الأقسامكشف الغمة في معرفة الأئمةذكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)
كشف الغمة

ثمّ تلا غزاة خيبر مواقف لم تجر مجرى ما تقدّمها، و أكثرها كانت بعوثا لم يشهدها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لا كان الاهتمام بها كغيرها لضعف العدو و غناء المسلمين فاضربنا عن تعدادها، و كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) في جميعها حظّ وافر من قول و عمل. غزوة الفتح و هي التي توطّد أمر الإسلام بها، و تمهّد الدين بما منّ اللّه سبحانه على نبيّه فيها و إنجاز وعده في قوله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ [1] إلى آخرها، و قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ [2] الآية، و كانت الأعين إليها ممتدّة، و الرقاب متطاولة، و كتم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمره حين أرادها، و أخبر به عليّا (عليه السلام)، و كان شريكه في الرأي، و أمينه على السرّ، ثمّ عرف أبا بكر و جماعة من أصحابه بعد ذلك، و جرى الأمر في ذلك على حال ما زال أمير المؤمنين منفردا بالفضل فيها. فمن ذلك أنّ حاطب بن أبي بلتعة و كان من أهل مكّة و شهد بدرا، كتب إلى أهل مكة كتابا بطلعهم على سرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و مسيرة إليهم، فجاء الوحي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بما فعل، و كان أعطى الكتاب امرأة سوداء كانت وردت المدينة مستميحة [3] و أمرها أن تأخذ على غير الطريق، فاستدعى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّا (عليه السلام) و قال: إنّ بعض أصحابي قد كاتب أهل مكة يخبرهم بخبرنا، و قد كنت سألت اللّه أن يعمي أخبارنا عليهم، و الكتاب مع امرأة سوداء و قد أخذت على غير الطريق، فخذ سيفك و ألحقها و انتزع الكتاب منها و خلّها وعد إليّ، و أنفذ الزبير معه فمضيا و أدركا الامرأة و سبق إليها الزبير و سألها عن الكتاب فأنكرته و حلفت، فقال الزبير: ما أرى معها كتابا يا أبا الحسن فارجع بنا إلى رسول اللّه نخبره ببراءة ساحتها، فقال أمير المؤمنين: يخبرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ معها كتابا و يأمرني بأخذه و تقول: لا كتاب معها، ثمّ اخترط سيفه [4] و قال: و اللّه لئن لم تخرجي الكتاب لأضربنّ عنقك، فقالت: إذا كان كذلك فاعرض عنّي حتّى أخرجه، فأعرض بوجهه فكشفت وجهها و أخرجته من عقيصتها [5] فأخذه أمير المؤمنين (عليه السلام) و صار إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). فأمر أن ينادي بالصلاة جامعة، فنودي و اجتمعوا، ثمّ صعد المنبر و أخذ الكتاب فقال: أيّها الناس إني كنت سألت اللّه عزّ اسمه أن يخفي أخبارنا عن قريش، و إنّ رجلا كتب إلى أهله يخبرهم خبرنا، فليقم صاحب الكتاب و إلّا فضحه الوحي، فلم يقم أحد، فأعاد ثانية فقام حاطب و هو يرعد كالسعفة [1] و قال: أنا صاحب الكتاب، و ما أحدثت نفاقا بعد إسلامي و لا شكّا بعد يقيني، فقال له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فما الذي حملك على ذلك؟ فقال إنّ لي أهلا بمكّة و لا عشيرة لي بها، و خفت أن تكون الدائرة لهم علينا فيكون الكتاب كفّا لهم عن أهلي، و يدا لي عليهم، و لم يكن لشك منّي في الدين، فقال عمر: يا رسول اللّه، مرني بقتله فقد نافق، فقال: إنّه من أهل بدر و لعلّ اللّه اطّلع عليهم فغفر لهم، أخرجوه من المسجد، فجعل الناس يدفعونه في ظهره و يخرجونه و هو يلتفت إلى رسول اللّه ليرقّ له، فردّه و قال: قد عفوت عنك فاستغفر ربّك و لا تعد لمثل ما جنيت. و هذه المنقبة لاحقة بمناقبه (عليه السلام) و فيها من جدّه في إخراج الكتاب من الامرأة و عزيمته في ذلك، و أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يثق في ذلك إلّا به، و أنفذ الزبير معه لأنّه في عداد بني هاشم من قبل أمّه صفيّة بنت عبد المطّلب، فأراد أن يتولّى سرّه أهله و كان للزبير شجاعة و فيه إقدام، و نسبه متّصل بنسب أمير المؤمنين (عليه السلام) فعلم أنّه يساعده على أمره و كان الزبير تابعا لعلي مع أنّه خالف الصواب في تنزيهها من الكتاب، فتدارك ذلك علي (عليه السلام) و في ذلك من الفضيلة و المنقبة ما تفرّد به و لم يشاركه فيه أحد، و قد ذكر هذه القضيّة بقريب من هذه الألفاظ جماعة غير المفيد. و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أعطى الراية يوم الفتح سعد بن عبادة، و أمره أن يدخل بها مكة أمامه فأخذها سعد و هو يقول: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة فقال بعض القوم للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أ ما تسمع ما يقول سعد؟ و اللّه إنّا نخاف أن تكون له اليوم صولة في قريش، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أدرك يا علي سعدا فخذ الراية منه و ادخل بها أنت. قلت: هكذا ذكره أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري في تاريخه، فاستدرك به (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما كاد يفوت من صواب التدبير بتهجم سعد و إقدامه على أهل مكة، و علم أنّ الأنصار لا توافق على عزل سيّدها و أخذ الراية منه إلّا بمثل علي (عليه السلام). و لأنّ حاله في ذلك كما لو أخذها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في جلالة قدره و رفيع مكانه، و هذا عزل خير من ولاية، فإنّ من كان بحيث لا يقوم مقامه و لا يسدّ مسدّه إلّا علي (عليه السلام) فله أن يطاول الأفلاك، و يفاخر الأملاك، و لو كان في الصحابة من يوافق الأنصار على عزل صاحبها به لاختاره لذلك، و ندبه إليه، و لكنّه أبو الحسن القائم مقام نفسه، و المشارك له في نوعه و جنسه صلّى اللّه عليهما و آلهما الطاهرين. و كان عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن لا يقاتلوا بمكة إلّا من قاتلهم سوى نفر كانوا يؤذونه، فقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) منهم الحويرث بن نفيل بن كعب و كان يؤذي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بمكة و بلغه (عليه السلام) أنّ أخته أم هاني قد آوت ناسا من بني مخزوم فيهم الحرث بن هشام و قيس بن السائب، فقصد (عليه السلام) دارها و هو مقنّع بالحديد، فنادى: أخرجوا من أويتم، فخرجت إليه أم هاني و هي لا تعرفه، فقالت: يا عبد اللّه أنا أم هاني بنت عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أخت علي بن أبي طالب انصرف عن داري، فقال: أخرجوهم، فقالت: و اللّه لأشكونّك إلى رسول اللّه، فرفع المغفر عن رأسه، فعرفته فجاءت تشتدّ حتّى التزمته و قالت: فديتك، حلفت لأشكونّك إلى رسول اللّه، فقال: اذهبي فبرّي قسمك فإنّه بأعلى الوادي، قالت: فجئت إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو في قبّة يغتسل و فاطمة تستره، فلمّا سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كلامي قال: مرحبا بك يا أم هاني و أهلا، قلت: بأبي أنت و أمّي أشكو إليك ما لقيت من علي اليوم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): قد أجرت من أجارت، فقالت فاطمة: إنّما جئت يا أم هاني تشكين عليّا فإنّه أخاف أعداء اللّه و أعداء رسوله، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): قد شكّر اللّه سعي عليّ و أجرت من أجارت أم هاني لمكانها من عليّ. و لمّا دخل (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المسجد وجد فيه ثلاثمائة و ستّين صنما بعضا مشدود ببعض بالرصاص، فقال: أعطني يا علي كفّا من الحصا، فناوله كفّا فرماها به و هو يقول: جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [1] فلم يبق فيها صنم إلّا خرّ لوجهه و أخرجت من المسجد و كسرت.

كشف الغمة — ذكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) · فصل: [المواقف التي تلت غزوة خيبر

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.