أشهرها محمّد و قد نطق به القرآن المجيد، و اشتقاقه من الحمد، يقال حمدته أحمده إذا أثبت عليه بجليل خصاله، و أحمدته إذا صادفته محمودا، و بناء اسمه يعطي المبالغة في بلوغه غاية المحمدة. و من أسمائه أحمد و قد نطق به القرآن أيضا، و اشتقاقه من الحمد كأحمر من الحمرة، و يجوز أن يكون لغتا في الحمد. قال ابن عباس رضي اللّه عنه: اسمه في التوراة أحمد الضحوك القتّال، يركب البعير و يلبس الشملة، و يجتزئ بالكسرة [1]، سيفه على عاتقه. و من أسمائه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الماحي، عن جبير بن مطعم عن أبيه قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ لي أسماء أنا محمّد، و أنا أحمد، و أنا الماحي يمحى بي الكفر، و قيل تمحى به سيّئات من اتّبعه، و يجوز أن يمحى به الكفر و سيّئات تابعيه، و أنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، و أنا العاقب و هو الذي لا نبي بعده، و كلّ شيء خلف شيئا فهو عاقب، و المقفى و هو بمعنى العاقب لأنّه تبع الأنبياء، يقال فلان يقفوا أثر فلان أي يتبعه. و من أسمائه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الشاهد لأنّه يشهد في القيامة للأنبياء (عليهم السلام) بالتبليغ على الأمم بأنّهم بلّغوا، قال اللّه تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [2] أي شاهدا و قال اللّه تعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [3] و البشير من البشارة لأنّه يبشّر أهل الإيمان بالجنّة، و النذير لأهل النّار بالخزي نعوذ باللّه العظيم، و الداعي إلى اللّه لدعائه إلى اللّه و توحيده و تمجيده، و السراج المنير لإضاءة الدنيا به و محو الكفر بأنوار رسالته كما قال العباس عمّه رضي اللّه عنه يمدحه: و أنت لمّا ولدت أشرقت الأر ض و ضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء و في النور و سبل الرشاد نخترق [4] و من أسمائه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نبي الرحمة، قال اللّه تعالى عزّ و جلّ: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [5]. و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّما أنا رحمة مهداة، و الرحمة في كلام العرب العطف و الرأفة و الإشفاق، و كان بالمؤمنين رحيما كما وصفه اللّه تعالى، و قال عمّه أبو طالب رحمه اللّه يمدحه: و أبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل و من أسمائه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نبي الملحمة ورد في الحديث، و الملحمة الحرب، و سمّي بذلك لأنّه بعث بالذبح. و روي أنّه سجد يوما فأتى بعض الكفّار بسلا [1] ناقة فألقاه على ظهره، فقال: يا معشر قريش أي جوار هذا و الذي نفس محمّد بيده لقد جئتكم بالذبح، فقام إليه أبو جهل و لاذ به من بينهم و قال: يا محمّد ما كنت جهولا، و سمّي بنبي الملحمة بذلك. و من أسمائه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الضحوك كما تقدم أنّه ورد في التوراة، و إنّما سمّي بذلك لأنّه كان طيّب النفس، و قد ورد أنّه كان فيه دعابة [2] و قال: إنّي لأمزح و لا أقول إلّا حقّا، و قال لعجوز: الجنّة لا تدخلها العجز، فبكت، فقال: إنّهنّ يعدن أبكارا. و روي عنه مثل هذا كثيرا. و كان يضحك حتّى يبدو ناجذه [3]، و قد ذكر اللّه سبحانه لينه و رفقه فقال: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [4] و كذلك كانت صفته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على كثرة من ينتابه [5] من جفاة العرب و أجلاف البادية، لا يراه أحد ذا ضجر و لا ذا جفاء و لكن لطيفا في المنطق، رفيقا في المعاملات، ليّنا عند الجوار، كأنّ وجهه إذا عبست الوجوه دارة القمر عند امتلاء نوره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و من أسمائه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) القتّال، سيفه على عاتقه، سمّي بذلك لحرصه على الجهاد و مسارعته إلى القراع، و دؤبه في ذات اللّه و عدم إحجامه، و لذلك قال علي (عليه السلام): كنّا إذا احمرّ البأس اتّقيناه برسول اللّه، لم يكن منّا أحد أقرب إلى العدوّ منه، و ذلك مشهور من فعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم أحد، إذ ذهب القوم في سمع الأرض و بصرها، و يوم حنين إذ ولّوا مدبرين و غير ذلك من أيّامه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى أذلّ بإذن اللّه صناديدهم، و قتل طواغيتهم و دوّخهم [6] و اصطلم جماهيرهم، و كلّفه اللّه القتال بنفسه فقال: لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ [1] فسمّي القتّال. و من أسمائه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المتوكّل و هو الذي يكل أموره إلى اللّه، فإذا أمره اللّه بشيء نهض به غير هيوب و لا ضرع [2]، و اشتقاقه من قولنا رجل و كل، أي ضعيف، و كان (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا دهمه أمر عظيم أو نزلت به ملمّة راجعا إلى اللّه عزّ و جلّ غير متوكّل على حول نفسه و قوّتها، صابرا على الضنك و الشدّة، غير مستريح إلى الدّنيا و لذّاتها، لا يسحب إليها ذيلا، و هو القائل: مالي و للدنيا إنّما مثلي و مثل الدنيا كراكب أدركه المقيل في أصل شجرة فقال [3] في ظلّها ساعة و مضى. و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إذا أصبحت آمنا في سربك، معافي في بدنك [4]، عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفا. و قال لبعض نسائه: أ لم أنهك أن تحبسي شيئا لغد فإنّ اللّه يأتي برزق كلّ غد. و من أسمائه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) القثم [5] و له معنيان أحدهما من القثم و هو الإعطاء لأنّه كان أجود بالخير من الريح الهابة، يعطي فلا يبخل، و يمنح فلا يمنع، و قال الأعرابي الذي سأله: إنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر. و روي أنّه أعطى في يوم هوازن من العطايا ما قوّم بخمسمائة ألف ألف و غير ذلك ممّا لا يحصى. و الوجه الآخر: إنّه من القثم و هو الجمع يقال للرجل الجموع للخير قثوم و قثم كذا حدّث به الخليل، فإن كان هذا الاسم من هذا فلم تبق منقبة رفيعة و لا خلّة جليلة و لا فضيلة نبيلة إلّا و كان لها جامعا. قال ابن فارس: و الأوّل أصحّ و أقرب. و من أسمائه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الفاتح لفتحه أبواب الإيمان المنسدّة، و إنارته الظلم المسودّة، قال اللّه تعالى في قصّة من قال: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ [6] أي أحكم، فسمّي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاتحا لأنّ اللّه سبحانه حكّمه في خلقه يحملهم على المحجّة البيضاء، و يجوز أن يكون من فتحه ما استغلق من العلم، و كذا روي عن علي (عليه السلام) أنّه كان يقول في صفته: الفاتح لما استغلق، و الوجهان متقاربان. و من أسمائه: الأمين و هو مأخوذ من الأمانة و أدائها، و صدق الوعد و كانت العرب تسمّيه بذلك قبل مبعثه، لما شاهدوه من أمانته، و كلّ من أمنت منه الخلف و الكذب فهو أمين، و لهذا وصف به جبرئيل (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [1]. و من أسمائه (عليه السلام) الخاتم، قال اللّه تعالى: خاتَمَ النَّبِيِّينَ [2] من قولك ختمت الشيء أي تممته و بلغت آخره، و هي خاتمة الشيء و ختامه، و منه ختم القرآن و خِتامُهُ مِسْكٌ أي آخر ما يستطعمونه عند فراغهم من شربه ريح المسك، فسمّي به لأنّه آخر النبيّين بعثة، و إن كان في الفضل أوّلا، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، و أوتيناه من بعدهم. فأمّا المصطفى فقد شاركه فيه الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله و عليهم أجمعين، و معنى الاصطفاء الاختيار، و كذلك الصفوة و الخيرة إلّا أنّ اسم المصطفى على الإطلاق ليس إلّا له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لأنّا نقول آدم مصطفى، نوح مصطفى، إبراهيم مصطفى، فإذا قلنا المصطفى تعيّن (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ذلك من أرفع مناقبه و أعلى مراتبه. و من أسمائه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الرسول و النبي الأمّي، و الرسول و النبي قد شاركه فيهما الأنبياء (عليهم السلام)، و الرسول من الرسالة و الإرسال، و النبي يجوز أن يكون من الأنباء و هو الأخبار، و يحتمل أن يكون من نبأ إذ ارتفع، سمّي بذلك لعلوّ مكانه و لأنّه خيرة اللّه من خلقه. و أمّا الأمّي فقال قوم: إنّه منسوب إلى مكة و هي أمّ القرى، كما قال تعالى: بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا [3] و قال آخرون: أراد الذي لا يكتب. قال ابن فارس: و هذا هو الوجه لأنّه أدلّ على معجزه، فإنّ اللّه علّمه علم الأوّلين و الآخرين، و من علم الكائنات ما لا يعلمه إلّا اللّه تعالى و هو امّي و الدليل عليه قوله تعالى: ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [4] و روي عنه: نحن أمّة امّيّة لا نقرأ و لا نكتب، و قد روي غير ذلك. و من أسمائه يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [1]، يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [2]، و معنا هما واحد، يقال: زمله في ثوبه أي لفّه، و تزمّل بثيابه أي تدثّر. و الكريم في قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [3] و سمّاه نورا في قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ [4]. و من أسمائه نعمة في قوله: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها [5] و عبدا في قوله: نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ [6] و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا تدعني إلّا بيا عبده لأنّه أشرف أسمائي. و رءوفا و رحيما في قوله تعالى: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [7] و سمّاه عبد اللّه في قوله تعالى: وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [8] و سمّاه طه و يس، و منذرا في قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ [9] و مذكّر في قوله: إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ [10]. و نبي التوبة، و روى البيهقي في كتاب دلائل النبوّة باسناده عن ابن عباس قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ اللّه خلق الخلق [11] قسمين فجعلني في خير هما قسما و ذلك قوله تعالى: وَ أَصْحابُ الْيَمِينِ [12] وَ أَصْحابُ الشِّمالِ [13] فأنا من أصحاب اليمين و أنا من خير أصحاب اليمين، ثمّ جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا فذلك قوله: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ [14] وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ [15] وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [1] فأنا من السابقين و أنا خير السابقين، ثمّ جعل الأثلاث قبايل فجعلني في خيرها قبيلة و ذلك قوله تعالى: وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا [2] فأنا أتقى ولد آدم و أكرمهم على اللّه و لا فخر، ثمّ جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا و ذلك قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [3] فأنا و أهل بيتي مطهّرون من الذّنوب، و قد رواه ابن الأخضر الجنابذي و ذكره في كتابه معالم العترة النبوية، و قال عمّه أبو طالب رضي اللّه عنه: و شقّ له من اسمه كي يجلّه فذو العرش محمود و هذا محمّد و قيل إنّه لحسّان من قصيدة أوّلها: أ لم تر أنّ اللّه أرسل عبده و برهانه و اللّه أعلى و أمجد و من صفاته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) التي وردت في الحديث: راكب الجمل، و محرّم الميتة، و خاتم النبوّة، و حامل الهراوة- و هي العصاء الضخمة- و الجمع الهراوي بفتح الواو مثال المطايا، و رسول الرحمة، و قيل إنّ اسمه في التوراة بماد ماد، و صاحب الملحمة، و كنيته أبو الأرامل، و اسمه في الإنجيل الفارقليط، و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أنا الأوّل و الآخر، الأوّل في النبوّة و آخر في البعثة، و كنيته أبو القاسم. و روى أنس أنّه لمّا ولد له إبراهيم من مارية القبطيّة أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: السلام عليك أبا إبراهيم أو يا أبا إبراهيم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
كشف الغمة — ذكر النبي صلى الله عليه و آله و سلم · ذكر أسمائه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)