عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ وَ غَيْرِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ خَرَجَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَحْرَمَ فِيهِ أَحْرَمُوا وَ لَبِسُوا السِّلَاحَ فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ- خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لِيَرُدَّهُ قَالَ ابْغُونِي رَجُلًا يَأْخُذُنِي عَلَى غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ أَوْ مِنْ جُهَيْنَةَ فَسَأَلَهُ فَلَمْ يُوَافِقْهُ فَقَالَ ابْغُونِي رَجُلًا غَيْرَهُ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ آخَرَ إِمَّا مِنْ مُزَيْنَةَ وَ إِمَّا مِنْ جُهَيْنَةَ قَالَ فَذَكَرَ لَهُ فَأَخَذَهُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْعَقَبَةِ فَقَالَ مَنْ يَصْعَدْهَا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا حَطَّ اللَّهُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ لَهُمُ ادْخُلُوا الْبٰابَ سُجَّداً... نَغْفِرْ لَكُمْ خَطٰايٰاكُمْ قَالَ فَابْتَدَرَهَا خَيْلُ الْأَنْصَارِ الْأَوْسِ وَ الْخَزْرَجِ قَالَ وَ كَانُوا أَلْفاً وَ ثَمَانَمِائَةٍ فَلَمَّا هَبَطُوا إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ إِذَا امْرَأَةٌ مَعَهَا التفاسير و قد بسطنا الكلام فيها في كتاب بحار الأنوار فلا نخرج عما جرينا في هذا الكتاب عليه من الاختصار. الحديث الثالث و الخمسمائة: حسن. قوله (صلى الله عليه و آله):" أبغوني" قال الجزري: يقال: ابغني كذا بهمزة الوصل أي اطلب لي، و ابغني بهمزة القطع أي أعني على الطلب. قوله (عليه السلام):" من مزينة أو من جهينة" الترديد من الراوي و مزينة بضم الميم قبيلة من مضر، و جهينة أيضا بالضم اسم قبيلة. ابْنُهَا عَلَى الْقَلِيبِ فَسَعَى ابْنُهَا هَارِباً فَلَمَّا أَثْبَتَتْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)صَرَخَتْ بِهِ هَؤُلَاءِ الصَّابِئُونَ لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهُمْ بَأْسٌ فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَأَمَرَهَا فَاسْتَقَتْ دَلْواً مِنْ مَاءٍ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَشَرِبَ وَ غَسَلَ وَجْهَهُ فَأَخَذَتْ فَضْلَتَهُ فَأَعَادَتْهُ فِي الْبِئْرِ فَلَمْ تَبْرَحْ حَتَّى السَّاعَةِ وَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ أَبَانَ بْنَ سَعِيدٍ فِي الْخَيْلِ قوله (عليه السلام):" فلما أثبتت" يقال أثبته أي عرفه حق المعرفة. قوله (عليه السلام):" هؤلاء الصابئون" قال الجزري: يقال: صبأ فلان إذا خرج من دين إلى غيره، و كانت العرب تسمى النبي (صلى الله عليه و آله) الصابئ لأنه خرج من دين قريش إلى دين الإسلام. قوله (عليه السلام)" فلم تبرح حتى الساعة" أي لم يزل الماء من تلك البئر، و قد نقل هذا الإعجاز في روايات كثيرة على وجه آخر. منها: ما ذكره ابن الأثير في كامل التواريخ قال: لما نزلوا بالحديبية أخرج سهما من كنانته، فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل في قليب من تلك القلب، فغزره في جوفه، فجاش الماء بالري حتى ضرب الناس فيه بعطن، و كان اسم الذي أخذ السهم ناجية بن عمر سائق بدن النبي (صلى الله عليه و آله) انتهى. أقول: قد أوردنا الأخبار الكثيرة في ذلك في كتابنا الكبير في أبواب معجزاته (صلى الله عليه و آله) و لا تنافي بينهما كما جمع بينهما بعض أهل السير و ذكروا أن جريان الماء بين أصابعه (صلى الله عليه و آله) أيضا كان في تلك الغزوة. قوله (عليه السلام): أبان بن سعيد" أقول: ذكر أكثر المؤرخين مكانه بديل بن ورقاء الخزاعي و لا عبرة بقولهم في مقابلة الخبر المعتبر. فَكَانَ بِإِزَائِهِ ثُمَّ أَرْسَلُوا الْحُلَيْسَ فَرَأَى الْبُدْنَ وَ هِيَ تَأْكُلُ بَعْضُهَا أَوْبَارَ بَعْضٍ فَرَجَعَ وَ لَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَمَا وَ اللَّهِ مَا عَلَى هَذَا حَالَفْنَاكُمْ عَلَى أَنْ تَرُدُّوا الْهَدْيَ عَنْ مَحِلِّهِ فَقَالَ اسْكُتْ فَإِنَّمَا أَنْتَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ أَمَا وَ اللَّهِ لَتُخَلِّيَنَّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَ مَا أَرَادَ أَوْ لَأَنْفَرِدَنَّ فِي الْأَحَابِيشِ فَقَالَ اسْكُتْ حَتَّى نَأْخُذَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَلْثاً قوله (عليه السلام):" فكان بإزائه" أي أتى حتى قام بحذاء النبي (صلى الله عليه و آله) أو المراد أنه كان قائد عسكر المشركين، كما أنه (صلى الله عليه و آله) كان قائد عسكر المسلمين. قوله:" و هي تأكل بعضها أوبار بعض" كناية عن كثرتها و ازدحامها و اجتماعها و إنما قدم (صلى الله عليه و آله) البدن ليعلموا أنه لا يريد القتال بل يريد النسك. قوله:" حالفناكم" أي عاهدنا و حلفنا على الوفاء به. قوله:" على أن تردوا الهدى" بدل أو عطف بيان لقوله:" على هذا حالفناكم" قال الجزري: في حديث الحديبية" إن قريشا جمعوا لك الأحابيش" هم أحياء من القارة، انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشا، و التحبش: التجمع. و قيل حالفوا قريشا تحت جبل يسمى حبشيا فسموا بذلك. و قال الفيروزآبادي: حبشي بالضم- جبل بأسفل مكة، و منه أحابيش قريش لأنهم تحالفوا بالله إنهم ليد على غيرهم ما سجي ليل، و وضح نهار، و ما رسى حبشي انتهى. أي أعتزل معهم عنكم، و أمنعهم عن معاونتكم. قوله:" ولثا" الولث: العهد بين القوم يقع من غير قصد، أو يكون غير مؤكد فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ وَ قَدْ كَانَ جَاءَ إِلَى قُرَيْشٍ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ أَصَابَهُمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ كَانَ خَرَجَ مَعَهُمْ مِنَ الطَّائِفِ وَ كَانُوا تُجَّاراً فَقَتَلَهُمْ وَ جَاءَ بِأَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَنْ يَقْبَلَهَا وَ قَالَ هَذَا غَدْرٌ وَ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ قَدْ أَتَاكُمْ وَ هُوَ يُعَظِّمُ الْبُدْنَ قَالَ فَأَقِيمُوهَا فَأَقَامُوهَا فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مَجِيءَ مَنْ جِئْتَ قَالَ جِئْتُ أَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَ أَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ وَ أَنْحَرُ هَذِهِ الْإِبِلَ وَ أُخَلِّي عَنْكُمْ عَنْ لُحْمَانِهَا كذا ذكره الجوهري. أقول: قوله (عليه السلام):" و قد كان جاء" كانت هذه القصة على ما ذكره الواقدي أنه ذهب مع ثلاثة عشر رجلا من بني مالك إلى مقوقس سلطان الإسكندرية، و فضل مقوقس بني مالك على المغيرة في العطاء فلما رجعوا و كانوا في الطريق شرب بنو مالك ذات ليلة خمرا و سكروا، فقتلهم المغيرة حسدا و أخذ أموالهم، و أتى النبي (صلى الله عليه و آله) و أسلم فقبل (صلى الله عليه و آله) إسلامه و لم يقبل من ماله شيئا، و لم يأخذ منه الخمس لغدره، فلما بلغ ذلك أبا سفيان أخبر عروة بذلك، فأتى عروة رئيس بني مالك و هو مسعود بن عمرة، و كلمه في أن يرضى بالدية فلم يرض بنو مالك بذلك، و طلبوا القصاص من عشائر المغيرة، و اشتعلت بينهم نائرة الحرب، فأطفأها عروة بلطائف حيله، و ضمن دية الجماعة من ماله. و الإشارة إلى هذه القصة هيهنا لتمهيد ما سيذكر بعد ذلك من قوله:" و الله ما جئت إلا في غسل سلحتك" فقوله:" جاء إلى قريش" أي عروة و قوله:" في القوم" أي لأن يتكلم و يشفع في أمر المقتولين و قوله" كان خرج" أي المغيرة. قَالَ لَا وَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ رُدَّ عَمَّا جِئْتَ لَهُ إِنَّ قَوْمَكَ يُذَكِّرُونَكَ اللَّهَ وَ الرَّحِمَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِمْ بِلَادَهُمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ وَ أَنْ تَقْطَعَ أَرْحَامَهُمْ وَ أَنْ تُجَرِّيَ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)مَا أَنَا بِفَاعِلٍ حَتَّى أَدْخُلَهَا قَالَ وَ كَانَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ حِينَ كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)تَنَاوَلَ لِحْيَتَهُ وَ الْمُغِيرَةُ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فَقَالَ مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ هَذَا ابْنُ أَخِيكَ الْمُغِيرَةُ فَقَالَ يَا غُدَرُ وَ اللَّهِ مَا جِئْتَ إِلَّا فِي غَسْلِ سَلْحَتِكَ قَالَ فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ وَ أَصْحَابِهِ لَا وَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مُحَمَّدٍ رُدَّ عَمَّا قوله:" ما رأيت مثلك رد عما جئت له" قال: هذا على سبيل التعجب، أي- كيف يكون مثلك في الشرافة و عظم الشأن مردودا عن مثل هذا المقصد الذي لا يصلح أن يرد عنه أحد، و الحاصل أنك في جلالتك ينبغي أن لا ترد عن أي مقصد قصدته، و مقصدك في الخيرية بحيث لا ينبغي أن يمنع عنه أحد، و مع اجتماعهما يريد قومك أن يصدوك عن ذلك. قوله:" تناول لحيته" أي لحية الرسول، و كانت عادتهم ذلك فيما بينهم عند مكالمتهم، و لجهله بشأنه (صلى الله عليه و آله) و عدم إيمانه لم يعرف أن ذلك لا يليق بجنابة (صلى الله عليه و آله) قوله:" يا غدر" بضم الغين و فتح الدال- قال الجوهري: الغدر: ترك الوفاء و قد غدر به فهو غادر و غدر و أكثر ما يستعمل هذا في النداء بالشتم، يقال: يا غدر و في الحديث" أ لست أبتغي في غدرتك". و قال الجزري: في حديث الحديبية" قال عروة بن مسعود للمغيرة:" يا غدر و هل غسلت غدرتك إلا بالأمس غدر: معدول عن غادر للمبالغة، يقال للذكر غدر جَاءَ لَهُ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَأُثِيرَتْ فِي وُجُوهِهِمُ الْبُدْنُ فَقَالا مَجِيءَ مَنْ جِئْتَ قَالَ جِئْتُ لِأَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَ أَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ وَ أَنْحَرَ الْبُدْنَ وَ أُخَلِّيَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ لُحْمَانِهَا فَقَالا إِنَّ قَوْمَكَ يُنَاشِدُونَكَ اللَّهَ وَ الرَّحِمَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِمْ بِلَادَهُمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ وَ تَقْطَعَ أَرْحَامَهُمْ وَ تُجَرِّيَ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ قَالَ فَأَبَى عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِلَّا أَنْ يَدْخُلَهَا وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ عُمَرَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَشِيرَتِي قَلِيلٌ وَ إِنِّي فِيهِمْ عَلَى مَا تَعْلَمُ وَ لَكِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَقَالَ انْطَلِقْ إِلَى قَوْمِكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَبَشِّرْهُمْ بِمَا وَعَدَنِي رَبِّي مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ فَلَمَّا انْطَلَقَ عُثْمَانُ لَقِيَ أَبَانَ بْنَ سَعِيدٍ فَتَأَخَّرَ عَنِ السَّرْحِ فَحَمَلَ عُثْمَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ دَخَلَ و للأنثى غدار كقطام و هما مختصان بالنداء في الغالب. و قال في المغرب: السلح: التغوط. أقول: الظاهر أن قوله:" جئت" بصيغة المتكلم أي جئت الآن أو قبل ذلك عند إطفاء نائرة الفتنة لإصلاح قبائح أعمالك، فلم تمنعني عن الرسول (صلى الله عليه و آله) و يمكن أن يقرأ بصيغة الخطاب أي لم يكن مجيئك إلى النبي (صلى الله عليه و آله) للإسلام بل للهرب مما صنعت من الخيانة و أتيت من الجناية. قوله:" يناشدونك" أي يسألونك، و يقسمون عليك بالله و بالرحم التي بينك و بينهم في أن تدخل عليهم أي في تركه. قوله:" فتأخر عن السرج" أي ركب عثمان على السرج، و ركب خلفه تعظيما له. عُثْمَانُ فَأَعْلَمَهُمْ وَ كَانَتِ الْمُنَاوَشَةُ فَجَلَسَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ جَلَسَ عُثْمَانُ فِي عَسْكَرِ الْمُشْرِكِينَ وَ بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)الْمُسْلِمِينَ وَ ضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى لِعُثْمَانَ وَ قَالَ الْمُسْلِمُونَ طُوبَى لِعُثْمَانَ قَدْ طَافَ بِالْبَيْتِ وَ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ وَ أَحَلَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)مَا كَانَ لِيَفْعَلَ فَلَمَّا جَاءَ عُثْمَانُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَ طُفْتَ بِالْبَيْتِ فَقَالَ مَا كُنْتُ لِأَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)لَمْ يَطُفْ بِهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْقِصَّةَ وَ مَا كَانَ فِيهَا فَقَالَ لِعَلِيٍّ(عليه السلام)اكْتُبْ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ سُهَيْلٌ مَا أَدْرِي مَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِلَّا أَنِّي أَظُنُّ هَذَا الَّذِي بِالْيَمَامَةِ وَ لَكِنِ اكْتُبْ كَمَا نَكْتُبُ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ قَالَ وَ اكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ- رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو قوله:" و كانت المناوشة" المناوشة المناولة في القتال أي كان المشركون في تهيئة القتال أي عند ذلك وقع بين المسلمين و بينهم محاربة كما نقل. قوله:" و ضرب بإحدى يديه" ليتأكد عليه الحجة و العهد و الميثاق فيستوجب بنكثه أشد العذاب كما قال تعالى فيه و في أخويه و أضرابهم:" فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمٰا يَنْكُثُ عَلىٰ نَفْسِهِ". قوله:" ثم ذكر القصة" أي ما جرى بينه و بين قريش من حبسه و منعه عن الرجوع أو من طلبهم للصلح و إصرارهم على عدم دخوله في هذه السنة. و قيل قوله:- ثم ذكر- كلام الراوي أي ثم ذكر الصادق القضية و ما جرى فيها و ترك الراوي ذكرها اختصارا. قوله:" هذا الذي باليمامة" كانوا يقولون لمسيلمة رحمن اليمامة. قوله (عليه السلام):" هذا ما قاضي رسول الله" قال الجزري: في حديث الحديبية فَقَالَ سُهَيْلٌ فَعَلَى مَا نُقَاتِلُكَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ النَّاسُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ اكْتُبْ فَكَتَبَ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ النَّاسُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَ كَانَ فِي الْقَضِيَّةِ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنَّا أَتَى إِلَيْكُمْ رَدَدْتُمُوهُ إِلَيْنَا وَ رَسُولُ اللَّهِ غَيْرُ مُسْتَكْرِهٍ عَنْ دِينِهِ وَ مَنْ جَاءَ إِلَيْنَا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ إِلَيْكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِمْ وَ عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ فِيكُمْ عَلَانِيَةً غَيْرَ سِرٍّ وَ إِنْ كَانُوا لَيَتَهَادَوْنَ السُّيُورَ فِي الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ وَ مَا كَانَتْ قَضِيَّةٌ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْهَا " هذا ما قاضي عليه محمد" هو فاعل من القضاء: الفصل و الحكم، لأنه كان بينه و بين أهل مكة. قوله:" فقال الناس" أي كرر الصحابة و أعادوا هذا القول بعد سماعهم اسمه (صلى الله عليه و آله) تصديقا له، و ردا على من أنكره. قوله (عليه السلام):" و رسول الله (صلى الله عليه و آله) غير مستكره" أي لا يجبره الرسول (صلى الله عليه و آله) على الإسلام. قوله:" و على أن يعبد الله فيكم" أي أخذ النبي عليهم العهد أن لا يؤذوا المسلمين في مكة زاد الله شرفها و غيرها، و يعبدوا الله بينهم من غير تقية. قوله (عليه السلام):" و إن كانوا ليتهادون الستور" في بعض النسخ بالتاء المثناة الفوقانية و في بعضها بالياء المثناة التحتانية، فعلى الأول هو جمع الستر المعلق على الأبواب و غيرها، و على الثاني إما المراد المعروف المتخذ من الجلود أو نوع من الثياب. و قال الفيروزآبادي: السير- بالفتح- الذي يقد من الجلود، و الجمع سيور. لَقَدْ كَادَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ الْإِسْلَامُ فَضَرَبَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى أَبِي جَنْدَلٍ ابْنِهِ فَقَالَ أَوَّلُ مَا قَاضَيْنَا عَلَيْهِ و قال الجوهري: المسير من الثياب الذي فيه خطوط كالسيور و على التقادير هذا كلام الصادق لبيان ثمرة هذه المصالحة، و كثرة فوائدها بأنها صارت موجبة لأمن المسلمين بحيث كانوا يبعثون الهدايا من المدينة إلى مكة من غير منع و خوف، و رغب أهل مكة في الإسلام، و أسلم جم غفير منهم من غير حرب و قتال. قوله (عليه السلام):" فضرب سهيل" قال الشيخ أبو علي الطبرسي في مجمع البيان فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منا رجل و إن كان على دينك إلا رددته إلينا، و من جاءنا ممن معك لم نرده عليك، فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين و قد جاء مسلما، فقال رسول الله: من جاءهم منا فأبعده الله، و من جاءنا منهم رددناه إليهم فمن علم الله الإسلام من قلبه جعل له مخرجا، إلى أن قال: فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده، فقال النبي (صلى الله عليه و آله): إنا لم نقض بالكتاب بعد، قال: و الله إذا لا أصالحك على شيء فقال النبي فأجره لي، فقال: ما أنا بمجيره لك قال: بلى فافعل، قال: و ما أنا بفاعل قال مكرز: بلى قد أجرناه، قال أبو جندل بن سهيل: معاشر المسلمين أ أرد إلى المشركين و قد جئت مسلما أ لا ترون ما قد لقيت و كان قد عذب عذابا شديدا. و قال (رحمه الله) في كتاب أعلام الورى: فجاء أبو جندل إلى النبي (صلى الله عليه و آله) حتى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ هَلْ قَاضَيْتُ عَلَى شَيْءٍ جلس إلى جنبه، فقال أبوه سهيل: رده علي، فقال المسلمون لا ترده فقام (صلى الله عليه و آله) و أخذ بيده فقال (صلى الله عليه و آله): اللهم إن كنت تعلم أن أبا جندل لصادق فاجعل له فرجا و مخرجا ثم أقبل على الناس، و قال: إنه ليس عليه بأس، إنما رجع إلى أبيه و أمه و إني أريد أن أتم لقريش شرطها، و رجع رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى المدينة و أنزل الله في الطريق سورة الفتح" إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً". قال الصادق (عليه السلام) فما انقضت تلك المدة حتى كاد الإسلام يستولي على أهل مكة و لما رجع رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى المدينة انفلت بصير بن أسيد بن حارثة الثقفي من المشركين و بعث الأخنس بن شريق في أثره رجلين فقتل أحدهما و أتى رسول الله (صلى الله عليه و آله) مسلما مهاجرا، فقال: مسعر حرب لو كان معه أحد ثم، قال شأنك بسلب صاحبك و اذهب حيث شئت فخرج أبو بصير و معه خمسة نفر كانوا قدموا معه مسلمين حتى كانوا بين العص و ذي المروة من أرض جهينة على طريق عيرات قريش مما يلي سيف البحر، و انفلت أبو جندل بن سهيل في سبعين راكبا أسلموا فلحق بأبي بصير و اجتمع إليهم ناس من غفار و أسلم و جهينة حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل و هم مسلمون لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها، و قتلوا أصحابها فأرسلت قريش أبا سفيان بن حرب إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) يسألونه و يتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير و أبي جندل و من منهم فيقدموا على و قالوا من خرج منا إليك فأمسكه من غير حرج أنت فيه، فعلم الذين كانوا أشاروا على رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن يمنع أبا جندل من أبيه- بعد القصة أن طاعة رسول الله (صلى الله عليه و آله) خير لهم فيما أحبوا و فيما كرهوا. قوله (صلى الله عليه و آله):" و هل قاضيت على شيء" أي لم يتم الصلح، و لم يكتب الكتاب فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مَا كُنْتَ بِغَدَّارٍ قَالَ فَذَهَبَ بِأَبِي جَنْدَلٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَدْفَعُنِي إِلَيْهِ قَالَ وَ لَمْ أَشْتَرِطْ لَكَ قَالَ وَ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِأَبِي جَنْدَلٍ مَخْرَجاً بعد فليس هذا داخلا فيما نقاضي عليه كما مر فيما أورده الطبرسي. و قال الفاضل الأسترآبادي: قصده (صلى الله عليه و آله) إنه ما قاضينا على شيء نافع لك فإنه كان عالما بأن أبا بصير بن أسيد و أبا جندل يتقلبان من المشركين في سبعين راكبا يسلمون على يد أبي جندل و يجتمع عليهم ناس من غفار و أسلم و جهينة حتى يبلغوا ثلاثمائة مقاتل كلهم مسلمون لا يمر عليهم عير لقريش إلا أخذوها و قتلوا أصحابها و هو ما فهم قصد النبي (صلى الله عليه و آله)، انتهى، و لا يخفى بعده. قوله (صلى الله عليه و آله):" و لم أشترط لك" أي ليس هذا شرطا يخصك بل هذا شرط قاضينا عليه لمصلحة عامة المسلمين، و لا بد من ذلك أو المراد لم تكن أنت داخلا في هذا الشرط لمجيئك قبل تمام الكتاب لكن هؤلاء يجبروننا عليه، أو ما كنت اشترطت لك عليهم أن تكون مستثنى من ذلك، فلا يمكننا الغدر معهم، و هذا أظهر و يحتمل على بعد أن يكون إشارة إلى ما وعده (صلى الله عليه و آله) بالخلاص و النجاة على سبيل الاستفهام الإنكاري، أي أ لم أشترط لك بالنجاة. و قال ابن الأثير في الكامل: فبينا رسول الله يكتب الكتاب إذ جاء أبو جندل ابن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلما رأى سهيل ابنه أخذه و قال: يا محمد قد تمت القضية بينك و بيني قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت و أخبره ليرده إلى قريش فصاح أبو جندل أنا معشر المسلمين أرد إلى المشركين ليفتنوني عن ديني، فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): احتسب، فإن الله جاعل لك و لمن اتبعك من المستضعفين فرجا و مخرجا، إنا قد أعطينا القوم عهودنا على ذلك فلا نغدر بهم. [تفسير قوله تعالى: ❮أَوْ جٰاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ❯]
الكافي — كتاب الروضة · كتاب الروضة