ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة وهو من أكابر علماء العامة من معتزلة بغداد قال في الشرح في أمير المؤمنين (عليه السلام): وأما الزهد فهو سيد الزهاد وبدل الأبدال وإليه تشد الرحال وعنده تنفض الأحلاس، ما شبع من طعام قط، وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا قال: قال عبد الله بن أبي رافع، دخلت عليه يوم عيد فقدم جرابا مختوما، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا فقدم فأكل فقلت: يا أمير المؤمنين كيف تختمه؟ قال: " خفت هذين الولدين أن يليناه بسمن أو زيت " فكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة وبليف أخرى، ونعلاه من ليف، وكان يلبس الكرابيس الغليظ، فإذا كان كمه طويلا قطعه بشفرة ولم يخطه، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمة له وكان يتأدم إذا ايتدم بخل أو ملح، فإن ترقى عن ذلك فبعض نبات الأرض، فإن أرتفع عن ذلك فقليل من البان الإبل ولا يأكل اللحم إلا قليلا ويقول: " لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان " وكان مع ذلك أشد الناس قوة وأعظمهم أيدا، لم ينقص الجوع قوته ولا تخون الاقلال منثه، وهو الذي طلق الدنيا، وكانت الأموال تجئ إليه من جميع بلاد الإسلام إلا من الشام فكان يفرقها ويمزقها ثم يقول: هذا جناي وخياره فيه إذ كل جان يده إلى فيه.
غاية المرام وحجة الخصام — الباب التاسع والعشرون والمائة في زهد أمير المؤمنين (عليه السلام) من طريق العامة وفيه ستة و · والعشرون والمائة في زهد أمير المؤمنين (عليه السلام)