لمّا أنفذ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خالد بن الوليد إلى جذيمة [2] داعيا لهم إلى الإسلام و لم ينفذه محاربا، فخالف أمره و نبذ عهده فقتل القوم و هم على الإسلام، و أخفر ذمّتهم و عمل في ذلك على حميّة الجاهليّة فشأن فعاله الإلام و نفر به عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من كان يدعوه إلى الإيمان، و كاد أن يبطل بفعله نظام التدبير في الدين، ففزع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في تلافي الفارط، و إصلاح الفاسد، و دفع المعرّة عن الدين إلى أمير المؤمنين، فأنفذه لعطف القوم و سلّ سخائمهم [1] و الرفق بهم و تثبيتهم على الإيمان، و أمره أن يدي القتلى [2] و يرضي أولياءهم، فبلغ أمير المؤمنين من ذلك مبلغ الرضا و زاد على الواجب فيما تبرّع به عليهم من عطيّة ما كان فضل معه من الأموال، و قال: قد أعطيتكم دية ما عرفتم و زدتكم لتكون دية ما لم تعلموا أنتم و لا نحن ليرضى اللّه عن رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ترضون بفضله عليكم، و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد، فتمّ بأمير المؤمنين (عليه السلام) الصلاح، و انقطعت به مواد الفساد، و شكّر النبي فعله و هي معدودة من مناقبه. قلت: هذه القصّة من فعل خالد و براءة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من فعله، و إنفاذ أمير المؤمنين (عليه السلام) لاستدراك الحال من الأمور المشهورة أوردها نقلة الأخبار من المخالف و المؤالف. قال أبو جعفر محمّد بن جوير الطبري في تاريخه: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعث خالدا حين بعث إلى ما حول مكّة داعيا و لم يبعثه مقاتلا، فوطئ بني جذيمة و كانوا في الجاهليّة أصابوا عوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف، و الفاكه بن المغيرة، و كانا أقبلا تاجرين من اليمن فنزلا بهم ثمّ قتلوهما و أخذوا أموالهما، فلمّا جاء الإسلام و بعث النبي خالدا، و رأوه حملوا السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح فإنّ الناس قد أسلموا فقال رجل منهم: ويلكم إنّه خالد و اللّه ما بعد وضع السلاح إلّا الإسار و ما بعده إلّا القتل و لا أضع سلاحي، إنّه يريد أن يسفك دماءنا، إنّ الناس قد أسلموا و وضع الحرب، و أمن الناس و ما زالوا به حتّى وضع سلاحه، فأمر بهم خالد فكتفوا ثمّ عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم، فلمّا انتهى الخبر إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رفع يديه إلى السماء ثمّ قال: اللهمّ إنّي أبرأ إليك من فعل خالد و ممّا صنع خالد بن الوليد، ثمّ دعا علي بن أبي طالب فقال: يا علي انطلق إلى هؤلاء القوم و انظر في أمورهم و اجعل أمر الجاهليّة تحت قدميك، فخرج حتّى جاءهم و معه مال قد بعثه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فردّ إليهم الدماء و ما أصيب من الأموال؟ حتّى إنّه ليدي ميلغة الكلب [1] حتّى إذا لم يبق لهم شيء من دم أو مال إلّا أدّاه، بقيت معه بقيّة من المال، فقال لهم: هل بقي لكم شيء من دم أو مال؟ قالوا: لا، قال: فإنّي أعطيكم هذه البقيّة احتياطا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ممّا لا نعلم و لا تعلمون، ففعل و رجع إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأخبره، فقال: أصبت و أحسنت، ثمّ قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتّى إنّه ليرى بياض ما تحت منكبيه و هو يقول: اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد ثلاث مرّات. [غزوة حنين] ثمّ كانت غزوة حنين، فاستظهر فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بكثرة الجمع، فخرج و معه عشرة آلاف من المسلمين، فظنّ أكثرهم أن لن يغلبوا لما شاهدوا من كثرة جمعهم و عددهم و عدّتهم، و أعجب أبا بكر الكثرة يومئذ فقال: لن نغلب اليوم من قلّة، فكان الأمر بخلاف ما ظنّوه و عانهم أبو بكر [2]، فلمّا التقوا لم يلبثوا و انهزموا بأجمعهم، و لم يبق مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلّا تسعة من بني هاشم، و عاشرهم أيمن بن أم أيمن، و قتل رحمه اللّه و ثبت التسعة الهاشميون و رجعوا بعد ذلك و تلاحقوا، و كانت الكرّة لهم على المشركين، فأنزل اللّه في إعجاب أبي بكر بالكثرة:{/~{/ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [3] يريد عليّا (عليه السلام) و من ثبت معه من بني هاشم، أمير المؤمنين و ثمانية: العباس بن عبد المطّلب عن يمين رسول اللّه، و الفضل بن العباس عن يساره، و أبو سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند نفر بغلته، و أمير المؤمنين بالسيف بين يديه، و نوفل بن حرث، و ربيعة بن الحرث، و عبد اللّه بن الزبير بن عبد المطّلب، و عتبة و معتب ابنا أبي لهب حوله و في ذلك يقول مالك بن عبادة الغافقي: لم يواس النبي غير بني هاشم عند السيوف يوم حنين هرب الناس غير تسعة رهط فهم يهتفون بالناس أين [1] ثمّ قاموا مع النبي على الموت فآبوا زينا لنا غير شين [2] و ثوى أيمن الأمين من القوم شهيدا فاعتاض قرّة عين [3] و قال العباس بن عبد المطلب في هذا المقام: نصرنا رسول اللّه في الحرب تسعة و قد فرّ من قد فرّ عنه فأقشعوا [4] و قولي إذا ما الفضل شدّ بسيفه على القوم أخرى يا بني ليرجعوا [5] و عاشرنا لاقى الحمام بنفسه لما ناله في اللّه لا يتوجّع [6] يعني به أيمن بن أم أيمن، و لمّا رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هزيمة القوم قال للعباس، و كان رجلا جهوريّا صيتا: ناد في الناس و ذكّرهم العهد، فنادى العباس: يا أهل بيعة الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، إلى أين تفرّون؟ اذكروا العهد الذي عاهدكم عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و القوم على وجوههم قد ولّوا مدبرين، و كانت ليلة ظلماء و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الوادي و المشركون قد خرجوا عليه من جنبات الوادي و شعابه و مضايقه بسيوفهم و عمدهم، فنظر إلى الناس ببعض وجهه فأضاء كأنّه القمر ليلة البدر، ثمّ نادى: أين ما عاهدتم اللّه عليه؟ فأسمع أوّلهم و آخرهم فلم يسمعها رجل إلّا رمى بنفسه إلى الأرض و انحدروا إلى حيث كانوا من الوادي، حتّى لحقوا بالعدوّ فواقعوه، و جاء رجل من هوازن على جمل و معه راية سوداء في رأس رمح طويل أمام القوم إذا أدرك ظفرا من المسلمين أكب عليهم، و إذا فاته الناس رفعه لمن وراءه من المشركين فاتبعوه و هو يرتجز: أنا أبو جرول لا براح حتّى نبيح القوم أو نباح فصمد له أمير المؤمنين فضرب عجز بعيره فصرعه ثمّ ضربه فقطره [7]. ثمّ قال: قد علم القوم لدى الصباح إنّي في الهيجاء ذو نضاح [1] فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول لعنه اللّه، ثمّ التأم المسلمون و صفّوا للعدو، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): اللهمّ إنّك أذقت أوّل قريش نكالا فأذق آخرهم وبالا و تجالدوا فقام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في ركائبه فقال: الآن حمى الوطيس [2]. و قال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطّلب فما كان أسرع من أن ولّى القوم أدبار هم و جيء بالأسرى مكتفين، و لمّا قتل أمير المؤمنين أبا جرول و وضع المسلمون سيوفهم فيهم قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) منهم أربعين رجلا، ثمّ كانت الهزيمة و الأسر حينئذ، و كان أبو بكر الذي عانهم و علي (عليه السلام) الذي أعانهم، و كان أبو سفيان صخر بن حرب في جملة من انهزم من المسلمين. فروي عن معاوية قال: لقيت أبي منهزما مع بني أبيه من أهل مكّة، فصحت به: يا ابن حرب و اللّه ما صبرت من ابن عمّك و لا قاتلت عن دينك و لا كففت هؤلاء الأعراب عن حريمك، فقال: من أنت؟ فقلت: معاوية، قال: ابن هند؟ قلت: نعم، فقال: بأبي و أمّي ثمّ وقف و اجتمع معه ناس من أهل مكّة، و انضممت إليهم و حملنا على القوم، فضعضعناهم و ما زال المسلمون يقتلون و يأسرون حتّى تعالى النهار. و في هذه الغزاة قسّم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الغنائم و أجزل القسم للمؤلّفة قلوبهم كأبي سفيان و معاوية ابنه، و عكرمة بن أبي جهل و رجال منهم، و أعطى الأنصار شيئا يسيرا، فغضب ناس من الأنصار و بلغه عنهم مقال فأسخطه، فجمعهم و قال: اجلسوا و لا يجلس معكم أحد غيركم، فجاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و معه أمير المؤمنين فجلس وسطهم فقال: إنّي سائلكم فأجيبوني، أ لم تكونوا ضالّين فهداكم اللّه بي؟ قالوا: بلى فللّه المنّة و لرسوله، قال: أ لم تكونوا على شفا حفرة من النّار فأنقذكم اللّه بي؟ قالوا: بلى فللّه المنّة و لرسوله، قال: أ لم تكونوا أعداء فألّف اللّه بين قلوبكم بي؟ قالوا: بلى فللّه المنّة و لرسوله، ثمّ سكت (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هنيهة و قال: أ لا تجيبون بما عندكم؟ قالوا: بم نجيبك فداك آباؤنا و أمّهاتنا؟ قد أجبنا بأنّ لك المنّ و الفضل و الطول علينا. قال: أمّا لو شئتم لقلتم و أنت جئتنا طريدا فآويناك، و خائفا فأمنّاك، و مكذّبا فصدّقناك، فارتفعت أصواتهم بالبكاء و قام شيوخهم و ساداتهم فقبّلوا يديه و رجليه و قالوا: رضينا باللّه و عنه و برسوله و عنه، و هذه أموالنا بين يديك فإن شئت فاقسمها على قومك و إنّما قال من قال منّا على غير وغر صدر و غلّ في قلب [1]، و لكنّهم ظنّوا سخطا عليهم و تقصيرا لهم و قد استغفروا من ذنوبهم، فاستغفر لهم يا رسول اللّه. فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): اللهمّ اغفر للأنصار و لأبناء الأنصار و لأبناء أبناء الأنصار، يا معشر الأنصار أ ما ترضون أن يرجع غيركم بالثناء و النعم و ترجعون أنتم و في سهمكم رسول اللّه؟ قالوا: بلى رضينا، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الأنصار كرشي و عيبتي [2] لو سلك الناس واديا و سلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار. و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أعطى العباس بن مرداس أربعة من الإبل يومئذ فسخطها و قال يومئذ: أ تجعل نهبي و نهب العبيد بين عيينة و الأقرع [3] و ما كان حصن و لا حابس يفوقان شيخي في مجمع و ما كنت دون امرئ منهم و من يوضع اليوم لا يرفع فبلغ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ذلك فأحضره و قال: أنت القائل: أ تجعل نهبي و نهب العبيد بين الأقرع و عيينة، فقال له أبو بكر: بأبي أنت و أمّي لست بشاعر؟ قال: و كيف قال؟ قال: بين عيينة و الأقرع، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأمير المؤمنين (عليه السلام): قم يا علي إليه فاقطع لسانه، قال: فقال العباس: فو اللّه لهذه الكلمة كانت أشدّ عليّ من يوم خثعم حين أتونا في ديارنا، فانطلق بي و إنّي لأودّ أن أخلص منه، فقلت: أ تقطع لساني؟ قال: إنّي ممض فيك قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فما زال حتّى أدخلني الخطائر [1] و قال: خذ ما بين أربع إلى مائة، فقلت: بأبي أنت و أمّي ما أكرمكم و أحلمكم و أعلمكم؟ فقال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أعطاك أربعا و جعلك مع المهاجرين، فإن شئت فخذها و إن شئت فخذ المائة و كن مع أهل المائة، قال: قلت: أشر عليّ، قال: إنّي آمرك أن تأخذ ما أعطاك و ترضى، قلت: فإنّي أفعل، و لمّا قسم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) غنائم حنين جاء رجل طوال أدم أحنى [2] بين عينيه أثر السجود، فسلّم و لم يخص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ثمّ قال: قد رأيتك و ما صنعت في هذه الغنائم؟ فقال: و كيف رأيت؟ قال: لم أرك عدلت، فغضب رسول اللّه و قال: ويلك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ فقال المسلمون: أ لا نقتله؟ فقال: دعوه فإنّه سيكون له أتباع يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يقتلهم اللّه على يدي أحبّ الخلق إليه من بعدي، فقتله أمير المؤمنين فيمن قتل من الخوارج يوم النهروان. فانظر إلى مفاخر أمير المؤمنين في هذه الغزاة و مناقبه، و جل بفكرك في بدائع فضله و عجائبه، و احكم فيها برأي صحيح الرأي صائبه، و اعجب من ثباته حين فرّ الشجاع على أعقابه، و لم ينظر في الأمر و عواقبه، و اعلم أنّه أحق بالصحبة حين لم ير مفارقة صاحبه، و تيقّن أنّه إذا حمّ الحمام لم ينتفع المرء بغير أهله و أقاربه، فإذا صحّ بذلك عندك بدلائله و بيّناته، و عرفته بشواهده و علاماته، فاقطع أنّ ثبات من ثبت من نتائج ثباته، و أنّهم كانوا أتباعا له في حروبه و مقاماته، و إنّ رجوع من رجع من هزيمته، فإنّما كان عند ما بان لهم من النصر و أماراته، و قتله ذلك الطاغية في أربعين من حماته، حتّى أذن اللّه بتفرقة ذلك الجمع و شتاته، و اقتسم المسلمون ما أفاءه اللّه عليهم من غنائم ذلك الجيش اللهام، و إصلاحه أمر العباس حين فهم عن رسول اللّه فحوى الكلام، و ردّه بلطف توصله إلى الرضا بقسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فصحّ له باتباع رأيه الثبات على الإسلام، ثمّ كلام ذلك الشقي الذي اعترض على قسمة النبي و نطق الشيطان على لسانه، فسام نفسه في المرعى الوبيل الوبى، و حكم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه من جرز سيف الوصي، و نبّه بذلك على فضله، و أنّه على الصراط السوي، و أنّه على الحق و الحق معه إخبارا من اللّه العلي. [غزوة الطائف] و سار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى الطائف فحاصرها، و أنفذ أمير المؤمنين في خيل، و أمره أن يطأ ما وجد و يكسر كلّ صنم وجده، فسار و لقيته خيل من خثعم في جمع كثير، و برز إليه رجل منهم اسمه شهاب في وقت الصبح، فقال (عليه السلام): إنّ على كلّ رئيس حقّا أن يروى الصعدة أو تندقا [1] و ضربه فقتله و هزم جمعه و كسر الأصنام، و عاد إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو على الطائف، فخلا به و ناجاه طويلا، قال جابر: فقال عمر بن الخطاب: أ تناجيه و تخلو به دوننا؟! فقال: يا عمر ما أنا انتجيته و لكنّ اللّه انتجاه، و خرج من حصن الطائف نافع بن غيلان في خيل من ثقيف، فلقيه أمير المؤمنين ببطن وجّ فقتله و انهزم المشركون و دخلهم الرعب فنزل منهم جماعة و أسلموا و كان حصار الطائف بضعة عشر يوما. ثمّ كانت غزوة تبوك فأمر اللّه رسوله بالخروج إليها بنفسه و أن يستنفر الناس للخروج إليها و أخبره أنّه لا يحتاج فيها إلى حرب، و لا يمنى فيها بقتال عدو، و أنّ الأمور تنقاد له بغير سيف، و تعبده بامتحان أصحابه بالخروج معه، و اختبار هم ليتميّزوا بذلك و كان الحرّ قويّا و قد أينعت ثمارهم [2] فأبطأ أكثرهم عن طاعته رغبة في العاجل، و حرصا على المعيشة و إصلاحها، و خوفا من القيظ و بعد المسافة و لقاء العدو و نهض بعضهم على استثقال النهوض، و تخلف آخرون، و استخلف علي (عليه السلام) في اهله و ولده و أزواجه و مهاجريه، و قال: يا علي إنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك لأنّه خالف عليها في غيبته ممّن عساه يطمع فيها من مفسدي العرب، فاستظهر لها باستخلافه فيها، و إنّ المنافقين لمّا علموا «أن يخضب الصعدة أو تندقا» الصعدة: القناة المستوية المستقيمة. [2] أينع الثمر: أدرك و طاب. باستخلافه عليّا حسدوه و عظم عليهم مقامه بعد رسول اللّه، و علموا أنّه لم يغب إذا حضرها، و أنّه لا مطمع للعدو فيها بوجوده، و غبطوه على الرفاهية و الدعة، و تكلّف من خرج منهم المشاق، فأرجفوا [1] أنّه لم يخلفه إكراما له و لا إجلالا، و إنّما خلفه استثقالا لمكانه و رغبة في بعده، فبهتوه بهذا الإرجاف كما قيل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّه ساحر و إنّه شاعر و إنّما يعلّمه بشر، و هم يعلمون أنّهم يكذبون عليه، و إنّه على خلاف ما يقولون، فإنّه كان أحب الناس إليه و أقربهم من قلبه. فلمّا سمع (عليه السلام) أراد إظهار كذبهم و فضيحتهم، فلحق بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: يا رسول اللّه إنّ المنافقين زعموا أنّك إنّما خلّفتني استثقالا و مقتا، فقال: ارجع يا أخي إلى مكانك فإنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك، فأنت خليفتي في أهلي و دار هجرتي و قومي، أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، فأظهر من استخلافه و أبان من منزلته منه ما استوجب به كلّما كان وجب لهارون (عليه السلام)، و استثنى النبوّة ليتحقق له ما عداها من الأحكام التي كانت لهارون في قوله تعالى: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي [2] و في قوله تعالى: وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي فأجاب اللّه مسائلته بقوله تعالى: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى [3] فوجب لعلي (عليه السلام) من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كلّما وجب لهارون من موسى عليهما الصلاة و السلام إلّا النبوّة التي استثناها. و هذه فضيلة ما شاركه فيها أحد من البشر، و منقبة فات بها من بقي و من غبر، و سيرة طرزت عيون التواريخ و السير، و مكارم نبّه لها عليّ فاستغنى عن عمر، و لو علم اللّه تعالى أنّ نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يحتاج في هذه الغزاة إلى حرب لم يأذن في تخلفه، و لا رضى بلبثه عنها و توقفه، و لكنّه وعد بأنّ الجهة التي يقصدها لا يفتقر في نيلها إلى مصاولة و لا يحتاج في تملكها إلى منازلة فاستخلف عليا على حراسة دار هجرته، و حفظ ما يخالف عليه من كيد العدو و معرّته. [قدوم عمرو بن معديكرب و اسلامه] و لمّا عاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قدم عمرو بن معد كرب الزبيدي فقال له رسول اللّه: أسلم يا عمرو يؤمنك اللّه يوم الفزع الأكبر، فقال: ما الفزع الأكبر؟ فإنّي لا أفزع، فقال: يا عمرو إنّه ليس كما تظنّ، إنّ الناس يصاح بهم صيحة واحدة فلا يبقى ميّت إلّا نشر و لا حيّ إلّا مات إلّا ما شاء اللّه، ثمّ يصاح بهم صيحة أخرى فينشر من مات، و يصفون جميعا و تنشق السماء، و تهدّ الأرض، و تخرّ الجبال، و تزفر النيران و ترمي النار بمثل الجبال شررا فلا يبقى ذو روح إلّا انخلع قلبه ذكر ذنبه، و شغل بنفسه إلّا من شاء اللّه، فأين أنت يا عمرو من هذا؟ قال: إنّي أسمع أمرا عظيما و أسلم و آمن باللّه و رسوله، و آمن معه ناس من قومه و رجعوا إلى قومهم. [فضائله (عليه السلام) في قصة بني زبيد] ثمّ إنّ عمروا نظر إلى ابن أبي عثعث الخثعمي فأخذ برقبته و جاء به إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: أعدني على هذا الفاجر الذي قتل أبي، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أهدر الإسلام ما كان في الجاهلية، فانصرف عمرو مرتدا و أغار على قوم من بني الحرث بن كعب و مضى إلى قومه فاستدعى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمير المؤمنين (عليه السلام) و أمّره على المهاجرين و أنفذه إلى بني زبيد، و أرسل خالد بن الوليد في طائفة من الأعراب و أمره بقصد الجعفى، فإذا التقيا فالأمير أمير المؤمنين، فاستعمل أمير المؤمنين على مقدّمته خالد بن سعيد بن العاص، و استعمل خالد بن الوليد على مقدمته أبا موسى الأشعري، فلمّا سمعت جعفى افترقت فرقتين ذهبت إحداهما إلى اليمن و مالت الاخرى إلى بني زبيد، فسمع أمير المؤمنين فكاتب خالدا أن قف حيث أدركك رسولي، فلم يقف، فكتب إلى خالد بن سعيد يأمره بأن تعرض له حتّى تحبسه، فاعترض له و حبسه، فأدركه أمير المؤمنين و عنّفه على خلافه و سار حتّى لقي بني زبيد، فلمّا رأوه قالوا لعمرو: و كيف أنت يا أبا ثور إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الأتاوة [1]؟ فقال: سيعلم إذا لقيني، و خرج عمرو فقال: من يبارز؟ فنهض إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقام خالد بن سعيد، فقال له: دعني يا أبا الحسن بأبي أنت و أمّي أبارزه، فقال (عليه السلام): إن كنت ترى لي عليك طاعة فقف مكانك، فوقف ثمّ برز إليه أمير المؤمنين فصاح به صيحة فانهزم عمرو و قتل أخاه و ابن أخيه، و أخذت امرأته و سبى منهم نسوان و انصرف أمير المؤمنين (عليه السلام) و خلّف خالد بن سعيد ليقبض زكواتهم و يؤمّن من عاد منهم إليه مسلما، فرجع عمرو بن معد يكرب و استأذن على خالد بن سعيد فأذن له فعاد إلى الإسلام و كلّمه في امرأته و ولده فوهبهم له. و كان (عليه السلام) اصطفى من السبي جارية فبعث خالد بن الوليد بريدة الأسلمي إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال له: تقدّم الجيش و أعلمه بما فعل علي من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه وقع فيه [1]، فسار بريدة إلى باب رسول اللّه فلقيه بعض الجماعة و سأله عن حالهم، فأخبره و قال: إنّما جئت لأعرف النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما فعل عليّ من اصطفائه الجارية، فقال: اذهب لما جئت فيه فإنّه سيغضب لابنته ممّا صنع علي، فدخل بريدة و معه كتاب خالد فيما أرسله فيه فجعل يقرأه و وجه رسول اللّه يتغيّر، فقال بريدة يا رسول اللّه إن رخصت للناس في مثل هذا ذهب فيئهم، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ويحك يا بريدة، أحدثت نفاقا؟ إنّ علي بن أبي طالب يحلّ له من الفيء ما يحلّ لي، إنّ عليّ بن أبي طالب خير الناس لك و لقومك و خير من أخلف بعدي لكافّة أمّتي، يا بريدة احذر أن تبغض عليّا فيبغضك اللّه، قال بريدة: فتمنّيت أنّ الأرض انشقّت لي فسخت فيها و قلت: أعوذ باللّه من سخط اللّه و سخط رسوله، يا رسول اللّه استغفر لي فلن أبغض عليّا أبدا و لا أقول فيه إلّا خيرا، فاستغفر له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و في هذه الغزاة من الفضل لأمير المؤمنين و الفتح على يده و إظهار النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منزلته، و أنّه يحلّ له من الفيء ما يحلّ له و اختصاصه بذلك دون غيره، و ما ظهر من حبّ النبي له، و تحذيره من بغضه و تعريف فضله من لم يكن يعرفه، و حثّ بريدة على حبّه و قوله: هو خير الناس لك و لقومك، و خير من أخلف بعدي لكافّة أمّتي، تعريض- لا و اللّه- بل تصريح بخلافته و إمامته، و إشعار بمحلّه منه و مكانته، و أنّه أحقّهم بمقامه من بعده، و أخصّهم به في نفسه، و آثرهم عنده ما لا يشاركه فيه أحد، و لا يقاربه و لا يدانيه، و من أين يشارك شأوه (عليه السلام) من يبتغيه، و قد اجتمع له من خلال الشرف ما اجتمع فيه صلّى اللّه عليه و على نبيّه و آله و ذويه.
كشف الغمة — ذكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) · فصل [في قصة بني جذيمة