و قال ابن طلحة في الفصل الذي أفرده في فضله و علمه: هذا فصل في إرجائه مجال المقال واسع، و لسان البيان ضارع [1]، و ثاقب المناقب لامع، و فجر المآثر طالع، و مراح الامتداح جامع، و فضاء الفضائل شاسع [2]، فهو لمن تمسّك بهداه نافع، و لمن تمسّك بعراه رافع، فيا له من فضل! فضل كئوس ينبوعه لذّة للشاربين، و دروس مضمونه مفرحة للكرام الكاتبين، و غروس مستودعه من مستحسنات حسنات المقرّبين، يعظم عند التحقيق قدر وقعه، و يعمّ أهل التوفيق شمول نفعه، و يتم أجر مؤلفه بجمعه، و هو لمن وقف عليه قيد بصره و سمعه، و لم أورد فيه ما يصل إليه وارد الاضطراب، و لا أودعته ما يدخل عليه زائد الارتياب، و لا ضمّنه غثا تمجّه أصداف الأسماع [1]، و لا غثاء تقذفه أصناف الألباب، بل مرتّب له أخلاف رواية الخلف عن السلف، حتّى اكتنف بزبد الأوطاب [2]، و نظمت فيه جواهر درّ صرّحت بها ألسن السنن، و نطقت بها آيات الكتاب، و قرّرته بأدلّة نظر محكمة الأسباب بالصواب، هامية السحاب بالمحاب، و مفتّحة الأبواب للطلّاب، مثمرة إن شاء اللّه لجامعها جميل الثناء، و جزيل الثواب، فمن ذلك قوله تعالى و تقدّس: لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ [3]. (روى الإمام أبو إسحاق إبراهيم الثعلبي في تفسيره) يرفعه بسنده قال: لمّا نزلت هذه الآية وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعلي (عليه السلام): سألت اللّه أن يجعلها أذنك يا علي، قال علي: فما نسيت شيئا بعد ذلك، و ما كان لي أن أنسى. و روى الثعلبي و الواحدي كلّ واحد منهما يرفعه بسنده الثعلبي في تفسيره و الواحدي في تصنيفه الموسوم ب (أسباب النزول) إلى بريدة الأسلمي قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول لعلي: إنّ اللّه أمرني أن أدنيك و لا أقصيك، و أن أعلّمك و أن تعي، حقّ على اللّه أن تعي، قال: فنزلت: وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ. و من ذلك قوله تعالى: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [4]. رواه المذكوران في تفسيرهما أنّها نزلت في عليّ (عليه السلام) و في الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لامّه، و ذلك أنّه كان بينهما تنازع في شيء، فقال الوليد لعلي (عليه السلام): أسكت فإنّك صبي و أنا و اللّه أبسط منك لسانا، و أحدّ سنانا، و أملأ للكتيبة منك. فقال علي (عليه السلام): اسكت فإنّك فاسق، فأنزل اللّه سبحانه تصديقا لعلي: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ يعني بالمؤمن عليا، و بالفاسق الوليد، و كفى بهذه القصة شهادة من اللّه عزّ و علا لعليّ بكمال فضيلته، و إنزاله قرآنا يتلى على الأبد بتصديق مقالته، و وصفه إيّاه بالإيمان الذي هو عنوان عمله و نتيجة معرفته، و قد نظم هذه القصة حسّان بن ثابت فقال: أنزل اللّه و الكتاب عزيز في علي و في الوليد قرآنا فنبوا الوليد من ذاك فسقا و علي مبوّأ إيمانا ليس من كان مؤمنا عرف اللّه كمن كان فاسقا خوّانا سوف يجزى الوليد خزيا و نارا و علي لا شك يجزى جنانا فعلي يلقى لدى اللّه عزّا و وليد يلقى هناك هوانا و فشت هذه الأبيات من قول حسان، و هذا الوليد جدّه أبو معيط كان أبوه ذكوان يقول: إنّه ابن اميّة بن عبد شمس، و قيل: لم يكن ابنه بل كان عبده فاستخلفه [1] فكان ينسب إلى غير أبيه، و أسلم يوم فتح مكّة و ولّاه عثمان الكوفة في خلافته، إذ كان أخاه لامّه، فبقي واليا يشرب الخمر حتّى صلّى الفجر في مسجدها بالناس أربع ركعات و هو سكران، ثمّ قال: أزيدكم؟ و روي أنّه قاء في المحراب و عرف الناس ذلك و قال الحطيئة فيه: شهد الحطيئة يوم يلقى ربّه أنّ الوليد معاقر الخمر [2] (الأبيات بتمامها) و قصّته و أخذ الحد منه معلوم، و اشتهر حاله و ظهر فسقه و عزل عن الكوفة، و مات بالرقة [3]، فانظر إلى الحكمة الإلهية التي هي سرّ هذه القضيّة، فإنّه حيث أخبر علي (عليه السلام) بفسقه اظهره اللّه ذلك للناس من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، و من الخبر إلى المعاينة، فكان الخمر جامعا لأسباب الفسوق و سوء السمعة، ثمّ أخذ الحد منه على رءوس الأشهاد ليتحقق له ما وصفه به أمير المؤمنين (عليه السلام) و إذا ثبتت هذه الصفة للوليد تعيّن ثبوت الصفة الاخرى لعلي (عليه السلام) و هي الإيمان. و من ذلك ما نقله القاضي الإمام أبو محمّد الحسين بن مسعود البغوي عن أنس أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمّا خصّص جماعة من الصحابة كلّ واحد بفضيلة، خصّص عليّا (عليه السلام) بعلم القضاء، فقال: و أقضاهم علي، و قد صدع هذا الحديث بمنطوقه و صرّح بمفهومه أنّ أنواع العلم و أقسامه قد جمعها لعلي دون غيره، فإنّ كلّ واحد ممّن اختصّ بصفة لا يتوقف حصولها على غيرها من الصفات و الفضائل، فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: أفرضهم زيد بن ثابت، و أقرؤهم أبي، و أعرفهم بالحلال و الحرام معاذ بن جبل، و كلّ واحدة من هذه لا تفتقر إلى غيرها بخلاف علم القضاء، و قد حصلت لعليّ بصيغة أفعل، و هي تقتضي وجود أصل ذلك الوصف و زيادة فيه على غيره، و المتصف بها يجب أن يكون كامل العقل، صحيح التمييز، جيّد الفطنة، بعيدا عن السهو و الغفلة، يتوصّل بفطنته إلى وضوح ما أشكل، و فصل ما أعضل، ذا عدالة تحجزه عن أن يحوم حول حمى المحارم، و مروّة تحمله على محاسن الشيم، و مجانبة الدنايا، صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفا عن المحظورات، مأمونا في السخط و الرضا، عارفا بالكتاب و السنّة، و الإتقان للاختلاف و القياس، و لغة العرب، ليقدم المحكم على المتشابه، و الخاص على العام، و المبيّن على المجمل، و الناسخ على المنسوخ، و يبني المطلق على المقيّد، و يقضي بالتواتر دون الآحاد، و المسند دون المرسل، و المتصل دون المنقطع، و بالإتقان دون الاختلاف، و يعرف أنواع الأقيسة من الجلي و الواضح و الخفي ليتوصّل بها إلى الأحكام، و يعرف أقسام الأحكام من الواجب و المحظور و المندوب و المكروه، و لا يتّصف بالقضاء من لم يجمع هذه الامور، و يستولي على الأمد و الغاية فيها. و من المعلوم أنّ عليّا (عليه السلام) حاز فيها قصبات السبق، و شأى [1] في إحراز غاياتها جميع الخلق، و هذا حصل له ببركة دعاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حين أنفذه إلى اليمن و قد تقدم ذكر ذلك، فقال: ترسلني و لا علم لي بالقضاء؟ فقال له: إنّ اللّه سيهدي قلبك و يثبّت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينّ حتّى تسمع من الآخر كما سمعت من الأوّل، فإنّه أحرى أن تبين لك القضاء، قال: فما زلت قاضيا و ما شككت في قضاء بعد. و من ذلك ما نقله البغوي في كتابه شرح السنّة، يرفعه إلى أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: إنّ فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول اللّه؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول اللّه؟ قال: لا، و لكن خاصف النعل، و كان علي (عليه السلام) قد أخذ نعل رسول اللّه و هو يخصفها، فقضى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ عليّا يقوم بالقتال على تأويل القرآن كما قام هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالقتال على تنزيله، و التنزيل مختص برسول اللّه، فإنّ اللّه أنزله عليه لأنواع من الحكم أرادها. قال اللّه تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [1] و قال عزّ و جلّ: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ... وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [2] و قال عزّ من قائل: وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [3] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذه الحكم التي تنزيله طريق إلى تحصيلها يختص بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا يمكن حصولها إلّا بتنزيله، فمن أنكر التنزيل فقد كذب به و جحده، و اتّصف بالكفر، كما قال: وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ [4] وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [5]. فأنكروا التنزيل على ما نطق به القرآن المجيد: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [6] فتعيّن قتالهم إلى أن يؤمنوا، فقاتلهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى أن دخلوا في دين اللّه أفواجا، فهذا بيان القتال على تنزيله. و أمّا تأويله فهو تفسيره، و ما يؤول إليه آخر مدلوله، فمن حمل القرآن على معناه الذي يقتضيه لفظه من مدلول الخطاب، و فسّره بما يتأوّله من معانيه المرادة به فقد أصاب سنن الصواب، و من صدف عن ذلك و صرفه عن مدلوله و مقتضاه، و حمله على غير ما أريد به ممّا يوافق هواه، و تأوّله بما يضلّ به عن نهج هداه، معتقدا أنّ مجمله الذي ادّعاه، و مقصده الذي افتراه فنحاه، هو المدلول الذي أراده اللّه، فقد ألحد في القرآن حيث مال به عن مدلوله، و سلك غير سبيله، و خالف فيه أئمّة الهدى، و اتّبع داعي الهوى، فتعيّن قتاله إن أصرّ على ضلالته، و دام على مخالفته، و استمرّ على جهالته، و تمادى في مقالته إلى أن يفيء إلى أمر اللّه و طاعته، و لهذا جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) القتال على تأويله كالقتال على تنزيله، فقاتل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من جريمته أقوى لموضع النبوة و وكّل قتال من جريمته دون تلك إلى الإمام، إذ كانت الإمامة فرع النبوة، فقاتلهم علي (عليه السلام) بعهد من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إليه، و لقد كان يصرّح بذلك في يوم قتالهم و عند سؤاله عن ذي الثدية و إخراجه من بين القتلى، و يقول: و اللّه ما كذبت و لا كذبت. و هذا بتمامه نذكره عند ذكرنا لحروبه (عليه السلام)، و ما وجده من اختلاف الأمّة عليه (عليه السلام)، و تظاهر هم على منابذته و محاربته، و شقّ العصا عليه، و سبّه على المنابر، و التبرّي منه، و تتبّع أولاده و شيعته من بعده، و قتلهم و إخافتهم في كلّ ناحية و قطر، و التقرّب إلى ولاة كلّ زمان بدمائهم، و الطعن في عقائدهم، و منعهم حقوقهم، بل بغضهم [1] و تطريدهم و تشريدهم حتّى لعلّك لا تجد مدينة من مدن الإسلام، و لا جهة من الجهات إلّا و فيها لطالبي دم مطلول [2]، و ثار مطلوب، تشارك في قتلهم الاموي و العباسي، و استوى في إخافتهم العدناني و القطحاني، و رضي بإذلالهم العراقي و الشامي، لم يبلغ من الكفّار ما بلغ منهم، و لا حلّ بأهل الكتاب ما حلّ بهم، هذا حال من قتل، فأمّا من استبقى فليته أصاب القوت، أو وجد البلغة، و كيف و من أين يجدها و هو مهان مضطهد، فقير مسكين، قد عاداه الزمان و أرهقه السلطان، و هذا الكلام و إن لم يكن من غرض كتابنا هذا فإنّ القلم جرى بسطره، و الحال ساق إلى ذكره. و أذكر شيئا من تأويلهم الذي استحقّوا به العقاب و العذاب، و خالفوا فيه السنّة و الكتاب، فإنّهم عمدوا إلى آيات نزلت في الكفّار، فصرفوها عن محلّ مدلولها و حملوها على المؤمنين، فإنّ أئمّة التفسير و علماء الإسلام أجمعوا على أنّ قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ [3] أنّها نزلت في اليهود و هي مختصّة بهم، و ذكروا في سبب نزولها وجوها. فقيل: لمّا دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اليهود إلى الإسلام قالوا: هلمّ نخاصمك إلى الأحبار، فقال: بل إلى كتاب اللّه، فأبوا. و قيل: بل لمّا دعاهم إلى الإسلام، قال له بعضهم: على أيّ دين أنت؟ فقال: على دين إبراهيم، فقالوا: إنّ إبراهيم كان يهوديّا، فقال: هلمّوا بالتوراة فهي بيني و بينكم، فأبوا. و قيل: بل لمّا أنكروا أن يكون رجم الزاني في التوراة، قال: هلمّوا بالتوراة فهي بيني و بينكم، فأبوا، فأنزل اللّه هذه الآية، هكذا ذكر الواحدي في كتابه أسباب النزول. فقد اتفق الجمع أنّها اختصّت باليهود، فجعلها الخوارج في المسلمين و أقاموها عمدة لهم و مرجعا في أتباع ضلالتهم و احتجّوا بها في خروجهم من الطاعة المفروضة عليهم اللازمة لهم. فإذا علمت حقيقة المقاتلة على التنزيل و المقاتلة على التأويل، بان لك أنّ بين النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بين علي (عليه السلام) رابطة الاتّصال و الاخوّة و العلاقة، و أنّه ليس لغيره ذلك كما وردت به النصوص المتقدمة من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): عليّ منّي و أنا من علي، و قوله: أنت منّي و أنا منك، و قوله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. فهذه النصوص مشيرة إلى خصوصيّة بينهما، فاقتضت تلك الخصوصيّة أنّه أعلمه أنّه يبلى بمقاتلة الخارجين كما بلي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بمقاتلة الكافرين و إنّه يلقى في أيّام إمامته من الشدائد كما لقي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في أيّام نبوّته. قال الشافعي: أخذ المسلمون السيرة في قتال المشركين من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أخذوا السيرة في قتال البغاة من علي (عليه السلام) فتدبّر هذا المقام و اعرف منه فضله (عليه السلام). و من ذلك ما نقله القاضي الإمام أبو محمّد الحسين بن مسعود في كتابه المذكور يرفعه بسنده عن ابن مسعود قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأتى منزل أمّ سلمة، فجاء علي (عليه السلام) فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يا أم سلمة هذا و اللّه قاتل القاسطين و الناكثين و المارقين من بعدي، و قد تقدّم الحديث بتمامه، فذكر (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فرقا ثلاثة، صرّح بأنّ عليّا (عليه السلام) يقاتلهم من بعده، و الأسماء التي سمّاهم بها تشير إلى أنّ وجود كلّ صفة منها في الفرقة المختصّة بها (علّة) لقتالهم. و الناكثون هم الناقضون عهد بيعتهم، الموجبة عليهم الطاعة و المبايعة [1] لإمامهم الذي بايعوه، فإذا نقضوا ذلك و صدفوا عن طاعته و خرجوا عن حكمه، و أخذوا في قتاله بغيا و عنادا كانوا ناكثين باغين، فيتعيّن قتالهم كما فعل (عليه السلام) في قتال أصحاب الجمل. و نقلت من مسند أحمد بن حنبل من مسند ابن عمر عن نافع قال: لمّا خلع الناس يزيد بن معاوية جمع عبد اللّه بن عمر بنيه و أهله، ثمّ تشهّد ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّا قد بايعنا هذا الرجل على بيع اللّه تبارك و تعالى و رسوله، و إنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: إنّ الغادر ينصب له لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان، و إنّ من أعظم الغدر- إلّا أن يكون الإشراك باللّه تعالى- أن يبايع رجل رجلا على بيع اللّه تبارك و تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ثمّ ينكث بيعته، و لا يخلعنّ أحد منكم يزيد، و لا يشرفنّ أحد منكم هذا الأمر فيكون صيلم [2] بيني و بينه. و في حديث آخر من المسند إنّ ذلك قاله حين بايعوا ابن الزبير، فليقض متأمّل العجب من عبد اللّه و توقّفه من نقض بيعة يزيد و إنذار أهله و ولده و التشديد عليهم و تحذير هم من ذلك، و أنّه لا شيء أعظم منه إلّا أن يكون الإشراك، فأين يذهب بعبد اللّه و على قوله: فما عذر طلحة و الزبير في نقض عهد علي (عليه السلام) و خلع طاعته و نكث بيعته و الخروج عن حكمه و نصب الحرب له؟ فلو أنّ عبد اللّه بن عمر بحث مع طلحة و الزبير بشرط أن ينصح عليا (عليه السلام) نصحه ليزيد، و يعرفهما ما في خلع طاعته و مفارقة الجماعة من الإثم التام و الخطيئة العظيمة، لأمكن أن يتوقفا عمّا أقدما عليه و يدخلا فيما خرجا منه و التوفيق عزيز، أو أنّهما كانا يسهلان على عبد اللّه نقض بيعة يزيد، و يقولان: إنّا خلعنا عليا و نقضنا عهده فتأس بنا و قس علينا، و اجعلنا حجة، و إنّما قلنا ذلك على سبيل الفرض، و إلّا فطلحة و الزبير قتلا و لم يدركا خلافة معاوية فضلا عن خلع يزيد. و أمّا القاسطون فهم الجائرون عن سنن الحق: الجانحون إلى الباطل، المعرضون عن اتباع الهدى، الخارجون عن طاعة الإمام الواجبة طاعته، فإذا فعلوا ذلك و اتّصفوا به تعيّن قتالهم كما جرى من قتاله (عليه السلام) معاوية و أصحابه و هي حروب صفّين و قد صرّح النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بكونهم بغاة و روى المحدّثون في مسانيدهم الصحاح أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لعمّار: تقتلك الفئة الباغية، و في آخر: تقتل عمّارا الفئة الباغية. و في حديث آخر إنّه قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعمّار: ابشر تقتلك الفئة الباغية. و هذه الأحاديث لا خلل في أسنادها و لا اضطراب في متونها [1]. و أمّا المارقون فهم الخارجون عن متابعة الحق، المصرّون على مخالفة الإمام، المصرّحون بخلعه، و متى فعلوا ذلك تعيّن قتالهم كما فعل (عليه السلام) بأهل حرورى و النهروان و هم الخوارج. ذكر الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث في مسنده المسمّى بالسنن يرفعه إلى أبي سعيد الخدري و أنس بن مالك أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: سيكون في أمّتي اختلاف و فرقة، قوم يحسنون القيل و يسيئون الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية [2]، هم شرّ الخلق، طوبى لمن قتلهم و قتلوه، يدعون إلى كتاب اللّه و ليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى باللّه منهم. و نقل مسلم بن الحجاج في صحيحه و وافقه أبو داود بسند هما عن زيد بن وهب أنّه كان في الجيش الذي كانوا مع علي (عليه السلام)، فقال علي (عليه السلام): أيها الناس إنّي سمعت ثمّ قال: و روى العوام بن حوشب عن إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي عن أبي وائل قال: رأى أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل و كان من أفاضل أصحاب عبد اللّه في المنام أنّه أدخل الجنّة فإذا هو بقباب مضروبة قال: فقلت: لمن هذه؟ قالوا: لذي الكلاع و حوشب و كان قتل مع معاوية، قال: فأين عمّار و أصحابه؟ قالوا: أمامك. قال: و قد قتل بعضهم بعضا؟ قالوا: نعم إنّهم لقوا اللّه فوجدوه واسع المغفرة (انتهى). فلينظر العاقل في الحديثين و أنّه هل يمكن التوفيق بينهما؟ و هل الاعتقاد بالثاني لا يوجب تكذيب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيما أخبره به؟ و كيف يدخل الجنّة من أخبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأنّه باغ؟ و أين الرؤيا و حديث سيّد الأنبياء؟ و ما حمله على ذكر هذه الأكاذيب و المجعولات إلّا التعصّب و العناد أعاذنا اللّه منه. [2] قال الجزري: في حديث الخوارج: يمرقون من الدّين مروق السهم من الرمية أي يجوزونه و يخرقونه و يتعدّونه كما يخرق السهم المرمى به و يخرج منه و قد تكرّر في الحديث، و منه حديث علي: أمرت بقتال المارقين يعني الخوارج. رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: يخرج قوم من أمّتي يقرءون القرآن، ليس قرآنكم إلى قرآنهم بشيء، و لا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، و لا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنّه لهم و هو عليهم، لا تجاوز قراءتهم تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيّهم لنكلوا عن العمل، و آية ذلك أنّ فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع، على عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض، فيذهبون إلى معاوية و أهل الشام و يتركون هؤلاء، يخلفونكم في ذراريكم و أموالكم، و اللّه إنّي لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنّهم قد سفكوا الدم الحرام، و أغاروا على سرج الناس فسيروا. قال سلمة: فنزلني زيد بن وهب منزلا منزلا حتّى قال: مررنا على قنطرة، فلمّا التقينا و على الخوارج يومئذ عبد اللّه بن وهب الراسبي فقال لهم: القوا الرماح و سلوا السيوف من جفونها، فإنّي أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم أيّام حرورى، فرجعوا فوحشوا [1] برماحهم و سلّوا السيوف، ثمّ شجرهم الناس بالرماح، قال: و قتل بعضهم على بعض، و ما أصيب يومئذ من الناس إلّا رجلان، فقال علي (عليه السلام): التمسوا فيهم المخدج و هو الناقض، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي (عليه السلام) بنفسه حتّى أتى ناسا و قد قتل بعضهم على بعض، قال: أخرجوهم، فوجدوه ممّا يلي الأرض، فكبّر ثمّ قال (عليه السلام): صدق اللّه لنا و بلغ رسوله، قال: فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين، باللّه الذي لا إله إلّا هو أسمعت هذا الحديث من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ قال: اي و اللّه الذي لا إله إلّا هو، حتّى استحلفه ثلاثا و هو يحلف. و نقل البخاري و مسلم و مالك في الموطأ أنّ أبا سعيد الخدري قال: أشهد أنّي لسمعت هذا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أشهد أنّ علي بن أبي طالب قاتلهم و أنا معه و أمر بذلك الرجل فالتمس فوجد، و أتى به حتّى نظرت إليه إليه على نعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الذي نعت. و نقل البخاري و النسائي و مسلم و أبو داود في صحاحهم قال سويد بن غفلة: قال علي (عليه السلام) إذا حدّثتكم عن رسول اللّه حديثا فو اللّه لإن أخرّ من السماء أحبّ إليّ من أن أكذب عليه، و في رواية: من أن أقول عليه ما لم يقل، و إذا حدّثتكم فيما بيني و بينكم فإنّ الحرب خدعة، و إنّي سمعت رسول اللّه يقول: سيخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البريّة، و يقرءون القرآن لا يجاوز ايمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند اللّه يوم القيامة. فقد دلّت هذه الأحاديث على ما أصّلناه من قتاله (عليه السلام) على التأويل كما قاتل (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على التنزيل، و اقتدائه به و قيامه و أمره و نيابته عنه في هذا الأمر المهم الذي حفظ به نظام الدين و أقام به الأود و كفّ عادية الخوارج المارقين، و قتل من قتل منهم، و استبقاء من فاء منهم، و رجع كما اعتمده النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع المشركين حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة. و قد تقدم أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان شديد الحرص على تربية علي و الإشفاق عليه، مهتمّا بتعليمه و إرشاده إلى الفضائل، و كان في حجره من صغره ملازما له، متأدّبا بآدابه، مقتفيا أفعاله، آخذا بطرائقه، جاريا على سنّته، متشبها به (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و زوّجه ابنته (عليها السلام) فكان يدخل عليه في غالب أوقاته و في أوقات لم يكن غيره يدخل عليه فيها. و قد نقلت من مسند أحمد بن حنبل قال علي: كانت لي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منزلة لم تكن لأحد من الخلائق، أنّي كنت آتيه كلّ سحرة. و في حديث آخر فاستأذن عليه، فإن كان في صلاة سبّح، و إن كان في غير صلاة أذن لي. فإذا كان المربّي المؤدّب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو أكمل العالمين و أعلاهم في المعارف و أرفعهم درجات مجد و منازل شرف، و كان التلميذ المؤدب عليّا (عليه السلام)، و أضيف إلى استعداده و فطنته و ذكائه نظر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إليه، و تفرّسه فيه قبول ما يلقى إليه مع طول ملازمته له، فلا جرم أنّه يبلغ أقصى غايات الكمال، و ينال نهايات معارج المعرفة، فتمكّن من قول: سلوني قبل أن تفقدوني، و سلوني عن طرق السماوات فإنّي أعرف بها من طرق الأرض. و قال (عليه السلام) مرّة: لو شئت لأوقرت بعيرا من تفسير بسم اللّه الرحمن الرحيم. و قال مرّة: لو كسرت لي الوسادة ثمّ جلست عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم، و بين أهل الزبور بزبورهم، و بين أهل الفرقان بفرقانهم، و اللّه ما من آية نزلت في برّ أو بحر، و لا سهل و لا جبل، و لا ليل و لا نهار، إلّا و أنا أعلم فيمن أنزلت، و في أيّ شيء نزلت، و في هذا القول إشارة إلى علمه (عليه السلام) بهذه الكتب المنزلة. و أمّا تفصيل العلوم فمنه ابتداؤها و إليه تنسب أمّا علم الكلام: فالقائم بها الأشاعرة و المعتزلة و الشيعة و الخوارج، هؤلاء أشهر فرقهم و أئمّة هذه الطوائف إليه (عليه السلام) يعتزون. أمّا المعتزلة: فينسبون أنفسهم إليه. و أمّا الأشاعرة فإمامهم أبو الحسن [1] كان تلميذا لأبي علي الجبائي، و كان الجبائي ينسب إليه. و أمّا الشيعة فانتسابهم إليه ظاهر. و أمّا الخوارج فأكابرهم و رؤساؤهم تلامذة له. فإذا كان علماء الإسلام و أئمّة علم الأصول ينتسبون إليه كفى ذلك دليلا على غزارة علمه، و أقصى المطالب في علم الأصول علم التوحيد، و العلم بالقضاء و القدر و العلم بالنبوّة و العلم بالمعاد و البعث و الآخرة، و كلامه (عليه السلام) يشهد بمكانه من هذه العلوم و معرفته بها، و بلوغه فيها ما تعجز الأوائل و الأواخر، فمن تدبّر معاني كلامه و عرف مواقعه علم أنّه البحر الذي لا يساحل، و الحبر الذي لا يطاول. و أمّا علم الفروع: فهو ينقسم إلى قسمين: قسم يتعلّق بالأحياء، و هو أنواع من الأحكام و غيرها، و قسم يتعلّق بالأموات و هو علم الفرائض، و قسمة التركات، و بهذا الاعتبار سمّى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الفرائض نصف العلم، حيث قال: تعلّموا الفرائض و علّموها فإنّها نصف العلم، و هو أوّل من ينزع من أمّتي، و علي (عليه السلام) قد تسنّم هذه الذرى [2]، و فضل فيها جميع الورى، فاسمع به و أبصر فلا تسمع بمثله غيره و لا ترى، و اهتد إلى اعتقاد فضله بناره فما كلّ نار أضرمت نار قرى، و اعلم يقينا أنّه في علومه كالبحر، و في سماحه كالغيث، و في بأسه كليث الشرى [3]. أمّا الفرائض و قسمة التركات: فقدمه فيها ثابتة، و نكتفي بذكر ما وقع منها فمن ذلك المسألة المعروفة بالدينارية و شرحها أنّ امرأة جاءت إليه (عليه السلام) و قد وضع رجله فى الركاب، فقالت: يا أمير المؤمنين، إنّ أخي مات و خلّف ستمائة دينار و قد دفعوا إليّ من ماله دينارا واحدا، فأسألك إنصافي، فقال (عليه السلام) لها: خلّف أخوك بنتين؟ قالت: نعم، قال: لهما الثلثان أربعمائة، و خلّف أمّا؟ قالت: نعم، قال: لها السدس مائة، و خلّف زوجة؟ قالت: نعم، قال: لها الثمن خمسة و سبعون دينارا، و خلّف معك اثني عشر أخا؟ قالت: نعم، قال: لكلّ أخ ديناران و لك دينار، فقد أخذت حقّك فانصرفي و ركب، فسمّيت هذه المسألة الديناريّة. و منه المسألة المنبريّة و ذلك أنّه كان على منبر الكوفة فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ ابنتي قد مات زوجها و لها من تركته الثمن و قد أعطوها التسع، فأسألك الإنصاف، فقال (عليه السلام): خلّف صهرك بنتين؟ قال: نعم، قال: و أبواه باقيان؟ قال: نعم، قال: صار ثمنها تسعا فلا تطلب سواه إرثا، ثمّ مضى في خطبته، فانظر إلى استحضاره الأجوبة في أسرع من رجع الطرف، و اعلم أنّه (عليه السلام) قد تجاوز غايات الوصف. و أمّا علوم الأحياء: فكان (عليه السلام) فارس ميدانها، و سابق حلباتها، و حاوي قصبات رهانها، و مبيّن غوامضها و صاحب بيانها، و الفارس المتقدم عند إحجام فرسانها و تأخّر أقرانها، و يكفي في إيضاح ذلك ما نقل عنه أنّه قال: علّمني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ألف باب من العلم فانفتح لي من كلّ باب ألف باب. أمّا علم القرآن: فقد استفاض بين الأمّة أنّ أعلمهم بالتفسير عبد اللّه بن العباس و كان تلميذا لعلي (عليه السلام) مقتديا به آخذا عنه. و أمّا القراءة: فإمام الكوفيين فيها عاصم، و قراءته مشهورة في الدنيا و هو تلميذ ابي عبد الرحمن السلمي، و أبو عبد الرحمن هذا تلميذ علي (عليه السلام)، و عليّ أخذها عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و أمّا النحو: فقد عرف الناس قاطبة أنّ عليا (عليه السلام) هو الواضع الأوّل الذي اخترعه و ابتدعه و نصبه علما لأبي الأسود و وضعه. أمّا علم البلاغة و …
كشف الغمة — ذكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) · فصل: في فضائل الإمام علي و علمه