التأويل كما يقاتل معي على التنزيل، فقال أبو بكر: أنا ذاك يا رسول اللّه؟ فقال: لا، قال عمر: فأنا؟ فقال: لا، فأمسكوا و نظر بعضهم إلى بعض، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لكنّه خاصف النعل، و أومأ إلى علي (عليه السلام)، فإنّه يقاتل على التأويل إذا تركت سنّتي و نبذت، و حرّف كتاب اللّه و تكلّم في الدين من ليس له ذلك، فيقاتلهم على إحياء دين اللّه. قلت: إن كان المفيد رحمه اللّه قد ذكر هذا فقد أورد الترمذي في صحيحه ما يقاربه، و هو عن ربعي بن خراش قال: حدّثنا علي بن أبي طالب بالرحبة قال: لمّا كان يوم الحديبيّة خرج إلينا ناس من المشركين، فيهم سهيل بن عمرو و أناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول اللّه خرج إليك ناس من أبنائنا و إخواننا و أرقّائنا ليس لهم فقه في الدين، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لتنتهنّ يا معشر قريش أو ليبعثنّ اللّه عليكم من يضرب رقابكم على الدين، قد امتحن اللّه قلبه على الإيمان، قالوا: من هو يا رسول اللّه؟ و قال عمر: من هو يا رسول اللّه؟ قال: هو خاصف النعل، و كان أعطى عليّا نعله يخصفها، قال: ثمّ التفت إلينا عليّ فقال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار، هذا حديث حسن صحيح غريب. غزوة خيبر كانت في سنة سبع للهجرة (قال ابن طلحة) و تلخيص المقصد فيها على ما ذكره أبو محمّد عبد الملك بن هشام في كتاب السيرة النبويّة يرفعه بسنده عن ابن الأكوع قال: بعث النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أبا بكر برايته و كانت بيضاء إلى بعض حصون خيبر، فقاتل ثمّ رجع و لم يكن فتح و قد جهد، ثمّ بعث عمر بن الخطّاب كذلك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لاعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله، يفتح اللّه على يديه، ليس بفرّار. قال سلمة: فدعا عليّا و هو أرمد فتفل في عينيه ثمّ قال: خذ هذه الراية فامض بها حتّى يفتح اللّه عليك، فخرج يهرول و أنا خلفه نتبع أثره حتّى ركّز رايته في رضم [1] من حجارة تحت الحصن، فاطّلع عليه يهودي من الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهودي: علوتم حصنا و ما أنزل على موسى أو كما قال: فما رجع حتّى فتح اللّه على يديه. و روى بسنده عن أبي رافع مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: خرجنا مع علي (عليه السلام) حين بعثه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) برايته، فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم فضربه رجل من اليهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي (عليه السلام) بابا كان عند الحصن فرمى به عن نفسه، فلم يزل في يده و هو يقاتل حتّى فتح اللّه على يديه، ثمّ ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلّب الباب فلم نقلّبه و قد ذكره أحمد بن حنبل في مسنده. قال الشيخ المفيد: ثمّ تلت الحديبيّة خيبر، و كان الفتح فيها لأمير المؤمنين (عليه السلام) بلا ارتياب، فظهر من فضله (عليه السلام) في هذه الغزاة ما أجمع عليه نقلة الرواة و تفرّد فيها بمناقب لم يشركه فيها أحد من الناس، فروى محمّد بن يحيى الأزدي عن مسعدة بن اليسع و عبيد اللّه بن عبد الرحيم، عن عبد الملك بن هشام، و محمّد بن إسحاق و غيرهم من أصحاب الآثار قالوا: لمّا دنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من خيبر قال للناس: قفوا، فوقفوا فرفع يديه إلى السماء و قال: «اللهمّ ربّ السماوات السبع و ما أظللن و ربّ الأرضين السبع و ما أقللن و ربّ الشياطين و ما أضللن أسألك خير هذه القرية و خير ما فيها و أعوذ بك من شرّها و شرّ ما فيها، ثمّ نزل (عليه السلام) تحت شجرة و أقمنا بقيّة يومنا و من غده، فلمّا كان نصف النهار نادى منادي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاجتمعنا إليه، فإذا عنده رجل جالس، فقال: إنّ هذا جاءني و أنا نائم فسلّ سيفي و قال: يا محمّد من يمنعك منّي اليوم؟ قلت: اللّه يمنعني منك، فشام السيف [1] و هو جالس كما ترون و لا حراك [2]، فقلنا: يا رسول اللّه لعلّ في عقله شيئا، قال: نعم دعوه، ثمّ صرفه و لم يعاقبه و حاصر خيبرا بضعا و عشرين ليلة [3]، و كانت الراية لأمير المؤمنين، فعرض له رمد أعجزه عن الحرب، و كان المسلمون يناوشون اليهود [4] بين أيدي حصونهم و جنباتها. فلمّا كان ذات يوم فتحوا الباب و كانوا خندقوا على أنفسهم، و خرج مرحب برجله يتعرّض للحرب فدعا رسول اللّه أبا بكر فقال له: خذ هذه الراية، فأخذها في جمع من المهاجرين فاجتهد و لم يغن شيئا، و عاد يؤنّب القوم الذي اتبعوه و يؤنّبونه [5]. فلمّا كان من الغد تعرض لها عمر فسار بها غير بعيد، ثمّ رجع يجبّن أصحابه و يجبّنونه، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ليست هذه الراية لمن حملها، جيئوني بعلي بن أبي طالب، فقيل: إنّه أرمد، فقال: أرونيه تروني رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله، يأخذها بحقّها ليس بفرّار، فجاؤوا بعلي يقودونه إليه، فقال: ما تشتكي يا علي؟ قال: رمدا ما أبصر معه، و صداعا برأسي، فقال له: اجلس وضع رأسك على فخذي، ففعل عليّ ذلك فدعا له النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و تفل في يده فمسحها على عينيه و رأسه فانفتحت عيناه، و سكن الصداع، و قال في دعائه له: اللهمّ قه الحرّ و البرد، و أعطاه الراية، و كانت بيضاء و قال: امض بها و جبرئيل معك و النصر أمامك و الرعب مبثوث في صدور القوم، و اعلم يا علي إنّهم يجدون في كتابهم أنّ الذي يدمّر عليهم اسمه إليا، فإذا لقيتهم فقل أنا علي بن أبي طالب فإنّهم يخذلون إن شاء اللّه تعالى. قال علي (عليه السلام): فمضيت بها حتّى أتيت الحصن، فخرج مرحب و عليه درع و مغفر قد نقّبه مثل البيضة على رأسه و هو يقول: قد علمت خيبر أنّي مرحب شاكي السلاح بطل مجرّب فقلت: أنا الذي سمّتني أمّي حيدرة كليث غابات شديد قسورة [1] أكيلكم بالسيف كيل السندرة 2 فاختلفتا ضربتين فبدرته فقددت الحجر و المغفر و رأسه حتّى وقع السيف في أضراسه و خرّ صريعا. و ورد أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا قال: أنا علي بن أبي طالب، قال حبر منهم: غلبتهم و ما أنزل على موسى، فخامرهم [3] رعب شديد، و رجع من كان مع مرحب تلكم قريش تمنّاني لتقتلني و قال: سمعت ثعلبا يقول: اختلف الناس في قوله «السندرة»، فقال ابن الأعرابي: هو مكيال كبير مثل القنقل، قال ثعلب: فعلى هذا أي أقتلكم قتلا واسعا كثيرا، و قال غيره: هي امرأة كانت تبيع القمح، و توفي الكيل، قال ثعلب: فعلى هذا أي أكيلكم، كيلا وافيا، و قال غيرهم: هي العجلة، يقال: رجل سندري إذا كان مستعجلا في أموره جادا، قال ثعلب: فعلى هذا أي أقاتلكم بسرعة و عجلة و أبادركم قبل الفرار. [3] أي داخلهم. و أغلق باب الحصن، فصار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) و عالجه حتّى فتحه و أكثر الناس لم يعبروا الخندق، فأخذ الباب و جعله جسرا على الخندق حتّى عبروا، و ظفروا بالحصن و أخذوا الغنائم، و لمّا انصرفوا دحى به بيمناه أذرعا، و كان يغلقه عشرون رجلا، و قال حسان بعد أن استأذن النبي في أن يقول في ذلك شعرا فأذن له فقال: و كان علي أرمد العين يبتغي دواء فلمّا لم يحس مداويا و قد تقدّمت الأبيات... و قال أبو عمر الزاهد: قال الأنصاري: فضربه علي ضربة فقدّه باثنتين. و قال ابن عبّاس رضي اللّه عنه: كان لعلي (عليه السلام) ضربتان إذا تطاول قدّ و إذا تقاصر قط. و قال الأنصاري: فرأيت أمّ مرحب تندبه و هو بين يديها، قلت: من قتل مرحبا؟ قالت: ما كان ليقتله إلّا أحد الرجلين، قلت: فمن هما؟ قالت: محمّد أو علي، قلت: فمن قتله منهما؟ قالت: علي، و أنشدتني أبياتا في آخرها: للّه درّ ابن أبي طالب و درّ شيخيه لقد أنجبا و روي عن عليّ (عليه السلام) قال: لمّا عالجت باب خيبر جعلته مجنا [1] لي و قاتلت القوم، فلمّا أخزاهم اللّه وضعت الباب على حصنهم طريقا ثمّ رميت به في خندقهم، فقال له رجل منهم: لقد حملت منه ثقلا؟ فقال: ما كان إلّا مثل جنّتي التي في يدي في غير ذلك اليوم. و قيل: إنّ المسلمين راموا حمل ذلك الباب فلم يقله [2] إلّا سبعون رجلا.
كشف الغمة — ذكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) · فصل] [في غزوة أحد أيضا