من الجزء الثاني من كتاب (المغازي) عن ابن إسحاق قال: لما قدم وفد نجران على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعليهم الحلل وخواتيم الذهب فسلموا على النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يرد عليهم وتصدوا لكلامه (عليه السلام) نهارا طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب فانطلقوا يبتغون عثمان ابن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكانوا بمعرفة لهما [ فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن] إن نبيكم قد كتب إلينا كتابا فأقبلنا إليه وسلمنا عليه فلم يرد علينا السلام وتصدينا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمنا فما رأيكما أنعود أم نرجع؟ فقالا لعلي (عليه السلام): ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم، فقال علي لعثمان ولعبد الرحمن: " أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا إليه "، ففعل وفد نجران ذلك فوضعوا حللهم وخواتيمهم وأتوا النبي (صلى الله عليه وآله) فسلموا فرد سلامهم ثم قال: " والذي بعثني بالحق لقد أتوا المرة الأولى وإن إبليس لمعهم " ثم سألهم وسألوه فلم يزل به وبهم المسألة حتى قالوا: ما تقول في عيسى؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى ليسرنا إن كنت نبيا أن نعلم ما تقول فيه؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ما عندي فيه شئ هذا فأقيموا حتى أخبركم ما يقال لي في عيسى " فأصبح من الغد وقد أنزل الله تعالى عليه (إن مثل عيسى عند لله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكونن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جائك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) فأبوا أن يقروا بذلك فأصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) مشتملا على علي والحسن والحسين [ في خميل له] وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة [ وله يومئذ عدة نسوة] فقال شرحبيل لصاحبه: يا عبد الله بن شرحبيل ويا جبار ابن فض قد علمتم أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عند رأيي فإني والله أرى أمرا مقفلا والله إن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا فكنا أول العرب طعن في عيبته ورد عليه أمره، ولا يذهب لنا من صدور قومه حتى يصبونا بجائحة، وإنا لأدنى العرب منهم جوازا ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك. فقال له صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم فقد وضعتك الأمور على ذراع فهات رأيك؟ فقال: رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا فقالا: أنت وذاك، فتلقى شرحبيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك فقال: " وما هو " فقال: شرحبيل حكمك اليوم وليلتك إلى الصباح فبما حكمت فينا فهو جائز، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لعل ورائك أحد يثرب عليك ". فقال له شرحبيل: سل صاحبي، فسألهما فقالا: ما يورد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل وداعه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " كافر جاحد موفق " فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يلاعنهم حتى إذا كان من الغداة أتوه وكتب لهم هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتبه محمد (صلى الله عليه وآله) لنجران: أن كان عليهم حكمه في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فأفضل عليهم وترك ذلك كله على ألفي حلة في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة أو قيمه ما زادت حلل الخرج أو نقصت [ إلى أن قال: بعثه رسول الله إلى نجران]. ليجمع صدقاتهم ويقدم عليهم بجزيتهم ".
غاية المرام وحجة الخصام — الباب الثالث في قوله تعالى (فمن حاجك فيه من بعد ما جائك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأ · قوله تعالى (فمن حاجك فيه من بعد ما جائك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنائكم)