سليم بن قيس في كتابه عقيب الحديث السابق قال: فقال طلحة بن عبد الله وكان يقال له داهية قريش: فكيف تصنع بما ادعاه أبو بكر وعمر وأصحابهما الذين شهدوا وصدقوه على مقالته يوم أتوا بك تعتل وفي عنقك الحبل فما احتججت به من شئ إلا صدقوا حجتك، فادعى أبو بكر أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إن الله آلى أن يجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة فصدقوه وشهدوا له، منهم عمر وأبو عبيدة وسالم ومعاذ بن جبل، ثم أقبل طلحة فقال: كل الذي ادعيت وذكرته واحتججت به من السابقة والفضل نحن نعترف بذلك، وأما الخلافة فقد شهد أولئك ما سمعوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال عند ذلك علي (عليه السلام) وقد غضب من مقالة طلحة، فأخرج شيئا كان يكتمه وفسر شيئا كان قد قاله، وهو أنه كان قاله يوم مات عمر ولم يدروا ما عنى به، ثم أقبل على طلحة والناس يسمعون ثم قال: يا طلحة أما والله ما صحيفة ألقى الله بها يوم القيامة أحب إلي من صحيفة هؤلاء الخمسة الذين تعاهدوا على الوفاء بها في الكعبة في حجة الوداع إن قتل محمد أو مات أن يتوازروا علي ويتظاهروا على أن لا تصل الخلافة إلي، والدليل يا طلحة على ما شبهوا به قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم: من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه، فكيف أكون أولى بهم من أنفسهم وهم الأمراء والحكام علي؟ وقول رسول الله لي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة، فلو كان مع النبوة غيرها لاستثناها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقوله: إني تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وعترتي ولا تقدموهم ولا تتخلفوا عنهم ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم. فينبغي أن لا تكون الخلافة على الأمة إلا لأعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) وقد قال الله عز وجل: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون). قال: (وزاده بسطة في العلم والجسم) وقال: (وأثارة من علم إن كنتم صادقين)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما ولت أمة قط أمرها رجلا وفيهم من أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا إلى ما تركوا، فما الولاية غير الإمارة على الأمة. والدليل على كذبهم وباطلهم وفجورهم أنهم سلموا علي بإمرة المؤمنين بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي الحجة عليك وعليهم خاصة وعلى هذا الذي معك - يعني الزبير - وعلى الأمة، وأشار إلى سعد وابن عوف، وخليفتكم هذا القائم - يعني عثمان -، وإنا معشر الشورى ستة أحياء كلنا فلم جعلني عمر في الشورى؟ أن قد صدق هو وأصحابه على رسول الله أنه قال: ليس لنا في الخلافة شئ أليس أمرنا شورى في الخلافة أم في غيرها، وإن زعمتم إنما جعلها في غير أمارة فليس لعثمان أمارة لأنه أمرنا أن نشاور في غيرها، وإن كانت المشاورة فيها فلم؟ أدخلني فيكم؟ فهلا أخرجني وقد كان شهد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخرج أهل بيته من الخلافة وأخبر أنه لا نصيب له فيها، ولم قال عمر لعثمان حين دعانا رجلا رجلا لابنه وكان شاهدا، يا عبد الله بن عمر أنشدك الله ما قال لك حين خرجت؟ فقال عبد الله: أما إذا ناشدتني فإنه قال: إن يبايعوا أصلع بني هاشم يحملهم على المحجة البيضاء وأقامهم على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه قال: فقال علي: ما قلت له حين قال لك ذلك، قال: قلت: ما يمنعك أن تستخلفه، قال: فما رد عليك؟ قال: رد علي شيئا أكتمه. قال علي: فإن رسول الله أخبرني به قبل موته بثلاثة أيام، وليلة مات فيها أبوك رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منامي، ومن رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منامه فقد رآه، فقال له ابن عمر: فما أخبرك؟ فقال له علي: (عليه السلام) أنشدك بالله إني إن أخبرك لتصدقني، قال ابن عمر: أو أسكت، قال: فإنه حين قال لك قلت له أنت: فما يمنعك أن تستخلفه؟ قال: الصحيفة التي كتبناها والعهد في الكعبة في حجة الوداع، قال: فسكت ابن عمر، فقال [ علي]: أسألك بحق رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أمسكه عني؟ قال: أبان - يعني ابن أبي عياش - عن سليم: فرأيت ابن عمر في ذلك المجلس وقد خنقته العبرة وعيناه تسيلان، ثم أقبل علي على طلحة والزبير وابن عوف وسعد فقال: والله إن كان أولئك الخمسة كذبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فما يحل لكم ولا لهم، وإن كان صدقوا فما حل لكم أن تدخلوني معكم في الشورى، إن إدخالكم إياي فيها خلاف على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورغبة عنه. ثم أقبل على الناس فقال: أخبروني عن منزلتي فيكم وما تعرفوني به أصادق عندكم أم كذاب؟ فقالوا: صادق صدوق مصدق ما علمنا والله إنك ما كذبت في جاهلية ولا إسلام، قال: فوالله الذي أكرمنا أهل البيت بالنبوة فجعل منا محمدا وأكرمنا من بعده أن جعلنا أئمة المؤمنين من بعده لا يبلغ عنه غيرنا ولا تصلح الخلافة والإمامة إلا فينا ولم يجعل لأحد من الناس فيها ولا نصيبا ولا حقا من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فخاتم النبيين ليس بعده نبي ولا رسول ختم به الأنبياء إلى يوم القيامة وختم بالقرآن الكتب إلى يوم القيامة، وجعلنا الله خلفاء محمد وشهداء في الطاعة على خلقه، وفرض طاعتنا في كتابه وأقرننا بنفسه وبينه من بعده في غير آية من القرآن، والله جعل محمدا نبيا اجتباه في كتابه المنزل، ثم أمر الله حين أشهد نبيه عليه السلام أن يبلغ ذلك عنه، فبلغهم كما أمره وأنهم أحق بمجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبمكانه أو ما سمعتم حين بعثني ببراءة، فقال: لا يصلح أن يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني فلم يصلح لصاحبكم أن يبلغ عنه صحيفة قدر أربع أصابع ولن يصلح أن يكون لها المبلغ غيري، فأيهما أحق بمجلسه وبمكانه الذي سماه الله خاصة أنه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو من خصه من بين الأمة أنه ليس من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال طلحة: قد سمعنا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ففسر لنا كيف لا يصلح لأحد يبلغ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد سمعناه قال لنا ولجميع سائر الناس: ليبلغ الشاهد منكم الغائب عني، قال: تعرفه حين حج رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجة الوداع؟ فقال (رضي الله عنه): من سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها غيره فرب حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاثة لا يغل عليها قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله والسمع والطاعة والمناصحة لولاة الأمر ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم محيطة من ورائهم، وقال في غير موطن: فليبلغ الشاهد الغائب، فقال علي (عليه السلام): إن الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم وفي حجة الوداع ويوم قبض آخر خطبة خطبها حين قال: تركت فيكم أمرين لن تضلوا، ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وأهل بيتي، وإن اللطيف الخبير عهد إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين الأصبعين وإن أحدهما أقدم من الآخر فتمسكوا بهما لن تضلوا ولا تولوا ولا تقدموهم ولا تتخلفوا عنهم ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، إنما أمر من يقول من العامة بإجابة طاعة الأئمة من آل محمد وإيجاب حقهم ولم يقل في ذلك شيئا من الأشياء غير ذلك فإنما أمر العامة أن يبلغوا العامة بحجة من لا يبلغ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما بعثه الله به غيرهم ألا ترى يا طلحة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لي وأنتم تسمعون: إنه لا يقضي ديني ولا يبري ذمتي ويؤدي ديني وأمانتي ويقاتل عن سنتي غيري، فلما ولي أبو بكر ما قضى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دينه ولا عداته فاتبعتهما جمعيا فقضيتهما عنه، وأخبرني أنه لا يقضي دينه ولا عداته غيري فلم يكن ما أعطاهم أبو بكر قضاء لدينه وعداته وإنما علي قضى دينه وعداته هو الذي قضى وأبرأ ذمته وقضى أمانته، وإنما يبلغ عن رسول الله جميع ما أتى به عن الله عز وجل من بعده الأئمة الذين افترض الله في الكتاب طاعتهم وأمر بولايتهم، والذين من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله فقال طلحة فرجت عني ما كنت أدري ما عنى بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى فسرتها لي فجزاك الله يا أبا الحسن عن جميع الأمة حسنة.
غاية المرام وحجة الخصام — الباب الحادي والعشرون في قول النبي لعلي (عليهما السلام): أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا · والعشرون في قول النبي لعلي (عليهما السلام): أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.