قال عز الدين ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة وهو من أعيان علماء المخالفين من المعتزلة: أعلم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو فخر بنفسه وبالغ في تعديد مناقبه وفضائله بفصاحته التي آتاه الله إياها واختصه بها وساعده على ذلك فصحاء العرب كافة لم يبلغوا إلى معشار ما نطق به الرسول الصادق (صلوات الله عليه) في أمره ولست أعني الأخبار العامة الشائعة التي تحتج بها الإمامية على إمامته كخبر الغدير والمنزلة وقصة براءة وخبر المناجاة وقصة خيبر وخبر الدار بمكة في ابتداء الدعوة ونحو ذلك بل الأخبار الخاصة التي رواها أئمة الحديث التي لم يحصل أقل القليل منها لغيره، وأنا أذكر من ذلك شيئا يسيرا مما رواه علماء الحديث الذين لا يتهمون فيه وجلهم قائلون بتفضيل غيره عليه فروايتهم فضائله يوجب سكون النفس ما لا توجبه رواية غيرهم. الخبر الأول: " يا علي إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إليه منها هي زينة الأبرار عند الله تعالى الزهد في الدنيا جعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا ولا ترزأ الدنيا منك شيئا ووهب لك حب المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعا ويرضون بك إماما ". رواه أبو نعيم الحافظ في كتابه المعروف بحلية الأولياء وزاد فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في المسند فطوبى لمن أحبك وصدق فيك وويل لمن أبغضك وكذب فيك. الخبر الثاني: قال لوفد ثقيف: " لتسلمن أو لأبعثن إليكم رجلا مني "، أو قال: " عديل نفسي (عليه السلام) فليضربن أعناقكم وليأخذن أموالكم "، قال عمر فما تمنيت الإمارة إلا يومئذ وجعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول هو هذا فالتفت وأخذ بيد علي وقال: " هو هذا " مرتين رواه أحمد في المسند ورواه في كتاب فضائل علي (عليه السلام) أنه قال: " لتنتهن يا بني وليعة أو لأبعثن إليكم رجلا كنفسي يمضي فيكم أمري يقتل المقاتلة ويسبي الذرية ". قال أبو ذر: فما راعني إلا برد كف عمر في حجزتي من خلفي يقول من تراه يعني؟ فقلت: إنه لا يعنيك وإنما يعني خاصف النعل بالبيت وإنه قال هو ذا. الخبر الثالث: " إن الله عهد إلي عهدا ". فقلت: وما هو بينه لي؟ قال: " إسمع إن عليا راية الهدى وإمام أوليائي ونور من أطاعني وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين من أحبه فقد أحبني ومن أطاعه فبشره بذلك ". فقلت: اللهم أجل قلبه وأجعل ربيعة الإيمان بك، قال: قد فعلت ذلك غير إني مختصه بشئ من البلاء لم أختص به أحدا من أوليائي. فقلت: " رب أخي وصاحبي ". قال: إنه سبق في علمي إنه لمبتل ومبتلى به. ذكره أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء عن أبي بريره الأسلمي ثم رواه بإسناد آخر بلفظ آخر عن أنس ابن مالك: " إن رب العالمين عهد إلي في علي عهدا أنه راية الهدى ومنار الإيمان وإمام أوليائي ونور جميع من أطاعني إن عليا أميني غدا في القيامة وصاحب رايتي بيد علي [ مفاتيح] خزائن رحمة ربي ". الخبر الرابع: " من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه وإلى آدم في علمه وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في فطنته وإلى عيسى في زهده فلينظر إلى علي بن أبي طالب ". رواه أحمد بن حنبل في المسند ورواه أحمد البيهقي في صحيحه. الخبر الخامس: " من سره أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويتمسك بالقضيب الأحمر من الياقوتة التي خلقها الله بيده تعالى، ثم قال لها كوني فكانت فليتمسك بولاء علي بن أبي طالب "، ذكره أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء ورواه أحمد بن حنبل في المسند في كتاب فضائل علي بن أبي طالب وحكاية لفظ أحمد " من أحب أن يتمسك بالقضيب الأحمر الذي غرسه الله في جنة عدن بيمينه فليتمسك بحب علي بن أبي طالب. الخبر السادس: " والذي نفسي بيده لولا أن تقول طوائف من أمتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم لقلت فيك مقالا لا تمر بملأ من المسلمين إلا أخذ التراب من تحت قدميك للبركة "، ذكره أبو عبد الله أحمد بن محمد في المسند. الخبر السابع: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الحجيج عشية عرفة فقال لهم " إن الله باهى بكم الملائكة عامة وغفر لكم عامة وباهى بعلي خاصة إني قائل لكم قولا غير محاب فيه لقرابتي إن السعيد كل السعيد حق السعيد من أحب عليا في حياته وبعد موته ". رواه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في كتاب فضائل علي (عليه السلام) وفي المسند أيضا. الخبر الثامن: رواه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في الكتابين المذكورين " أنا أول من يدعى به يوم القيامة فأقوم عن يمين العرش في ظله ثم أكسى حلة ثم يدعى بالنبيين بعضهم على أثر بعض فيقومون عن يمين العرش ويكسون حللا ثم يدعى بعلي بن أبي طالب لقرابته مني ومنزلته عندي ثم يدفع إليه لوائي لواء الحمد آدم ومن دونه تحت ذلك اللواء "، ثم قال لعلي (عليه السلام): " فتسير به حتى تقف بيني وبين إبراهيم الخليل ثم تكسى حلة وينادي مناد من العرش نعم الأب أبوك إبراهيم ونعم الأخ أخوك نوح أبشر فإنك تدعى إذا دعيت وتكسى إذا كسيت وتحيى إذ حييت ". الخبر التاسع: " يا أنس أسكب لي وضوء " ثم قام فصلى ركعتين ثم قال: " أول من يدخل من هذا الباب إمام المتقين وسيد المسلمين ويعسوب المؤمنين وخاتم الوصيين وقائد الغر المحجلين " قال أنس فقلت اللهم اجعله رجلا من الأنصار وكتمت دعوتي فجاء علي (عليه السلام) فقال (صلى الله عليه وآله): " من جاء يا أنس "؟ فقلت علي فقام إليه مستبشرا فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه. فقال علي: " يا رسول الله لقد رأيت اليوم منك تصنع بي شيئا ما صنعته بي قبل ". قال: " وما يمنعني وأنت تؤدي عني وتسمعهم صوتي وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي ". رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء. الخبر العاشر: " ادعوا لي سيد العرب عليا "، فقالت عائشة ألست سيد العرب؟ فقال: " أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب ". فلما جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه، فقال: " يا معشر الأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا "؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: " هذا علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي "، ثم قال: " جبرائيل أمرني بالذي قلت لكم عن الله عز وجل ". رواه الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء. الخبر الحادي عشر: " مرحبا بسيد المؤمنين وإمام المتقين " فقيل لعلي كيف شكرك فقال: " أحمد الله على ما أتاني وأسأله الشكر على ما أولاني وأن يزيدني مما أعطاني " ذكره صاحب الحلية أيضا. الخبر الثاني عشر: " من سره أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن التي غرسها الله فليوال عليا من بعدي وليوال وليه وليقتدي بالأئمة من بعدي فإنهم عترتي خلقوا من طينتي فرزقوا علما وفهما فويل للمكذبين من أمتي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي " ذكره صاحب الحلية أيضا. الخبر الثالث عشر: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) خالد بن الوليد في سرية وبعث عليا (عليه السلام) في سرية أخرى وكلاهما إلى اليمن وقال: " إن اجتمعتما فعلي على الناس وإن افترقتما فكل واحد منكما على جنده " فاجتمعا وأغارا وسبيا نساء وأخذا أموالا وقتلا ناسا فأخذ علي (عليه السلام) جارية فاختصها لنفسه فقال خالد لأربعة من المسلمين منهم بريدة الأسلمي استبقوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاذكروا له كذا واذكروا له كذا لأمور عددها على علي (عليه السلام) فسبقوا إليه فجاء واحد من جانبه فقال إن عليا فعل كذا فأعرض عنه فجاء الآخر من الجانب الآخر فقال إن عليا فعل كذا فأعرض عنه فجاء بريدة الأسلمي فقال: يا رسول الله إن عليا فعل كذا وأخذ جارية لنفسه، فغضب (صلى الله عليه وآله) حتى احمر وجهه وقال: " ادعوا لي عليا " يكررها: " إن عليا مني وأنا من علي وإن حظه في الخمس أكثر مما أخذ وهو ولي كل مؤمن بعدي " رواه أبو عبد الله أحمد في المسند غير مرة ورواه في كتاب فضائل علي ورواه أكثر المحدثين. الخبر الرابع عشر: " كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام فلما خلق آدم قسم ذلك النور فيه وجعله جزئين فجزء أنا وجزء علي " رواه أحمد في المسند وفي كتاب فضائل علي بن أبي طالب وذكره صاحب كتاب الفردوس وزاد فيه: " ثم انتقلنا حتى صرنا في عبد المطلب فكان لي النبوة ولعلي الوصية ". الخبر الخامس عشر: " النظر إلى وجهك يا علي عبادة أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة من أحبك أحبني وحبيبي حبيب الله وعدوك عدوي وعدوي عدو الله الويل لمن أبغضك " رواه أحمد في المسند قال وكان ابن عباس يفسره فيقول إن من ينظر إليه يقول سبحان الله ما أعلم هذا الفتى سبحان الله ما أشجع هذا الفتى سبحان الله ما أفصح هذا الفتى. الخبر السادس عشر: لما كان ليلة بدر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من يستقي لنا ماء فأحجم الناس فقام علي فاحتضن قربة ثم أتى بئرا بعيدة القعر مظلمة فانحدر فيها فأوحى الله إلى جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أن تأهبوا لنصرة محمد وأخيه وحزبه فهبطوا من السماء لهم لغطة تذهل من يسمعه فلما جاؤوا إليه سلموا عليه من عند آخرهم إكراما له وإجلالا رواه أحمد (رضي الله عنه) في كتاب فضائل علي (عليه السلام) وزاد فيه في طريق آخر عن أنس بن مالك " لتؤتين يا علي يوم القيامة بناقة من نوق الجنة فتركبها وركبتك مع ركبتي وفخذك مع فخذي حتى تدخل الجنة ". الخبر السابع عشر: خطب (صلى الله عليه وآله) الناس يوم جمعة فقال: " أيها الناس قدموا قريشا ولا تتقدموها وتعلموا منها ولا تعلموها قوة رجل من قريش تعدل قوة رجلين من غيرهم أيها الناس أوصيكم بحب ذي قرباها أخي وابن عمي علي بن أبي طالب لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني ومن أبغضني عذبه الله بالنار " رواه أحمد (رضي الله عنه) في كتاب فضائل علي (عليه السلام). الخبر الثامن عشر: " الصديقون ثلاثة حبيب بن النجار الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ومؤمن آل فرعون الذي يكتم إيمانه وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم " رواه أحمد في كتاب فضائل علي (عليه السلام). الخبر التاسع عشر: " أعطيت في علي خمسا هن أحب إلي من الدنيا وما فيها أما واحدة فهو بمكاني بين يدي الله عز وجل حتى يفرغ من حساب الخلائق وأما الثانية فلواء الحمد بيده آدم ومن ولد تحته، وأما الثالثة فواقف على عقر حوضي يسقي من عرف من أمتي، وأما الرابعة فساتر عورتي ومسلمني إلى ربي وأما الخامسة فإني لست أخشى عليه أن يعود كافرا بعد إيمان ولا زانيا بعد إحصان " رواه أحمد في كتاب الفضائل. الخبر العشرون: كانت لجماعة من الصحابة أبواب شارعة في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فقال (عليه السلام) يوما: " سدوا كل باب في المسجد إلا باب علي فسدت " فقال في ذلك قومه حتى بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقام فيهم [ فقال]: " إن قوما قالوا في سد الأبواب وتركي باب علي إني ما سددت ولا فتحت ولكني أمرت بأمر فاتبعته " رواه أحمد في المسند مرارا وفي كتاب الفضائل. الخبر الحادي والعشرون: دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا في غزوة الطائف فانتجاه وأطال نجواه حتى كره قوم من الصحابة ذلك فقال قائل منهم لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه فبلغه (صلى الله عليه وآله) ذلك فجمع منهم قوما ثم قال: " إن قائلا قال لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه أما إني ما انتجيته ولكن الله انتجاه " رواه أحمد في المسند. الخبر الثاني والعشرون: " أخصمك يا علي بالنبوة فلا نبوة بعدي وتخصم الناس بسبع لا يجادل فيها أحد من قريش أنت أولهم إيمانا وأوفاهم بعهد الله وأقومهم بأمر الله وأقسمهم بالسوية وأعدلهم في الرعية وأبصرهم بالقضية وأعظمهم عند الله مزية " رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء. الخبر الثالث والعشرون: قالت يعني فاطمة: " زوجتني فقيرا لا مال له ". فقال: " زوجتك أقدمهم سلما وأعظمهم حلما وأكثرهم علما ألا تعلمين أن الله اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك ثم اطلع إليها ثانية فاختار منها بعلك " رواه أحمد في المسند. الخبر الرابع والعشرون: لما أنزل (إذا جاء نصر الله والفتح) بعد انصرافه (عليه السلام) من غزوة حنين جعل يكثر من سبحان الله واستغفر الله ثم قال: " يا علي إنه قد جاء ما وعدت به جاء الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا وإنه ليس أحد أحق منك بمقامي لقدمك في الإسلام وقربك مني وصهرك وعندك سيدة نساء العالمين وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب عندي حين نزل القرآن فأنا حريص على أن أراعي ذلك لولده " رواه أبو إسحاق الثعلبي في تفسير القرآن. ثم قال ابن أبي الحديد عقيب هذه الأخبار وأعلم أنا إنما ذكرنا هذه الأخبار هاهنا لأن كثيرا من المنحرفين عنه (عليه السلام) إذا مروا على كلامه في نهج البلاغة وغيره المتضمن التحدث بنعمة الله عليه من اختصاص الرسول (صلى الله عليه وآله) وتمييزه إياه عن غيره ينسبونه إلى التيه والزهو والفخر، ولقد سبقهم بذلك قوم من الصحابة قيل لعمر (رضي الله عنه): ول عليا أمر الجيش والحرب، فقال: هو أتيه من ذلك، وقال زيد ابن ثابت: ما رأينا أزهى من علي وأسامة. فأردنا بإيراد هذه الأخبار هاهنا عند شرح قوله (عليه السلام): نحن الشعار والأصحاب ونحن الخزنة والأبواب، أن ننبه على عظم منزلته عند الرسول (صلى الله عليه وآله) وأن من قيل في حقه ما قيل لو رقى إلى السماء وعرج في الهواء وفخر على الملائكة والأنبياء تعظما وتبجحا لم يكن ملوما بل كان بذلك جديرا فكيف وهو (عليه السلام) لم يسلك قط مسلك التعظيم والتكبير في شئ من أقواله وأفعاله وكان ألطف البشر خلقا وأكرمهم طبعا وأشدهم تواضعا وأكثرهم احتمالا وأحسنهم بشرا وأطلقهم وجها حتى نسبه من نسبه إلى الدعابة والمزاح وهما خلقان ينافيان التكبر والاستطالة، وإنما كان يذكر أحيانا ما يذكر من هذا النوع نفثة مصدور وشكوى مكروب وتنفس مهموم ولا يقصد به إذا ذكره إلا شكر النعمة وتنبيه الغافل على ما خصه الله به من الفضيلة فإن ذلك من باب الأمر بالمعروف، والحض على اعتقاد الحق والصواب في أمره، والنهي عن المنكر الذي هو تقديم غيره عليه في الفضل، فقد نهى الله سبحانه عن ذلك فقال (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون). وقال ابن أبي الحديد في موضع من الشرح: وأما فضائله (عليه السلام) فإنها قد بلغت من العظم والانتشار مبلغا يسمج معه التعرض لذكرها والتصدي لتفصيلها فصارت كما قال أبو العيناء لعبيد الله بن يحيى ابن خاقان وزير المتوكل والمعتمد رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر الذي لا يخفى على الناظر فأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك ووكلت الأخبار عنك إلى علم الناس بك. فما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل ولا يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في مشرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره والتحريض عليه ووضع المعائب والمثالب له ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو ترفع له ذكرا حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلا رفعة وسموا، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه وكلما كتم تضوع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح وكضوء النهار إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة أخرى، وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة وتنتمي إليه كل فرقة وتتجاذبه كل طائفة فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها وسابق مضمارها ومجلي حلبتها كل من برع فيها بعده فمنه أخذ وله اقتفى وعلى مثاله احتدى، وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الإلهي لأن شرف العلم بشرف المعلوم ومعلومه أشرف الموجودات فكان هو أشرف العلوم ومن كلامه (عليه السلام) اقتبس وعنه نقل وإليه انتهى ومنه ابتدأ، فإن المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر ومنهم تعلم الناس هذا الفن تلامذته وأصحابه لأن كبيرهم وأصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه (عليه السلام) ثم ساق ابن أبي الحديد كلامه برجوع علماء أهل الإسلام وفقهائهم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). وقد أنصف الشافعي محمد بن إدريس إذ قيل له ما تقول في علي فقال وماذا أقول في رجل أخفت أولياؤه فضائله خوفا وأخفت أعداؤه فضائله حسدا وشاع من بين ذين ما ملأ الخافقين. كتاب ابن مردويه قال نافع بن الأزرق لعبد الله بن عمر إني أبغض عليا فقال أبغضك الله أتبغض رجلا سابقة من سوابقه خير من الدنيا وما فيها. أقول: نافع بن الأزرق هو مولى عمر بن الخطاب خارجي وعبد الله بن عمر مخالف لأمير المؤمنين (عليه السلام) ناصبي.
غاية المرام وحجة الخصام — الباب التاسع عشر في سعة فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) من طريق العامة وفيه ستة أحاديث · سعة فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)