سلّم) فدفعه إلى علي بن أبي طالب و جمع له بين الراية و اللواء. و روى المفضل بن عبد اللّه عن سماك عن عكرمة عن عبد اللّه بن عباس قال: لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) أربع ما هنّ لأحد: هو أوّل عربي و عجمي صلّى مع رسول اللّه، و هو صاحب لوائه في كلّ زحف، و هو الذي ثبت معه يوم المهراس [3] و فرّ الناس، و هو الذي أدخله قبره. و عن زيد بن وهب قال: وجدنا عبد اللّه بن مسعود يوما طيب النفس، فقلنا: لو حدّثتنا عن يوم أحد و كيف كان؟ فقال: أجل، ثمّ ساق الحديث حتّى انتهى إلى ذكر الحرب، فقال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أخرجوا إليهم على اسم اللّه تعالى، فخرجنا فصففنا صفّا طويلا و أقام على الشعب خمسين رجلا من الأنصار و أمّر عليهم رجلا منهم، و قال: لا تبرحوا من مكانكم هذا و إن قتلنا عن آخرنا، فإنّما نؤتى من موضعكم، و أقام أبو سفيان بن حرب بإزائهم خالد بن الوليد و كانت ألوية قريش في بني عبد الدار، و كان لواء المشركين مع طلحة بن أبي طلحة، و كان يدعى كبش الكتيبة. قال: و دفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لواء المهاجرين إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) و جاء حتّى قام تحت لواء الأنصار. قال: فجاء أبو سفيان إلى أصحاب اللواء فقال: يا أصحاب الألوية إنّكم تعلمون إنّما يؤتى القوم من قبل ألويتهم كما أوتيتم يوم بدر من قبل الألوية، فإن ضعفتم عنها فادفعوها إلينا نكفكم أمرها، فغضب طلحة بن أبي طلحة فقال: أ لنا تقول هذا؟! و اللّه لأوردنّكم بها اليوم حياض الموت، فلقى طلحة عليّا و تقاربا و اختلف بينهما ضربتان، ضربه علي على مقدم رأسه فبدرت عينه، و صاح صيحة عظيمة و سقط اللواء من يده، فأخذه مصعب أخوه فرماه عاصم بن ثابت فقتله، ثمّ أخذه أخوه عثمان فرماه عاصم أيضا فقتله، فأخذه عبد لهم اسمه صواب و كان من أشد الناس، فضرب عليّ يده فقطعها فأخذه بيده اليسرى فضربه فقطعها فأخذ اللواء على صدره و جمع عليه يديه و هما مقطوعتان فضربه علي (عليه السلام) على أمّ رأسه و سقط صريعا و انهزم القوم و أكبّ المسلمون على الغنائم، و رأى أصحاب الشعب الناس يغنمون فخافوا فوت الغنيمة فاستأذنوا رئيسهم عبد اللّه بن عمر بن حرام في أخذ الغنائم، فقال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمرني أن لا أبرح من موضعي، فقالوا: إنّه قال ذلك و هو لا يدري أنّ الأمر يبلغ ما ترى، و مالوا إلى الغنائم و تركوه و لم يبرح هو من موضعه. فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله و جاء من ظهر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فنظر إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد حف به أصحابه فقال لمن معه: دونكم هذا الذي تطلبون فحملوا حملة رجل واحد ضربا بالسيوف و طعنا بالرمح و رميا بالنبال، و رضخا بالحجارة، و جعل أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقاتلون عنه حتّى قتل منهم سبعون رجلا، و ثبت أمير المؤمنين، و أبو دجانة، و سهل بن حنيف للقوم يدفعون عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ففتح عينيه و كان قد أغمي عليه، فنظر إلى علي (عليه السلام) فقال: يا علي، ما فعل الناس؟ قال: نقضوا العهد و ولّوا الدبر، فقال: فاكفني هؤلاء الذين قصدوا نحوي، فحمل عليهم فكشفهم ثمّ عاد إليه و قد قصدوه من جهة أخرى، فكرّ عليهم فكشفهم و أبو دجانة و سهل بن حنيف قائمان على رأسه، و سيوفهما بأيديهما يذبّان عنه، و ثاب [1] من المنهزمين أربعة عشر رجلا، منهم طلحة بن عبيد اللّه، و عاصم بن ثابت، و صعد الباقون الجبل، و صاح صائح بالمدينة: قتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فانخلعت القلوب لذلك، و تحيّر المنهزمون فأخذوا يمينا و شمالا، و جعلت هند بنت عتبة لوحشي جعلا على أن يقتل رسول اللّه أو عليّا أو حمزة، فقال: أمّا محمّد فلا حيلة فيه لأنّ أصحابه يطيفون به، و أمّا عليّ فإنّه إذا قاتل كان أحذر من الذئب، و أمّا حمزة فإنّي أطمع فيه لأنّه إذا غضب لم يبصر ما بين يديه، و كان حمزة يومئذ قد أعلم بريشة نعامة، فكمن له وحشي في أصل شجرة، فرآه حمزة فبدر إليه بالسيف و ضربه فأخطأه، قال وحشي: فهززت الحربة حتّى إذا تمكّنت منه رميته فأصبته في أربيته [2] فأنفذته و تركته حتّى إذا برد صرت إليه و أخذت حربتي، و شغل المسلمون عنّي و عنه بالهزيمة، و جاءت هند فأمرت بشقّ بطنه و قطع كبده و التمثيل به، فجدعوا أنفه و أذنيه. أنشدني بعض الأصحاب و لم يسمّ قائلا: و لا عار للأشراف إن ظفرت بها كلاب الأعادي من فصيح و أعجم فحربة وحشيسقت حمزة الردى و حتف عليّ من حسام ابن ملجم [3] هذا و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مشغول عنه لا يعلم حاله. قال الراوي- زيد بن وهب-: قلت لابن مسعود: انهزم الناس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى لم يبق معه إلّا علي و أبو دجانة و سهل؟ قال: انهزم الناس إلّا علي وحده، و ثاب إلى رسول اللّه نفر كان أوّلهم عاصم بن ثابت، و أبو دجانة، و سهل بن حنيف، و لحقهم طلحة بن عبيد اللّه، فقلت له: فأين كان أبو بكر و عمر؟ قال: كانا فيمن تنحّى، فقلت: فأين كان عثمان؟ قال: جاء بعد ثلاثة من الوقعة، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لقد ذهبت فيها عريضة [4]. قلت: فأين كنت أنت؟ قال: فيمن تنحّى، قلت: فمن حدّثك بهذا؟ قال: عاصم بن ثابت و سهل بن حنيف، قلت: إنّ ثبوت علي في ذلك المقام لعجيب. قال: إن تعجب منه فقد تعجّبت منه الملائكة، أ ما علمت أنّ جبرئيل قال في ذلك اليوم و هو يعرج إلى السماء: لا سيف إلّا ذو الفقار. و لا فتى إلّا علي. فقلنا: و من أين علم أنّ جبرئيل قال ذلك؟ فقال: سمع الناس النداء بذلك، و أخبر هم به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و في حديث عمران بن حصين قال: لمّا تفرّق الناس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جاء علي متقلّدا بسيفه حتّى قام بين يديه، فرفع رأسه إليه و قال: مالك لم تفر مع الناس؟ فقال: يا رسول اللّه، أرجع كافرا بعد إسلامي؟ فأشار إلى قوم انحدروا من الجبل، فحمل عليهم فهزمهم، فجاء جبرئيل و قال: يا رسول اللّه، قد عجبت الملائكة من حسن مواساة علي لك بنفسه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ما يمنعه من ذلك و هو منّي و أنا منه، فقال جبرئيل: و أنا منكما. و عن ابن عبّاس قال: خرج طلحة بن أبي طلحة يومئذ و قال: يا أصحاب محمّد أنتم تزعمون أنّ اللّه يعجّلنا بسيوفكم إلى النّار و يعجّلكم بسيوفنا إلى الجنّة؟ فأيّكم يبرز إليّ؟ فبرز إليه علي (عليه السلام)، و قال: و اللّه لا أفارقك اليوم حتّى أعجلك بسيفي إلى النار، فاختلفا ضربتين، فضربه علي (عليه السلام) على رجليه فقطعهما و سقط و قال: أنشدك اللّه و الرحم يا بن عم، فانصرف إلى موقفه. فقال له المسلمون: أ لا أجهزت عليه [1]؟ فقال: إنّه ناشدني، و لن يعيش بعدها فمات من ساعته، و بشّر النبي بذلك فسرّ به. و روى عن عكرمة قال: سمعت عليّا (عليه السلام) يقول: لمّا انهزم الناس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم أحد، لحقني من الجزع عليه ما لم أملك نفسي، و كنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه، فرجعت أطلبه فلم أره، فقلت: ما كان رسول اللّه ليفرّ و ما رأيته في القتلى و أظنّه رفع من بيننا إلى السماء، فكسرت جفن سيفي و قلت: لأقاتلنّ به حتّى أقتل، و حملت على القوم فأفرجوا فإذا أنا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد وقع مغشيّا عليه، فنظر إليّ و قال: ما فعل الناس يا علي؟ قلت: كفروا يا رسول اللّه و ولّوا الدّبر و أسلموك، فنظر إلى كتيبة قد أقبلت فقال: ردّهم عنّي، فحملت عليهم أضربهم يمينا و شمالا حتّى فرّوا، فقال: أ ما تسمع مديحك في السماء إنّ ملكا اسمه رضوان ينادي: لا سيف إلّا ذو الفقار. و لا فتى إلّا علي. فبكيت سرورا و حمدت اللّه على نعمته. و هذه المناداة بهذا قد نقلها الرواة و تداولها الأخباريّون، و لم ينفرد بها الشيعة، بل وافقهم على ذلك الجمّ الغفير. و روى عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليه السلام) عن أبيه قال: كان أصحاب اللواء يوم أحد تسعة، كلّهم قتلهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن آخرهم، و انهزم القوم، و بارز الحكم بن الأخنس فضربه فقطع رجله من نصف الفخذ فهلك منها، و أقبل أميّة بن أبي حذيفة بن المغيرة و هو دارع و هو يقول: يوم بيوم بدر، و عرض له رجل من المسلمين فقتله، و صمد له علي (عليه السلام) فضربه على هامته، فنشب السيف في بيضته و سيفه في درقة [1] علي، فنزعا سيفهما و تناوشا، قال علي (عليه السلام): فنظرت إلى فتق تحت إبطه فضربته فيه بالسيف فقتله. قال علي (عليه السلام): لمّا انهزم الناس و ثبتّ قال: مالك لا تذهب مع القوم؟ فقال (عليه السلام): أذهب و أدعك يا رسول اللّه؟! و اللّه لا برحت حتّى أقتل أو ينجز اللّه لك ما وعدك من النصر، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أبشر يا علي فإنّ اللّه منجز وعده، و لن ينالوا منّا مثلها أبدا، ثمّ نظر إلى كتيبة قد أقبلت إليه فقال: احمل على هؤلاء يا علي، فحملت فقتلت منها هشام بن أبي أميّة المخزومي و انهزموا و أقبلت كتيبة أخرى، فقال: احمل على هذه، فحملت فقتلت منها عمرو بن عبد اللّه الجمحي و انهزمت أيضا، و جاءت أخرى فحملت عليها و قتلت بشر بن مالك العامري و انهزمت، فلم يعد بعدها أحد، و تراجع المسلمون إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و انصرف المشركون إلى مكّة و انصرف النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى المدينة، فاستقبلته فاطمة (عليها السلام) و معها إناء فيه ماء، فغسل به وجهه و لحقه أمير المؤمنين (عليه السلام) و قد خضب الدم يده إلى كتفه و معه ذو الفقار، فناوله فاطمة (عليها السلام) و قال: خذي هذا السيف فقد صدقني اليوم و قال: أ فاطم هاك السيف غير ذميم فلست برعديد و لا بمليم [2] أميطي دماء الكفر عنه فإنّه سقى آل عبد الدار كاس حميم [3] لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد [4] و طاعة ربّ بالعباد عليم و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): خذيه يا فاطمة فقد أدّى بعلك ما عليه، و قد قتل اللّه صناديد قريش بيديه.
كشف الغمة — ذكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) · فصل: في فضائل الإمام علي و علمه