الأقسامكشف الغمة في معرفة الأئمةذكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)
كشف الغمة

كان زاهدا و أمره النبي بطاعة أبيه كما ورد، و هو روى أنّ عمّارا تقتله الفئة الباغية، و ما أحسّ أنّ طاعة أبيه إنّما يجب اتّباعها إذا كانت في خير و طاعة، أ تراه لم يسمع: لا طاعة لمخلوق في عصيان الخالق، و هو كما روي أنّ أوّل كلام قاله أبو بكر حين ولّى الخلافة، أولم يسمع قوله تعالى: وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما [4] الآية إلى آخرها؟ و قد روى أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت رحمه اللّه قال: سمعت أبا القاسم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، و ينكرونكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى اللّه تعالى، فلا تعتلوا بربّكم عزّ و جلّ، و كذا حال كلّ من عاند عليّا (عليه السلام)، فإنّ منهم من عرف فضله و سابقته و شرفه، لكنّهم غلبوا حبّ الدنيا على الآخرة، و باعوا نصيبهم منها بعاجل حصل لهم، فكانوا من الأخسرين أعمالا، الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا كمعاوية و عمرو بن العاص و أمثالهما، و منهم من أخطأ في التأويل كعبد اللّه بن عمر و الخوارج، و منهم من قعد عنه شاكّا في حروبه و مغازيه و هم جماعة، و ندموا عند موتهم حين لا ينفع الندم كعبد اللّه ابن عمر و غيره، فإنّه ندم على تخلّفه عن علي (عليه السلام) حين لا ينفع الندم كما ورد و نقلته الرواة، و منهم من ظهرت له أمارات الحقّ و أدركه اللّه برحمته فاستدرك الفارط كما جرى لخزيمة بن ثابت، فإنّه ما زال شاكّا معتزلا الحرب في الجمل، و في بعض أيّام صفّين، فلمّا قتل عمّار رحمه اللّه أصلت سيفه و قاتل حتّى قتل، و لا أكاد أعذر أحدا ممّن تخلّف عنه صلوات اللّه عليه، و لا أنسب ذلك منهم إلّا إلى بله و قلّة تمييز و عدم تعقّل و غباوة عظيمة، فإنّ دخول عليّ في أمر ما دليل على حقيّة ذلك الأمر و صحّته و ثباته و وجوب العمل به لفضله و علمه في نفسه، و لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في حقّه: أقضاكم عليّ، أدر الحقّ مع عليّ، لا يحبّك إلّا مؤمن و لا يبغضك إلّا منافق، في أمثال لذلك كثيرة و لكنّ التوفيق عزيز و اللّه يهدي لنوره من يشاء. و أنشدني بعض الأصحاب هذه الأبيات و قال: إنّها وجدت مكتوبة على باب مشهد بصفّين: رضيت بأن ألقى القيامة خائضا دماء نفوس حاربتك جسومها أبا حسن إن كان حبّك مدخلي جحيما فإنّ الفوز عندي جحيمها و كيف يخاف النّار من بات موقنا بأنّك مولاه و أنت قسيمها [أمر الخوارج] و انتشر أمر الخوارج و قاموا على سوقهم في مخالفة ملّة الإسلام، و اعتلوا بكلمة حقّ يراد بها باطل، كما قال عليه أفضل الصلاة و السلام، و اتّبعوا أهواء نفوسهم، فمرقوا من الدين مروق السهام، فتجرّد أمير المؤمنين لاستيصالهم بسيوف الانتقام، و صدّقهم الحملة بعزيمته التي لا تنى دون إدراك القصد و نيل المرام. و تلخيص حالهم كما أورده ابن طلحة رحمه اللّه- و كانت هذه الوقائع مسطورة مبسوطة في كتب المؤرخين و الأخباريين- أنّ عليّا (عليه السلام) لمّا عاد من صفّين إلى الكوفة بعد إقامة الحكمين، أقام ينتظر انقضاء المدّة التي بينه و بين معاوية ليرجع إلى المقاتلة و المحاربة إذ انخزلت طائفة من خاصّة أصحابه في أربعة آلاف فارس و هم العبّاد و النسّاك، فخرجوا من الكوفة و خالفوا عليّا (عليه السلام) و قالوا: لا حكم إلّا للّه، و لا طاعة لمن عصى اللّه، و انحاز إليهم نيّف عن ثمانية آلاف ممّن يرى رأيهم فصاروا اثنا عشر ألفا و ساروا إلى أن نزلوا بحروراء، و أمّروا عليهم عبد اللّه بن الكوّاء، فدعا علي (عليه السلام) عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما فأرسله إليهم فحادثهم و أطال فلم يرتدعوا، و قالوا: ليخرج إلينا عليّ بنفسه لنسمع كلامه عسى أن يزول ما بأنفسنا إذا سمعناه، فرجع ابن عباس فأخبره، فركب في جماعة و مضى إليهم، فركب ابن الكوّاء في جماعة منهم فواقفه، فقال له علي (عليه السلام): يا ابن الكوّاء إنّ الكلام كثير فأبرز إليّ من أصحابك لاكلّمك، فقال: و أنا آمن من سيفك؟ فقال: نعم، فخرج إليه في عشرة من أصحابه. فقال له (عليه السلام) عن الحرب مع معاوية و ذكر له رفع المصاحف على الرماح و أمر الحكمين، و قال: أ لم أقل لكم إنّ أهل الشام يخدعونكم بها فإنّ الحرب قد عضّتهم فذروني أناجزهم فأبيتم؟ أ لم أرد أنصب أبن عمّي حكما؟ و قلت: إنّه لا ينخدع فأبيتم إلّا أبا موسى الأشعري، و قلتم: رضينا به حكما، فأجبتكم كارها، و لو وجدت في ذلك الوقت أعوانا غيركم لما أجبتكم، و شرطت على الحكمين بحضوركم أن يحكما بما أنزل اللّه من فاتحته إلى خاتمته و السنّة الجامعة، و أنّهما إن لم يفعلا فلا طاعة لهما عليّ كان ذلك أو لم يكن؟ قال ابن الكوّاء: صدقت قد كان هذا كلّه فلم لا ترجع الآن إلى محاربة القوم؟ فقال: حتّى تنقضي المدّة التي بيننا و بينهم، قال ابن الكوّاء: و أنت مجمع على ذلك؟ قال: نعم و لا يسعني غيره، فعاد ابن الكوّاء و العشرة الذين معه إلى أصحاب علي (عليه السلام) راجعين عن دين الخوارج و تفرّق الباقون و هم يقولون: لا حكم إلّا للّه. و أمّروا عليهم عبد اللّه بن وهب الراسبي و حرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية، و عسكروا بالنهروان، و خرج عليّ فسار حتّى بقي على فرسخين منهم، و كاتبهم و راسلهم فلم يرتدعوا، فأركب إليهم ابن عبّاس و قال: سلهم ما الذي نقموا و أنا أردفك فلا تخف منهم، فلمّا جاءهم ابن عبّاس قال: ما الذي نقمتم من أمير المؤمنين؟ قالوا: نقمنا أشياء لو كان حاضرا لكفّرناه بها، و علي (عليه السلام) وراءه يسمع ذلك، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين قد سمعت كلامهم و أنت أحقّ بالجواب. فتقدّم و قال: أيها الناس، أنا علي بن أبي طالب، فتكلّموا بما نقمتم عليّ، قالوا: نقمنا عليك أوّلا أنّا قاتلنا بين يديك بالبصرة فلمّا أظفرك اللّه بهم أبحتنا ما في عسكر هم و منعتنا النساء و الذريّة فكيف حلّ لنا ما في العسكر و لم تحل لنا النساء؟ فقال لهم علي (عليه السلام): يا هؤلاء، إنّ أهل البصرة قاتلونا و بدءونا بالقتال فلمّا ظفرتم اقتسمتم سلب من قاتلكم و منعتكم من النساء و الذريّة فإنّ النساء لم يقاتلن، و الذريّة و لدوا على الفطرة و لم ينكثوا و لا ذنب لهم، و لقد رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منّ على المشركين فلا تعجبوا إن مننت على المسلمين فلم أسب نساءهم و لا ذريّتهم. و قالوا: نقمنا عليك يوم صفّين كونك محوت اسمك من إمرة المؤمنين، فإذا لم تكن أميرنا فلا نطيعك و لست أميرا لنا، فقال: يا هؤلاء إنّما اقتديت برسول اللّه حين صالح سهيل بن عمرو و قد تقدّمت قصّته. قالوا: فإنّا نقمنا عليك أنّك قلت للحكمين انظرا كتاب اللّه فإن كنت أفضل من معاوية فأثبتاني في الخلافة، فإذا كنت شاكّا في نفسك فنحن فيك أشدّ و أعظم شكّا، فقال (عليه السلام): إنّما أردت بذلك النصفة، فإنّي لو قلت أحكما لي و ذرا معاوية لم يرض و لم يقبل، و لو قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لنصارى نجران لمّا قدموا عليه: تعالوا حتّى نبتهل و أجعل لعنة اللّه عليكم لم يرضوا، و لكن أنصفهم من نفسه كما أمره اللّه تعالى فقال: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [1] فأنصفهم من نفسه فكذلك فعلت أنا و لم أعلم بما أراد عمرو ابن العاص من خدعه أبا موسى. قالوا: فإنّا نقمنا عليك أنّك حكّمت حكما في حقّ هو لك. فقال: إنّ رسول اللّه حكّم سعد بن معاذ في بني قريظة و لو شاء لم يفعل، و أنا اقتديت به، فهل بقي عندكم شيء؟ فسكتوا و صاح جماعة منهم من كلّ ناحية: التوبة التوبة يا أمير المؤمنين، و استأمن إليه ثمانية آلاف، و بقي على حربه أربعة آلاف، فأمر (عليه السلام) المستأمنين بالاعتزال عنه في ذلك الوقت، و تقدّم بأصحابه حتّى دنا منهم، و تقدّم عبد اللّه بن وهب و ذو الثدية حرقوص و قالا: ما نريد بقتالنا إيّاك إلّا وجه اللّه و الدار الآخرة، فقال علي (عليه السلام): هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [2]. ثمّ التحم القتال بين الفريقين، و استعرت الحرب بلظاها و أسفرت عن زرقة صبحها و حمرة ضحاها، فتجادلوا و تجالدوا بالسنة رماحها، و حداد ظباها، فحمل فارس من الخوارج يقال له الأخنس الطائي و كان شهد صفّين مع علي (عليه السلام)، فحمل و شقّ الصفوف يطلب عليّا، فبدره عليّ بضربة فقتله، فحمل ذو الثدية ليضرب عليّا فسبقه علي (عليه السلام) و ضربه ففلق البيضة و رأسه فحمله فرسه و هو لما به فألقاه في آخر المعركة في جرف دالية [3] على شط النهروان. و خرج من بعده ابن عمّه مالك بن الوضّاح و حمل على عليّ فضربه علي فقتله، و تقدّم عبد اللّه بن وهب الراسبي فصاح: يا ابن أبي طالب، و اللّه لا نبرح من هذه المعركة أو تأتي على أنفسنا أو نأتي على نفسك، فابرز إليّ و أبرز إليك، و ذر الناس جانبا، فلمّا سمع علي (عليه السلام) كلامه تبسّم و قال: قاتله اللّه من رجل ما أقلّ حياءه، أمّا إنّه ليعلم أنّي حليف السيف و خدين الرمح [1] و لكنّه قد يئس من الحياة و إنّه ليطمع طمعا كاذبا، ثمّ حمل على علي (عليه السلام) فضربه علي و قتله و ألحقه بأصحابه القتلى، و اختلطوا فلم يكن إلّا ساعة حتّى قتلوا بأجمعهم و كانوا أربعة آلاف. فما أفلت منهم إلّا تسعة أنفس: رجلان هربا إلى خراسان إلى أرض سجستان و بهما نسلهما، و رجلان إلى بلاد عمّان و بهما نسلهما، و رجلان صارا إلى اليمن و بهما نسلهما و هم الأباضية، و رجلان صارا إلى بلاد الجزيرة إلى موضع يعرف بالسن و البوازيج و إلى شاطئ الفرات، و صار آخر إلى تل موزن. و غنم أصحاب علي (عليه السلام) غنائم كثيرة، و قتل من أصحاب علي (عليه السلام) تسعة بعدد من سلم من الخوارج، و هي من جملة كرامات علي (عليه السلام) فإنّه قال: نقتلهم و لا يقتل منّا عشرة، و لا يسلم منهم عشرة، فلمّا قتلوا قال علي (عليه السلام): التمسوا المخدج [2]، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي (عليه السلام) بنفسه حتّى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض، فقال: أخّروهم، فوجدوه ممّا يلي الأرض، فكبّر علي (عليه السلام) و قال: صدق اللّه و بلّغ رسوله. قال أبو الرضي: فكأنّي أنظر إليه حبشى عليه قريطق [3] إحدى ثدييه مثل ثدي المرأة، عليها شعرات مثل شعرات ذنب اليربوع. و هذا أبو الرضي هو عباد بن نسيب القيسي تابعي يروي عنه هذا القول أبو داود في سننه كما قال. فهذا تلخيص مواقفه (عليه السلام) في منازلة الطوائف المتّبعة تضليل أهوائها، و مقاتلة الناكثين و القاسطين و المارقين في مقاتلها بأعبائها، و ذكر كيفيّة قذفه بحقّه لإزهاق باطلها و كفّ غوائلها، و إرهاق عصيّها صعود بوار قاض عليه بشقائها، و قد تضمّن هذا الفصل من وقائعه المذكورة و مواقفه المأثورة ما فيه غنية كافية و كفاية مغنية، في أنّه قد ملك عصم الشجاعة، و أنّه من أكفاء أكفائها، و من تأمّل إقدامه (عليه السلام) في مأزق وقايعه و مضايق مواقفه، و معارك كره على الأبطال و هجومه على الأقران، و افتراس نفوس أخصامه ببأسه قاطّا بحسامه رقاب الهمام، مفلقا بشباه مفارق الرءوس، قادا بحدّه أوساط المارقين، و شاهد غلظته على أعداء اللّه تعالى و استيصال شأفتهم، و تفصيل أوصالهم، و تفريق جموعهم، و تمزيقهم كلّ ممزّق غير ثان عنان عزمه، و أعمال بطشه عن الإقدام على الصفوف المرصوصة و الكتائب المرصوفة و الكراديس المرصوفة، مبدّدا شمل اجتماعها، مشمرا عن ساق شجاعته لها، موغلا في غمرات القتال، مولعا صارمه في دماء الطلى و الأحشاء، تحقّق و استيقن أنّ هجيراه (عليه السلام) مكابدة الحروب و إدارة رحاها، و أنّ إليه في جميع الأحوال مردّها و منتهاها، و أنّه منها قدوة شيخها و كهلها و فتاها، و علم علما لا يعترضه شك أنّ اللّه عزّ و علا قد أتاه (عليه السلام) خصائص تكاد توصف بالتضادد، و حلاه بلطائف تجمع أشتات التعاند، إذ أين هذه الشدّة و البطش و الغلظة و البأس، و القد و القط و شقّ الهام و خفّة الإقدام، و تجديل الحجاج و إذلال الكماة، و إلصاق معاطسها الأبيّة بالرغام من خشوعه و خضوعه، راغبا راهبا، و تدرّعه من الزهادة و العبادة بسربال سابغ، و رداء سابل، و اتّصافه (عليه السلام) برقّة قلب، و هموع طرف، و انسكاب دمع، و تأوّه حزين، و إخبات منيب، و شعف عيشة، و جشب غذاء، و تقلّل قوت، و خشونة لباس، و تطليق الدنيا و زهرتها، و مواصلة الأوراد، و استغراق الأوقات بها، و الإشفاق على الضعيف، و الرحمة للمسكين، و التحلّي بخلال خير لا يتأنّى إلّا لمنقطع في كنّ جبل لا يصحب انسا و لا يسمع من البشر حسّا، مع المبالغة في معاتبة نفسه على التقصير في الطاعة، و هو مطيل في العبادة، هذا إلى فصاحة ألفاظه و بلاغة معانيه، و كلامه المتين في الزهد، و الحثّ على الإعراض عن الدنيا، و مبالغته في مواعظه الزاجرة، و زواجره الواعظة، و تذكيره القلوب الغافلة، و إيقاظه الهمم الراقدة، مطلقا في إيراد أنواع ذلك لسانا لا يفل عضبه، و لا يكل حدّه، و لا يسأم سامعه جنا حكمه، و لا ألفاظ بدائعه، و لا يمل عند إطالته لاستحلائه و استعذابه، بل يفتح السمع إليه مقفل أبوابه، و يرفع له مسبل حجابه. صفات أمير المؤمنين من اقتفى مدارجها أقنته ثوب ثوابه [1] صفات جلال ما اغتدى بلبانها سواه و لا حلّت بغير جنابه تفوّقها طفلا و كهلا فأينعت معاني المعالي فهي ملء إهابه [1] مناقب من قامت به شهدت له بإزلافه من ربّه و اقترابه [2] مناقب لطف اللّه أنزلها له و شرّف ذكراه بها في كتابه (هذا آخر كلام كمال الدين بن طلحة). قال الشيخ المفيد رحمه اللّه: و من آيات اللّه الخارقة للعادة في أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه لم يعهد لأحد من مبارزة الأقران و منازلة الأبطال مثل ما عرف لأمير المؤمنين من كثرة ذلك على مرّ الزمان، ثمّ لم يوجد في ممارسي الحروب إلّا من عرته بشرّ و نيل منه بجراح أو شين إلّا أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنّه لم ينله مع طول مدّة زمان حربه جراح من عدوّه، و لا وصل إليه أحد منهم بسوء، حتّى كان من أمره مع ابن ملجم لعنه اللّه على اغتياله إيّاه ما كان، و هذه اعجوبة أفرده اللّه تعالى فيها بالآية، و خصّه بالعلم الباهر في معناها، و دلّ بذلك على مكانه منه و تخصّصه بكرامته التي بان بفضلها من كافّة الأنام. و من آيات اللّه فيه (عليه السلام): أنّه لا يذكر ممارس للحروب لقى فيها عدوّا إلّا و هو ظافر به حينا و غير ظافر به حينا، و لا نال أحد منهم خصمه بجراح إلّا و قضى منها وقتا و عوفي منها وقتا، و لم يعهد من لم يفلت منه قرن في الحرب و لا نجا من ضربته أحد فصلح منها إلّا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنّه لا مرية في ظفره بكلّ قرن بارزه، و إهلاكه كلّ بطل نازله، و هذا أيضا ممّا انفرد به (عليه السلام) من كافّة الأنام، و خرق اللّه به العادة في كلّ حين و زمان، و هو من دلائله الواضحة. و من آيات اللّه تعالى أيضا فيه مع طول ملاقاته الحروب و ملابسته إيّاها، و كثرة من منى به فيها من شجعان الأعداء و صناديدهم، و تجمّعهم عليه و احتيالهم في الفتك [3] به، و بذل الجهد في ذلك، ما ولّى قط عن أحد منهم ظهره، و لا انهزم عن أحد منهم و لا تزحزح عن مكانه، و لا هاب أحدا من أقرانه، و لم يلق أحد سواه خصما له في حرب إلّا ثبت له حينا و انحرف عنه حينا، و أقدم عليه وقتا و أحجم عنه زمانا، و إذا كان الأمر على ما وصفناه ثبت ما ذكرناه من انفراده بالآية الباهرة و المعجزة الظاهرة و خرق العادة فيه، بما دلّ اللّه و كشف به عن فرض طاعته، و أبانه بذلك من كافّة خليقته. و قلت أمدحه (عليه السلام) من قصيدة طويلة، و أنشدتها بحضرته في مشهده المقدّس صلوات اللّه على الحالّ به. و إلى أمير المؤمنين بعثتها مثل السفائن عمن في تيّار [1] تحكى السهام إذا قطعن مفازة و كأنّها في دقّة الأوتار تنجو بمقصدها أغرّ شأى الورى بزكاء أعراق و طيب نجار [2] حمّال أثقال و مسعف طالب و ملاذ ملحوف و موئل جار [3] شرف أقرّ به الحسود و سؤدد شاد العلاء ليعرب و نزار [4] و سماحة كالماء طاب لوارد ظام إليه و سطوة كالنار و مآثر شهد العدو بفضلها و الحق أبلج و السيوف عواري [5] سل عنه بدرا إذ جلا هبواتها بشباة خطي و حدّ غرار [6] حيث الأسنّة كالنجوم منيرة تخفى و تبدو في سماء غبار و اسأل بخيبر إن عرتك جهالة بصحائح الأخبار و الآثار و اسأل جموع هوازن عن حيدر و حذار من أسد العرين حذار [7] و اسأل بخمّ عن علاه فإنّها تقضي بمجد و اعتلاء منار بولائه يرجوا النجاة مقصّر و تحطّ عنه عظائم الأوزار منها: يا راكبا يفلي الفلاة بجسرة زيّافة كالكوكب السيّار [8] حرّف براها السير حتّى أصبحت كيراعة أنحى عليها الباري [1] عرّج على أرض الغري وقف به و الثم ثراه وزره خير مزار و اخلع بمشهده الشريف معظّما تعظيم بيت اللّه ذي الأستار و قل السلام عليك يا خير الورى و أبا الهداة السادة الأبرار يا آل طه الأكرمين إليّه بكم و ما دهري يمين فجار إنّي منحتكم المودّة راجيا نيل المنى في الخمسة الأشبار فعليكم منّي السلام فأنتم أقصى رجاي و منتهى إيثاري و قلت أمدحه (عليه السلام) و أنشدتها في حضرته من قصيدة: سل عن عليّ مقامات عرفن به شدّت عرى الدين في حلّ و مرتحل بدرا و أحدا و سل عنه هوازن في أو طاس و اسأل به في وقعة الجمل [2] و اسأل به إذ أتى الأحزاب يقدمهم عمرو و صفين سل إن كنت لم تسل مآثر صافحت شهب النجوم علا مشيّدة قد سمت قدرا على زحل و سنّة شرعت سبل الهدى و ندى أقام للطالب الجدوى على السبل كم من يدلك فينا يا أبا حسن يفوق نائلها صوب الحيا الهطل [3] و كم كشفت عن الإسلام فادحة أبدت لتفرس عن أنيابها العضل [4] و كم نصرت رسول اللّه منصلتا كالسيف عرّي متناه من الخلل و ربّ يوم كظلّ الرمح ما سكنت نفس الشجاع به من شدّة الوهل [5] و مأزق الحرب ضنك لا مجال به [6] و منهل الموت لا يغني على النهل و النقع قد ملأ الأرجاء عثيره [7] فصار كالجبل الموفى على الجبل جلوته بشبا البيض القواضب و الجرد السلاهب و العسالة الذبل [1] بذلت نفسك في نصر النبي و لم تبخل و ما كنت في حال أخا بخل و قمت منفردا كالرمح منتصبا لنصره غير هيّاب و لا وكل [2] تردى الجيوش بعزم لو صدمت به صمّ الصفا لهوى من شامخ القلل يا أشرف الناس من عرب و من عجم و أفضل الناس في قول و في عمل يا من به عرف الناس الهدى و به ترجى السلامة عند الحادث الجلل يا من أعاد رسوم العدل جالية و طالما سترتها وحشة العطل يا فارس الخيل و الأبطال خاضعة يا من له كلّ خلق اللّه كالخول [3] يا سيّد الناس يا من لا مثيل له يا من مناقبه تسرى سرى المثل خذ من مديحي ما أسطيعه كرما فإن عجزت فإنّ العجز من قبلي و سوف أهدي لكم مدحا أحبره إن كنت ذا قدرة أو مدّ في أجلي

كشف الغمة — ذكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) · فصل: [بعث النبي صلى الله عليه و آله عليا (عليه السلام) إلى اليمن

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.