و الله لا أخذل النبي و لا يخذله من بني ذو حسب قالوا: و قد جاءت الرواية أن أبا طالب لما مات جاء علي (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فإذنه بموته، فتوجع عظيما و حزن شديدا، ثم قال له: امض فتول غسله فإذا رفعته على سريره فأعلمني، ففعل، فاعترضه رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو محمول على رؤوس الرجال فقال له: وصلتك رحم يا عم و جزيت خيرا، فلقد ربيت و كفلت صغيرا، و نصرت و آزرت كبيرا، ثم تبعه إلى حفرته فوقف عليه، و قال أما و الله لاستغفرن لك، و لأشفعن فيك شفاعة يعجب لها الثقلان. قالوا: و المسلم لا يجوز أن يتولى غسل الكافر، و لا يجوز للنبي إن يرق لكافر، و لا أن يدعو له بخير، و لا أن يعده بالاستغفار و الشفاعة، و إنما تولى علي (عليه السلام) غسله لأن طالبا و عقيلا لم يكونا أسلما بعد، و كان جعفر بالحبشة، و لم تكن صلاة الجنائز شرعت بعد، و لا صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) على خديجة، و إنما كان تشييع ورقة و دعاء. قالوا: و من شعر أبي طالب يخاطب أخاه حمزة و كان يكنى أبا يعلى. فصبرا أبا يعلى على دين أحمد و كن مظهرا للدين وفقت صابرا و حط من أتى بالحق من عند ربه بصدق و عزم لا تكن حمز كافرا فقد سرني إذ قلت إنك مؤمن فكن لرسول الله في الله ناصرا و باد قريشا بالذي قد أتيته جهارا و قل ما كان أحمد ساحرا قالوا: و من شعره المشهور. أنت النبي محمد قرم أعز مسود لمسودين أكارم طابوا و طاب المولد نعم الأرومة أصلها عمر و الخضم الأوحد هشم الربيكة في الجفان و عيش مكة أنكد فجرت بذلك سنة فيها الخبيزة تثرد و لنا السقاية للحجيج بها يماث العنجد و المأزمان و ما حوت عرفاتها و المسجد أنى تضام و لم أمت و أنا الشجاع العربد و بطاح مكة لا يرى فيها نجيع أسود و بنو أبيك كأنهم أسد العرين توقد و لقد عهدتك صادقا في القول لا تتزيد ما زلت تنطق بالصواب و أنت طفل أمرد قالوا: و من شعره المشهور أيضا قوله يخاطب محمدا (صلى الله عليه و آله)، و يسكن جأشه و يأمره بإظهار الدعوة. لا يمنعنك من حق تقوم به أيد تصول و لا سلق بأصوات فإن كفك كفى إن بليت بهم و دون نفسك نفسي في الملمات و من ذلك قوله: (و يقال إنها لطالب بن أبي طالب) إذا قيل من خير هذا الورى قبيلا و أكرمهم أسره أناف لعبد مناف أب و فضله هاشم العزة لقد حل مجد بني هاشم مكان النعائم و النثرة و خير بني هاشم أحمد رسول الإله على فترة و من ذلك قوله: لقد أكرم الله النبي محمدا فأكرم خلق الله في الناس أحمد و شق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود و هذا محمد و قوله أيضا: (و قد يروى لعلي (عليه السلام)) يا شاهد الله علي فاشهد أني على دين النبي أحمد من ضل في الدين فإني مهتد قالوا: فكل هذه الأشعار قد جاءت مجيء التواتر، لأنه إن لم تكن آحادها متواترة فمجموعها يدل على أمر واحد مشترك، و هو تصديق محمد (صلى الله عليه و آله) و مجموعها متواتر، كما أن كل واحدة من قتلات علي (عليه السلام) الفرسان منقولة آحادا، و مجموعها متواتر، يفيدنا العلم الضروري بشجاعته، و كذلك القول فيما روي من سخاء حاتم، و حلم الأحنف و معاوية، و ذكاء إياس و خلاعة أبي نواس و غير ذلك. قالوا: و اتركوا هذا كله جانبا ما قولكم في القصيدة اللامية التي شهرتها كشهرة- قفا نبك- و إن جاز الشك فيها أو في شيء من أبياتها جاز الشك في- قفا نبك- و في بعض أبياتها و نحن نذكر منها هنا قطعة، و هي قوله: أعوذ برب البيت من كل طاعن علينا بسوء أو ملح بباطل و من فاجر يغتابنا بمغيبة و من ملحق في الدين ما لم نحاول كذبتم و بيت الله يبزى محمد و لما نطاعن دونه و نناضل و ننصره حتى نصرع دونه و نذهل عن أبنائنا و الحلائل و حتى نرى ذا الردع يركب ردعه من الطعن فعل الأنكب المتحامل و ينهض قوم في الحديد إليكم نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل و إنا و بيت الله من جد جدنا لتلتبسن أسيافنا بالأماثل بكل فتى مثل الشهاب سميدع أخي ثقة عند الحفيظة باسل و ما ترك قوم لا أبا لك سيدا يحوط الذمار غير نكس مؤاكل و أبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة و فواضل و ميزان صدق لا يخيس شعيرة و وزان صدق وزنه غير عائل أ لم تعلموا أن ابننا لا مكذب لدينا و لا يعبأ بقول الأباطل لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد و أحببته حب الحبيب المواصل وجدت بنفسي دونه فحميته و دافعت عنه بالذرى و الكواهل فلا زال للدنيا جمالا لأهلها و شينا لمن عادى و زين المحافل و أيده رب العباد بنصره و أظهر دينا حقه غير باطل و ورد في السيرة و المغازي أن عتبة بن ربيعة أو شيبة لما قطع رجل عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب يوم بدر أشبل عليه علي و حمزة فاستنقذاه منه، و خبطا عتبة بسيفيهما حتى قتلاه، و احتملا صاحبهما من المعركة إلى العريش، فألقياه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه و آله) و إن مخ ساقه ليسيل، فقال: يا رسول الله لو كان أبو طالب حيا لعلم أنه قد صدق في قوله: كذبتم و بيت الله نخلي محمدا و لما نطاعن دونه و نناضل و ننصره حتى نصرع حوله و نذهل عن أبنائنا و الحلائل فقالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله): استغفر له و لأبي طالب يومئذ، و بلغ عبيدة مع النبي (صلى الله عليه و آله) إلى الصفراء و مات فدفن بها. قالوا: و قد روي أن أعرابيا جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) في عام جدب فقال: أتيناك يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و لم يبق لنا صبي يرتضع و لا شارف يجتر، ثم أنشده: أتيناك و العذراء تدمى لبانها و قد شغلت أم الرضيع عن الطفل و ألقى بكفيه الفتى لاستكانة من الجوع حتى ما يمر و لا يحلي و لا شيء مما يأكل الناس عندنا سوى الحنظل العامي العلهز الفسل و ليس لنا إلا إليك فرارنا و أين فرار الناس إلا إلى الرسل فقام النبي (صلى الله عليه و آله) يجر رداءه حتى صعد المنبر، فحمد الله و أثنى عليه، و قال: " اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريعا سجالا غدقا طبقا دائما درا تحيي به الأرض و تنبت به الزرع، و تدر به الضرع، و اجعله سقيا نافعا عاجلا غير رائث" فو الله ما رد رسول الله (صلى الله عليه و آله) يده إلى نحره حتى ألقت السماء أرواقها و جاء الناس يضجون الغرق الغرق يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال: اللهم حوالينا، و لا علينا فانجاب السحاب عن المدينة حتى استدار حولها كالإكليل، فضحك رسول الله (صلى الله عليه و آله) حتى بدت نواجذه ثم قال: لله در أبي طالب لو كان حيا لقرت عينه من ينشدنا قوله؟ فقام علي فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) لعلك أردت: و أبيض يستسقي الغمام بوجهه؟ قال: أجل فأنشده أبياتا من هذه القصيدة، و رسول الله يستغفر لأبي طالب على المنبر. ثم قام رجل من كنانة فأنشده: لك الحمد و الحمد ممن شكر سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة إليه و أشخص منه البصر فما كان إلا كما ساعة أو أقصر حتى رأينا الدرر دفاق العزالي و جم البعاق أغاث به الله عليا مضر فكان كما قاله عمه أبو طالب ذو رواء غرر به يسر الله صوب الغمام فهذا العيان و ذاك الخبر فمن يشكر الله يلق المزيد و من يكفر الله يلقى الغير فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إن يكن شاعر أحسن فقد أحسنت. قالوا: و إنما لم يظهر أبو طالب الإسلام و يجاهر به، لأنه لو أظهره لم يتهيأ له من نصرة النبي ما تهيأ له، و كان كواحد من المسلمين الذين اتبعوه نحو أبي بكر و عبد الرحمن بن عوف و غيرهما ممن أسلم، و لم يتمكن من نصرته و القيام دونه حينئذ، و إنما تمكن أبو طالب من المحاماة عنه بالثبات في الظاهر على دين قريش و إن أبطن الإسلام كما لو أن إنسانا كان يبطن التشيع مثلا، و هو في بلد من بلاد الكرامية، و له في ذلك البلد وجاهة و قدم، و هو يظهر مذهب الكرامية و يحفظ ناموسه بينهم بذلك، و كان في ذلك البلد نفر يسير من الشيعة، لا يزالون ينالون بالأذى و الضرر من أهل ذلك البلد، و رؤسائه، فإنه ما دام قادرا على إظهار مذهب أهل البلد يكون أشد تمكنا من المدافعة و المحاماة عن أولئك النفر، فلو أظهر ما يجوز من التشيع و كاشف أهل البلد بذلك صار حكمه حكم واحد من أولئك النفر، و لحقه من الأذى و الضرر ما يلحقهم، و لم يتمكن من الدفاع أحيانا عنهم، كما كان أولا انتهى كلامه. و قد أشبعنا الكلام في ذلك في كتاب بحار الأنوار و سنورد تمام هذا الكلام في شرح كتاب الحجة، و فيما ذكرنا هيهنا كفاية لمن له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد. [تفسير قوله تعالى: ❮مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً❯]
الكافي — كتاب الروضة · كتاب الروضة